Arab
لم تكن الفكرة تخطر على بالي وأنا أكتب مؤخّرًا بعض هذه النصوص. كنت أتعامل معها بوصفها محطّات جديدة في مسار تأمّل أعود إليه بين الحين والآخر. ألتقط لحظة، أُبطء قليلًا، وأحاول أن أرى ما الذي يحدث تحت السطح. بعد نشر أحد هذه النصوص وصل إليّ تعليق من قارئ يقول: "هذا يذكّرني بما كنت تكتبه قديمًا… وقفات على دروب الحياة". توقفت عند العبارة أكثر ممّا توقّعت. لم تكن مجرّد ملاحظة، بل مفتاح صغير فتح بابًا ظلّ مُغلقًا بهدوء سنوات طويلة وأعادني إلى بداية لم أكن أستحضرها كثيرًا في انشغالي بالحاضر.
تذكّرت ذلك الشاب الذي كان يجلس كلّ صباح تقريبًا ليكتب عمودًا يوميًا في صحيفة الثورة اليمنية، في وقت لم يكن فيه العمر يسمح عادةً بمثل هذا الدور. كنت من أصغر المحرّرين سنًا، وكانت الثقة بأن أكتب عمودًا يوميًا تُمنح لي كأنّها مسؤولية أكبر من سني، لكنها كانت أيضًا مصدر طاقة لا توصف. كنت أكتب بشغف واضح، وبإحساس أنّني أقترب من شيءٍ مهم، حتى لو لم أكن أعرف تمامًا ما هو. لم تكن الكتابة آنذاك مهنة، بل محاولة لفهم الحياة وهي تتشكّل أمامي.
أتذكّر أيضًا قبل ذلك حين التحقت بنقابة الصحافيين اليمنيين، وأنا لا أزال في سنوات الدراسة الثانوية. كان النقاش في الجمعية العمومية حادًا، يدور حول ما إذا كان من الممكن منحي عضوية كاملة في هذا العمر المُبكّر. لم يكن الأمر محسومًا، ولم يكن سهلًا. لكن التصويت في النهاية جاء قويًا بالموافقة. أسماء مؤثّرة في عالم الصحافة والفكر تحدّثت دعمًا لذلك القرار، بينما كنت أجلس بدهشة المراهق، أتابع ما يحدث أكثر ممّا أفهمه. لم أكن أستوعب كلّ ما تعنيه تلك اللحظة، لكنني شعرت بها كإشارة مُبكّرة: أنّ الطريق مفتوح وأنّ عليّ أن أمضي.
في ذلك الوقت كنت أكتب لأفهم. كنت أظنّ بصدق جميل أنّ المعنى يمكن أن يُلتقط إذا نظرت إليه جيدًا بما يكفي، وأنّ الحياة يمكن أن تُمسك وتُرتّب إذا وضعتها في كلماتٍ واضحة. لم أكن أعرف أن الحياة نفسها ستأخذني في طريق أطول بكثير، وأنّ الفهم لا يأتي دفعة واحدة، ولا يبقى ثابتًا كما نتصوّره في البدايات.
الفهم لا يأتي دفعة واحدة، ولا يبقى ثابتًا كما نتصوّره في البدايات
مرّت السنوات، وفُتحت أبواب لم تكن في الحسبان. دخلتُ عوالم جديدة. اتسعت الدائرة. وتتابعت الخطوات بطريقة بدت من الخارج مُتصاعدة وواضحة. عمل يكبر. مواقع تتغيّر. حضور يزداد. ومسار يبدو لمن ينظر من بعيد مُتماسكًا ومُقنعًا. كانت هناك إنجازات يمكن قياسها ونجاحات تُذكر ولحظات يُشار إليها باعتبارها محطّات بارزة. لكن ما لم يكن ظاهرًا بالوضوح نفسه هو أنّ هذا المسار، بكلّ ما فيه من تقدّم، كان يحمل داخله حركة أخرى أكثر هدوءًا، أقلّ ظهورًا، لكنّها لا تقلّ عمقًا.
في العمق، لم يكن الطريق مستقيمًا كما بدا. كان هناك سؤال يتحرّك باستمرار. لا يفرض نفسه بصوت عالٍ، لكنه لا يختفي أيضًا: ما الذي أبحث عنه فعلًا؟ لم يكن هذا السؤال مُعارضًا للنجاح. لم يكن تقليلًا من قيمته، لكنه لم يكن يكتفي به أيضًا. كان يظهر في لحظات غير متوقّعة، في نهاية يوم طويل، في صمت غرفة فندق في مدينة بعيدة، أو بعد إنجاز كبير حين يهدأ كلّ شيء فجأة. كأنّ كلّ خطوة إلى الأمام في الخارج كانت تفتح مساحة أوسع للنظر إلى الداخل، لا للانسحاب، بل للفهم.
لم أكن أهرب من الحياة، بل كنت أتعلّمها وأنا أعيشها. ومع الوقت بدأت أرى أنّ ما يتراكم في الداخل لا يقلّ أهمية عمّا يتحقّق في الخارج؛ التجارب، الأخطاء، اللقاءات، وحتى اللحظات التي لم يحدث فيها شيء يُذكر كلّها كانت تُشكّل فهمًا بطيئًا لا يأتي دفعة واحدة ولا يُقال بسهولة. كان فهمًا يحتاج أن يُعاش قبل أن يُكتب.
كأنّ الخط الذي بدأ مُبكّرًا لم ينقطع، بل ظلّ يتحرك بصمت تحت كلّ ما حدث
حين عدت إلى الكتابة مؤخّرًا، لم أفكّر أنّني أعود إلى شيء قديم. كان الأمر أقرب إلى تغيير في الإيقاع. لم أعد أركض خلف الفكرة، بل أتركها تصل. لا أضغط على المعنى ليكتمل، بل أسمح له أن يتشكّل. وربما لهذا بدا لي أنّ "على مهلط ليس مجرّد عنوان، بل طريقة في الكتابة وطريقة في النظر أيضًا. ليس تباطؤًا، بل اختيار لأن يُرى الشيء قبل أن يُحسم، وأن يُفهم قبل أن يُفسَّر. هناك في "وقفات على دروب الحياة" كنت أكتب لأفهم ما أراه لأوّل مرّه. وهنا في "على مهل" أكتب لأفهم ما عشته. عنوانان يفصل بينهما زمن طويل، لكنهما يتحرّكان في الاتجاه نفسه.
لم تكن المسافة بين العنوانين قطيعة، بل امتدادًا هادئًا. كأنّ الخطّ الذي بدأ مُبكّرًا لم ينقطع، بل ظلّ يتحرّك بصمت تحت كلّ ما حدث؛ النجاحات، والتحولات، والظهور، حتى أصبح مرئيًا بطريقة أوضح.
في ذلك المعنى، لم أشعر أنّني انتهيت من شيء، ولا أنّني بدأت من جديد. شعرت فقط أنني أتحرّك داخل قوس أصبح أكثر وضوحًا. أرى البدايات من دون أن أعود إليها، وأرى ما أمامي من دون استعجال. القوس لم يُغلق تمامًا، لكنه اكتمل بما يكفي لكي تتم رؤيته بوضوح، وبما يكفي لأفهم أنّ ما بدا صعودًا في الخارج كان في عمقه رحلة بحث مستمرة عن طريقة أهدأ، وأكثر صدقًا، لأكون حاضرًا في هذه الحياة.
Related News
كاريك بعد التعادل مع سندرلاند: كنت أدرك صعوبة المباراة
aawsat
3 minutes ago