في مثل هذه الليلة 22 مايو من عام 1990م كانت اليمن على موعد مع حدث سياسي ومحطة تاريخية ومفصلية انتقلت فيها البلاد من واقع تشطيري إلى مشروع الدولة الواحدة في توقيت إقليمي ودولي يموج بالتحولات الكبرى لتشكيل خرائط النفوذ والأنظمة السياسية في العالم ضمن صراع القطبين العالميين الغربي الرأسمالي والشرقي الاشتراكي .
ومع وصول ميخائيل جورباتشوف إلى السلطة في الاتحاد السوفيتي وقيام البروستريكا ( إعادة البناء أو الهيكلة ) بدأت المنظومة الاشتراكية العالمية تتآكل من الداخل وظهرت بوادر الانهيار تتوالى حتى تفكك الاتحاد السوفيتي نفسه لتدخل الأنظمة المرتبطة به في أزمة وجودية وعميقة ، وضمن هذه التحولات بدأت إرهاصات السقوط السياسي والاقتصادي تضرب جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب بعد أن فقدت تدريجياً الغطاء الدولي – الاتحاد السوفيتي – الذي كانت تستند إليه.
وفي المقابل كانت الجمهورية العربية اليمنية في الشمال تعيش واقعاً مختلفاً تماماً اقتصاد حر وحركة تجارية نشطة ونشاط لابأس به من الحريات السياسية والدينية والاجتماعية مقارنة بالنظام الاشتراكي الأحادي الذي كان يحكم الجنوب تحت هيمنة الحزب الواحد ، ولهذا لم يكن المزاج الشعبي في الشمال متحمساً لقيام الوحدة بالحماسة ذاتها الموجودة في الجنوب.
فالجنوب كان ينظر إلى الوحدة بوصفها مخرجاً استراتيجياً من أزمة خانقة بينما كان قطاع واسع في الشمال يتعامل معها بحذر شديد ليس رفضاً للوحدة كمشروع وطني وإنما خوفاً من انتقال النموذج السياسي والاقتصادي الجنوبي إلى الشمال.
وقد تركزت هذه المخاوف في ثلاث قوى اجتماعية رئيسية:-
الأولى :- المشايخ والقيادات القبلية الذين كانوا يستحضرون ما جرى للمشايخ والسلاطين في الجنوب من مصادرة ونفي وإقصاء تحت شعارات القضاء على الطبقية وإعادة تشكيل التركيبة الاجتماعية.
الثانية :- طبقة التجار ورجال الأعمال الذين حملوا ذاكرة مؤلمة مع سياسات التأميم الاشتراكي حيث فقد كثير منهم ممتلكاتهم واستثماراتهم في الجنوب واضطروا للنزوح إلى إلى السعودية والشمال وحوربوا تحت لافتات محاربة البرجوازيةو الإمبريالية
الثالثة :- العلماء والدعاة وعموم التيار الديني الذين كانوا ينظرون بقلق بالغ إلى الفكر الماركسي بوصفه مشروعاً يصادم البنية العقدية والاجتماعية للمجتمع اليمني وبخاصة في ظل القيود التي كانت مفروضة على النشاط الديني والمؤسسات الدعوية في الجنوب حيث لم تكن هناك مساحة حقيقية للمنابر الحرة أو الندوات الدينية المفتوحة وكان الشعار السياسي السائد آنذاك – لا صوت يعلو فوق صوت الحزب-
وبحكم أنني محسوب من الفئة الثالثة فقد شاركت مع مجموعة من العلماء والدعاة في لقاء عاجل مع الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح عشية إعلان الوحدة مباشرة.
وقد حملنا معنا رسالة مطولة تتضمن جملة من التحفظات السياسية والفكرية أغلبها يتعلق بالمطالبة بإقرار الدستور أولاً قبل إعلان الوحدة ، باعتبار أن الدستور هو الضامن الحقيقي لهوية الدولة وشكل النظام السياسي وطبيعة الحريات العامة.
وقد ضم الوفد يومها عدداً من الشخصيات العلمية والاجتماعية والدعوية المعروفة من بينهم الشيخ عمر أحمد سيف والشيخ حمود هاشم الذارحي والشيخ مشرف عبدالكريم المحرابي والأستاذ ياسين عبدالعزيز والقاضي يحيى الشبامي والشيخ هلال الكبودي وآخرون رحم الله من رحل وحفظ الله من بقي.
وقد اتفقنا قبل اللقاء على أن يتولى القاضي يحيى الشبامي قراءة الرسالة على أن يلتزم بقية الحاضرين الصمت وألا يتحدث أحد سوى القارئ حتى لا يتحول الاجتماع إلى سجال يخرج عن غايته الأساسية ، وكان موقف الجميع بعد القراءة أن يقولوا للرئيس :- ما سمعتموه هو رأينا جميعاً .
استقبلنا الرئيس بحضور عدد من كبار رجال الدولة من بينهم الأستاذ عبدالعزيز عبدالغني والأستاذ حسن مكي وآخرون.
وبعد أن انتهى القاضي يحيى الشبامي من قراءة الرسالة وكانت حافلة بالتحذير من مخاطر الشيوعية والماركسية وانعكاساتها الفكرية والسياسية والدينية التفت الرئيس علي عبدالله صالح إلينا قائلاً:
هل تريدون أن نناقش الأمر من زاوية الدين أم من زاوية السياسة؟
فأجابه الشيخ عمر أحمد سيف بهدوء الواثق سيدي الرئيس السياسة جزء من الدين !
فقال الرئيس:- إذا أردتم النقاش السياسي فتفضلوا أما إذا أردتم النقاش الديني فسأجمعكم بعلماء يؤيدون الوحدة.
وكانت مجموعة من العلماء الرسميين والتقليديين قد أعلنت بالفعل تأييدها للوحدة قبل إقرار الدستور إلا أن الشيخ عمر أحمد سيف أوضح جوهر الخلاف الحقيقي بقوله:-
نحن لا نختلف معهم حول أصل الوحدة وإنما نختلف حول ترتيبها هم يقولون الوحدة أولاً ثم الدستور ونحن نقول الدستور أولاً ثم الوحدة .
وهنا كانت تتجلى بوضوح إحدى الإشكاليات العميقة التي رافقت التجربة اليمنية منذ بدايتها:-
هل تُبنى الوحدة على توافق دستوري ومؤسسي واضح يطمئن الجميع، أم تُترك التفاصيل الجوهرية لما بعد إعلان الوحدة؟
وفي أثناء الحوار لم يستطع الشيخ هلال الكبودي — رحمه الله — أن يلتزم الصمت طويلاً فانفجر متحدثاً بحماسة عن مخاطر الماركسية معدداً ما يراه من مثالبها الفكرية والسياسية وكان معروفاً بجرأته وصراحته وعدم هيبته لأحد.
فما كان من الرئيس علي عبدالله صالح إلا أن أخرج من درج مكتبه إحدى خطب الجمعة للشيخ هلال الكبودي وكان يومها خطيب جامع الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر والتي كان قد هاجمه فيها بشدة بسبب دعوته للوحدة وفيها شيء من الشدة والتهكم السياسي ثم التفت إليه الرئيس مازحاً قائلاً:
يا شيخ هلال… جورباتشوف قد عيسلم، وأنت ما زلت حانب لك بالرفاق .
فضحك الكثير وتلطف الجو وانكسر التوتر الذي كان يخيّم على اللقاء.
ثم ختم الرئيس الاجتماع بكلمات ذات دلالة سياسية عميقة حين قال:
أنا نازل عدن لتوقيع الوحدة… ومن أراد أن ينزل معي فليتفضل.
كانت تلك العبارة تعكس بوضوح أن قرار الوحدة قد أصبح قرار دولة وأن النقاش لم يعد يدور حول مبدأ الوحدة نفسه بل حول شكلها وضماناتها وكيفية إدارة المرحلة التالية لها.
واليوم وبعد مرور عقود على تلك الليلة المفصلية يمكن القول بقدر كبير من الإنصاف إن الوحدة — رغم ما شاب تجربتها لاحقاً من اختلالات وصراعات وسوء إدارة — كانت في أصلها مشروعاً وطنياً عظيماً حمل خيراً كبيراً لليمن شمالاً وجنوباً،
فالكثير من المخاوف التي سادت في الشمال آنذاك تبددت مع الزمن وانتقلت إلى الجنوب مساحات أوسع من الحريات الدينية والاقتصادية والسياسية كما انفتح المجتمع اليمني على بعضه بصورة غير مسبوقة وتداخلت المصالح والعلاقات والأواصر الاجتماعية بين أبناء الوطن الواحد بعد عقود من الانقسام والعزلة.
وفي المقابل كان لدى الجنوب أيضاً جوانب إدارية ومؤسسية كان يمكن أن تمثل إضافة مهمة لبناء الدولة اليمنية الحديثة خصوصاً في بعض جوانب الانضباط الإداري وهيبة النظام العام وتقليص مظاهر المحسوبية والفساد والرشاوى غير أن هذه الجوانب لم تُستثمر كما ينبغي بعد الوحدة.
لقد أثبتت التجارب أن الوحدة الوطنية لا يكفي لنجاحها توقيع سياسي أو حماس عاطفي بل تحتاج إلى عدالة في الشراكة وحكمة في إدارة التنوع ومؤسسات قوية تتجاوز مراكز النفوذ ودولة يشعر الجميع فيها أنهم شركاء متساوون في الحقوق والواجبات.
ولعل ما نراه اليوم من تذمر أو مراجعات تجاه تجربة الوحدة – إذا استثنينا شذوذ المزايدين والمتاجرين هنا أوهناك لا يعود إلى مبدأ الوحدة ذاته بقدر ما يعود إلى سوء إدارة استحقاقاتها وغياب المشروع الوطني العادل الذي كان ينبغي أن يحول الوحدة من مجرد حدث تاريخي إلى دولة مواطنة حقيقية تتسع للجميع .
وفق الله الجميع لمرضاته.
*مستشار الرئيس اليمني
*نشرت على صفحته في فيسبوك
The post وقفة مع :- ليلة الوحدة 22 مايو 1990م appeared first on يمن مونيتور.