Arab
خيّمت أجواء غير متوقّعة وإيجابية على زيارة الرئيس دونالد ترامب بكين. فبينما كانت التوقّعات تفيد بأنّ الحرب على إيران، وما تبعها من التحكّم الإيراني بمضيق هرمز، والحصار الأميركي للموانئ الإيرانية، والاعتداءات الإيرانية المتكرّرة على دول الخليج، ستلقي بظلال ثقيلة على قمّة ترامب وشي جين بينغ، إلّا أنّ الأنباء الواردة أظهرت قدراً ملحوظاً من التفاهم بين الجانبَين، وقد طغت العلاقات الثنائية على مسائل الأمن الإقليمي والدولي، ومن دون أن يتخلّى الطرفان عن درجة عالية من الحذر تجاه الطرف الآخر (تجنّب الوفد الأميركي استخدام الهواتف الذكية وما يشاكلها خلال الزيارة)، وهو ما كشفه بيانان منفصلان عن القمّة، أحدهما أميركي والآخر صيني، والمشترك بينهما حديث عن تعزيز التعاون الاقتصادي بينهما، للتدليل على أنّ تصعيد الرسوم الجمركية طُويت صفحته، وحلّ محلّه فتح الأبواب أمام الشركات الأميركية، وتجديد رخص المصانع الأميركية في الأراضي الصينية، مع زيادة مشتريات الصين من المنتجات الزراعية الأميركية.
تُظهر بكين قدراً من "التعايش" مع استمرار الحرب وفشل جهود إيقافها، رغم الأضرار التي تلحق بها بسبب اضطراب إمدادات الطاقة
وخلافاً لتقديرات سابقة، أبدى الطرفان ارتياحهما لتطوّر العلاقات الثنائية، وفيما وصف ترامب القمّة بـ"مثمرة وإيجابية للغاية"، وصف المضيف الصيني علاقات بلاده بأميركا بأنّها "العلاقة الثنائية الأكثر أهمّيةً في عالمنا المعاصر"، وشدّد على أنّ "تحقيق النهضة العظيمة للأمّة الصينية وعودة أميركا إلى عظمتها السابقة يمكن أن يسيرا بالتوازي من دون تعارض، ويُسهما في النجاح المتبادل". ومع ما تتّسم به هذه التصريحات من إيجابية عالية، ومن مشاعر ودٍّ واحترامٍ كبيرَين تجاه أميركا، سعى شي جين بينغ إلى تكريس الندّية بين الجانبَين، وإلى الإشارة الصريحة إلى أنّ العظمة ليست امتيازاً لطرف واحد أو وقفاً عليه، بل للطرفين معاً.
وبينما برزت مخاوف عشية انعقاد القمّة من استخدام ترامب ووفده المرافق أسلوب الضغط على المضيفين بشأن الحرب على إيران، وبخصوص العلاقة الصينية الإيرانية، إلا أنّ هذا الملفّ، رغم سخونته، لم يتسبّب بإشاعة التوتّر، ولا بدا أنّ الضيف الأميركي يلجأ إلى استخدام أسلوب الضغط، فقد اتّفق الطرفان، من دون عناء، على أنّ مضيق هرمز يجب أن يبقى مفتوحاً أمام الملاحة الدولية، واتّفقا على مبدأ عدم تمكين إيران من امتلاك أسلحة نووية. وهما مسألتان تتصدّران الأجندة الأميركية. بيد أنّ الجانبين لم يتحدّثا علناً عن أهمية التوصّل إلى اتفاق لوقف الحرب، رغم تركيز بكين على المسألة منذ بدء الحرب، ولم تُنشر أيّ مواقف بخصوص دعم الجهود الباكستانية. وكانت بكّين استبقت وصول ترامب (13 مايو/ أيار الجاري) بتجديد دعمها الوساطة الباكستانية، ولم ترشَح من الجانبَين مواقفُ معلنةٌ من الاعتداءات الإيرانية المتكرّرة على دول الخليج العربية.
والحال أنّ بكين تُظهر قدراً من "التعايش" مع استمرار الحرب وفشل جهود إيقافها، رغم الأضرار التي تلحق ببكين بسبب اضطراب إمدادات الطاقة، كذلك الحال مع الولايات المتحدة التي تسعى إلى إلحاق هزيمة كبيرة بإيران ودفعها إلى ما يشبه الاستسلام، رغم ما تُمنى به أميركا من أضرار مالية وسياسية، إذ يتصاعد رفض الحرب في الداخل الأميركي، ولا تحظى الحرب بالقبول سوى لدى قطاعات من الحزب الجمهوري، ومن اللوبي الصهيوني. وبهذا نجح الطرفان في تحييد خلافاتهما بشأنها، مع ضبط مستوى هذه الخلافات لتبقى تحت السيطرة.
وبدلاً من إيلاء هذه الحرب، التي تعيش حالياً هدنة هشّة، أظهرت بكين نبرةً متشدّدةً ومعتادةً إزاء تايوان، فقد حذّر الرئيس شي جين بينغ ضيفه الأميركي من صراع بين البلدَين إذا ما أسيء التعامل مع مسألة تايوان التي تعدّها بكين خطّاً أحمرَ. في إشارة إلى صفقة أسلحة أميركية ما زالت مجمَّدةً بقيمة 14 مليار دولار لتايوان، التي تتمتع بوضع أكبر من حكم ذاتي، وتقيم علاقات اقتصادية واسعة مع دول عديدة في عالمنا. ورغم عدم وجود علاقات دبلوماسية بين أميركا وتايوان، إلّا أنّ الكونغرس يُلزم الإدارة منذ العام 1979 بتقديم الدعم لهذا الكيان شبه المستقلّ، الذي تربطه بالولايات المتحدة استثمارات كبيرة وتبادل تجاري نشط.
تنظر الصين إلى مسألة الأمن والسلم الدوليين بمنظور مصالحها المباشرة وحقوقها القومية
لم يشر البيان الأميركي عن القمّة إلى مسألة تايوان، ما يدلّل على أنّ الخلافات ما زالت قائمةً، وأنّ واشنطن تؤيّد مبدأ "صين واحدة" ولكن على طريقتها. وهو ما يجعل الصين ترى في تايوان المجاورة بؤرةَ توتّر تفوق في حساسيّتها الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، والتهديدات الإيرانية المتواصلة لدول الخليج، ما يجعل الصين تنظر إلى مسألة الأمن والسلم الدوليين بمنظور مصالحها المباشرة وحقوقها القومية قبل أيّ منظور آخر.
والراجح أنّ واشنطن تواصل سياستها القائمة على عدم تطوير علاقتها السياسية والدبلوماسية مع تايوان، وعلى عدم تأييد الموقف الصيني القائم على ضرورة عودة الجزيرة إلى البرّ الصيني بمختلف الوسائل، بما فيها العسكرية "إذا اقتضت الضرورة". وإدراكاً من الجانبَين لخطورة الخلاف بينهما بشأن تايوان، يسعيان إلى تطوير العلاقات إلى أعلى مستوى ممكن، وبحيث يكون لهذه العلاقات المتنامية والمتشعّبة انعكاس إيجابي على تقليص حدّة الخلاف حول تايوان.
وستظهر الأيّام المقبلة ما إذا كانت المبادرة الصينية بخصوص دعم حرّية الملاحة الدولية في مضيق هرمز، وكذلك رفض امتلاك طهران أسلحةً نوويةً، ستؤدّي من جانب واشنطن إلى إبداء مرونة في التفاوض مع طهران، وما إذا كانت طهران نفسها ستعيد النظر في موقفها المتشدّد من مضيق هرمز. وأيّاً كان الأمر، فإنّ القمّة الصينية الأميركية، وما سادها من أجواء، أظهرت أنّ الصين هي الطرف الدولي الوحيد المؤهّل للعب دور الوسيط والضامن بين الطرفَين، الإيراني والأميركي، غير أنّ بكين تتريّث في أداء هذا الدور، وربّما إلى أن تتلقّى طلبات صريحة من الجانبَين بهذا الشأن، وخلال هذا فإنّ العلاقات الصينية الأميركية في تطوّر مطّرد، ولن يحدث أيّ احتكاك بين الجانبَين كرمى لعيون أحد.

Related News
سحب القوات الأميركية من ألمانيا والأمن الأوروبي
alaraby ALjadeed
32 minutes ago
نافذة مفاوضات قبل «نفاد صبر» ترمب
aawsat
1 hour ago
أجسام مجهولة تراقبنا
alaraby ALjadeed
1 hour ago