الأسعار تنهك الإيرانيين... فوضى تسعير غير مسبوقة تضرب الأسواق
Arab
1 hour ago
share
تلقي التداعيات الاقتصادية للحرب بظلالها الثقيلة على المشهد الداخلي في إيران، لتنعكس بشكل حاد ومباشر على معيشة المواطنين إثر استهداف بنى اقتصادية تحتية وقطاعات صناعية حيوية كالصلب والبتروكيماويات. ومع استمرار الهبوط القياسي للعملة المحلية واقتراب سعر صرف الدولار الأميركي من حاجز الـ 1,900,000 ريال، تعيش الأسواق الإيرانية حالة من الغلاء والإرباك نتيجة الارتفاع اللحظي والمستمر في أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية كالسيارات والبلاستيك والأثاث المنزلي وغيرها، ما أثار قلق المواطنين ودفع بعض المتاجر إلى إزالة ملصقات الأسعار عن بعض المواد الغذائية، وسط استنفار حكومي وقضائي لتسيير دوريات تفتيش رقابية صارمة لمكافحة استغلال الأزمة وضبط الأسواق. وفي خضم هذه التطورات، وجهت الحكومة الإيرانية تحذيرات شديدة اللهجة للمخالفين. وانتقد النائب الأول للرئيس الإيراني، محمد رضا عارف، خلال اجتماع مع أعضاء مجلس الإعلام الحكومي، الارتفاعات التي وصفها بغير المنطقية في الأسعار. وقال: "إن منع استغلال الأسعار والمغالاة فيها يعد ضرورة ملحة، وما يهمنا هو التصدي لحالات الاستغلال التي تحدث في هذه الأجواء". وأضاف عارف، وفقاً لوكالة أنباء الطلبة الإيرانية "إسنا": "يُلاحظ في بعض الحالات أن سعر سلعة ما يرتفع بنسبة تصل إلى 100% في أقل من أسبوع؛ هذا المسار يتطلب مراجعة دقيقة لتحديد أسبابه الحقيقية". وحذر المسؤول الإيراني من السلوكات الاستغلالية موضحاً: "هناك من يستغل الظروف الحالية ويصطاد في الماء العكر؛ وعلى الأجهزة المسؤولة التعامل بحزم وفورية مع هذه الظاهرة".  وأفاد المركز الإعلامي للسلطة القضائية الإيرانية، بأن رئيس السلطة، غلام حسين محسني إيجئي، وصف الحرب الاقتصادية الأميركية ضد إيران بـ "الإرهاب الاقتصادي"، وذلك خلال كلمة ألقاها يوم الثلاثاء الماضي في اجتماع مع عدد من المسؤولين القضائيين. وقال إيجئي إن البلاد تواجه في الظروف الراهنة سلسلة من التحديات المتعلقة بالاقتصاد ومعيشة المواطنين، مؤكداً أنه يجب أن ينصب تركيز كل المسؤولين المعنيين في هذا المجال على اتخاذ التدابير والترتيبات اللازمة للحيلولة دون أن تثقل ضغوط المعيشة وغلاء الأسعار كاهل المواطنين. وأشار رئيس السلطة القضائية إلى الأهمية البالغة لموضوع دعم الإنتاج، داعياً المسؤولين القضائيين إلى أخذ هذه المسألة على محمل الجد، موجهاً بعقد اجتماعات مع المنتجين، ولا سيما أولئك الذين يوفرون الاحتياجات الأساسية للمواطنين، والعمل على تذليل العقبات من طريقهم. كما طالب بفرض رقابة مستمرة في مجال توزيع السلع، خاصة المواد الغذائية الضرورية، بالتعاون مع القطاعات المعنية، مشدداً على ضرورة زيادة التنسيق مع النقابات والاتحادات التجارية في هذا الصدد. الغلاء يجتاح الأسواق من جهتها، أوضحت الخبيرة الاقتصادية الإيرانية، كتايون ملكي، في مقابلة مع "العربي الجديد"، أن المواد الغذائية والأطعمة تصدرت قائمة السلع الأكثر ارتفاعاً، تلاها قطاع الإسكان والإيجارات، ثم قطاع النقل. وبينت أن هذا الارتفاع يظهر بجلاء في القطاع الصناعي واللوجستي، مشيرة إلى أن تحديات توفير الوقود في قطاع التعدين كانت قائمة قبل الحرب وتفاقمت خلالها، مما ضاعف من تكاليف توفير الطاقة والوقود لآليات التعدين بشكل ملحوظ. وأضافت ملكي أن السلع المستوردة في مختلف المجالات، كالأجهزة المنزلية، تعرضت لضغوط تضخمية كبيرة. وتوقعت الخبيرة أن تشهد صناعات أخرى، مثل الصناعات الغذائية والمنتجات المعلبة، زيادات سعرية إضافية مستقبلاً؛ وعزت ذلك إلى الأضرار التي لحقت بمجمع "مباركة" للصلب في أصفهان، والذي يُعد المورد الرئيسي لألواح الصفيح للصناعات الغذائية، مما سيُجبر البلاد على الاعتماد على الواردات من الصين لتغطية جزء كبير من الاحتياجات المحلية، وهو ما يفرض تكاليف إضافية تنعكس على السعر النهائي للمستهلك. وحول الجذور الأساسية لهذه الأزمة المستمرة، أكدت ملكي أن السبب الرئيسي يكمن في التضخم نفسه. وأوضحت أنه حتى قبل اندلاع الحرب، أطلق خبراء اقتصاديون تحذيرات من خطر حدوث تضخم مفرط، وكانت التوقعات تُرجح زيادة معدلاته في العام الإيراني الجديد الذي بدأ في 21 مارس/آذار الماضي. واعتبرت أن حالة الغموض المحيطة بنتائج المفاوضات تلعب دوراً مؤثراً، ولا سيما مع استمرار تداعيات الحرب؛ إذ تعيش البلاد حالياً حالة وقف إطلاق نار مفتوح من دون إطار زمني محدد، مما يُبقي شبح الحرب مخيماً ويخلق تقلبات سعرية مستمرة. كما أشارت إلى أن عجز الموازنة وأزمة السيولة النقدية يمثلان عاملين إضافيين يدفعان الأسعار نحو المزيد من الارتفاع. وفي ما يتعلق بمدى توفر السلع الأساسية، لفتت ملكي في حديثها مع "العربي الجديد" إلى أن الحكومة نجحت، خلال الحرب وبعدها على المدى القصير في تلبية احتياجات السوق عبر آليات الضبط، والاعتماد على الاحتياطيات الاستراتيجية، واللجوء إلى الواردات الطارئة. ونوهت إلى أن المسؤولين في غرف التجارة ووزارة الصناعة والمناجم والتجارة سارعوا منذ بداية الحرب إلى طمأنة المواطنين بتوفر السلع، مؤكدين وجود مخزون يكفي لفترة تراوح بين 4 إلى 6 أشهر في حال استمرار الحرب. وأكدت أن هذه التطمينات والإجراءات ساهمت في استقرار الأسواق وحالت دون اندفاع المواطنين إلى الشراء وتخزين السلع بدافع الهلع. وعن التوقعات المستقبلية لمسار أزمة الغلاء، بينت الخبيرة ملكي أن الأمر مرهون بالتطورات السياسية، طارحة سيناريوهين: الأول يتمثل في خفض التصعيد، والذي يتطلب تحركاً سريعاً لاستعادة الأسواق المفقودة، خاصة بعد الاضطرابات التي واجهت قطاعي الصادرات والواردات مع الدول العربية في الخليج، وتحديداً في السوق الإماراتية. وأضافت أن الاستقرار المأمول في سوق العملات والخطوات الحكومية لضبط الاستيراد من شأنها تقليل التداعيات السلبية. أما السيناريو الثاني، فيتمثل في استمرار التصعيد، محذرة من أنه سيقود إلى انخفاض احتياطيات النقد الأجنبي وحدوث نقص فعلي للسلع والمنتجات داخل الأسواق، مما سينعكس بشكل مباشر وحاد على الأسعار. شهادات حية وفي سياق متصل، وخلال جولة ميدانية لـ "العربي الجديد" لرصد الأسواق غربي طهران، عبّر الشاب المتزوج آرتين عزيزي عن استيائه من الارتفاع الذي لا يتوقف للأسعار قائلاً: "نعيش حالة من الإرباك اليومي؛ الأسعار تتغير بين ليلة وضحاها. السلعة التي تشتريها أمس بسعر لا يمكن شراؤها اليوم أو بعد أيام بالسعر نفسه، يُطلب مني دفع مبلغ أكبر للسلعة نفسها ومن الرف نفسه". وقال إن الأسوأ من ذلك هو تعمد المتاجر إخفاء لوحات الأسعار عن بعض المنتجات الحيوية مثل الدجاج والأرز. من جانبه، دافع علي شهابي، وهو صاحب "سوبر ماركت" في حديثه مع "العربي الجديد" عن أصحاب المتاجر قائلاً: "لسنا السبب في هذا التذبذب، بل نقع تحت ضغط الموزعين والمصانع. في كل مرة يأتي فيها الموزع، نتفاجأ بتسعيرة جديدة للسلع اليومية مثل الألبان، الزيت، السكر. نضطر أحياناً إلى تغيير الأسعار 3 إلى 4 مرات أسبوعياً. عدم وضعنا لملصقات أسعار ثابتة ليس تلاعباً، بل لأن التسعيرة تتغير بشكل يومي". وتابع: "نحن مجبرون على التماشي مع أسعار الجملة الجديدة لضمان استمرارية عملنا، ورغم ذلك نتحمل اللوم الأكبر ونتعرض لحملات تفتيش تصل أحياناً إلى حد إغلاق محلاتنا وتشميعها". وفي السياق ذاته، صرحت مواطنة تدعى فاطمة لـ "العربي الجديد" بأن بعض المتاجر تستغل الوضع الراهن وتبيع السلع بأسعار أعلى. وأوضحت أنها اشترت قبل بضعة أيام سائلاً لتسليك الأنابيب بسعر 2,500,000 ريال، لكنها رأت أن السعر هو 2,000,000 ريال فقط في متجر آخر. يعاني الكثير من العائلات ضغوطاً اقتصادية تُعزى عادةً إلى تكاليف الإيجار، المواد الغذائية، النفقات العلاجية. ولكن هناك فئة أخرى من النفقات الخفية التي تستهلك الميزانية الشهرية بصمت، وهي السلع الاستهلاكية المنزلية. المنتجات مثل أكياس القمامة، أكياس التجميد (الفريزر)، الأغطية البلاستيكية، والمفارش ذات الاستخدام الواحد، قد لا تبدو باهظة الثمن وحدها، ولكن بسبب شرائها المتكرر، تشكل مبلغاً كبيراً في نهاية الشهر. ويدرك الكثيرون هذا الأمر عندما تنفد ميزانية التسوق الشهرية في وقت أبكر من المتوقع، خاصة في ظل الارتفاع الحاد للأسعار في الأسواق مؤخراً. في السياق، يقول المواطن الستيني ناصر حيدري لـ"العربي الجديد": "في السابق، لم نكن نعير انتباهاً لأسعار الأشياء البسيطة مثل أكياس النفايات أو لفائف النايلون عند التسوق. كانت تعتبر خردوات رخيصة. لكن اليوم، عندما أصل إلى صندوق الدفع، أتفاجأ بأن هذه المستلزمات البلاستيكية تقتطع جزءاً لا يستهان به من راتبي"، مضيفاً أن الأسعار تتصاعد بشكل غير منطقي وعندما أسأل أصحاب المتاجر عن أسباب ارتفاع هذه السلع البلاستيكية يتحدثون فوراً عن قصف مصانع البتروكيماويات في الحرب". في حديثها لـ"العربي الجديد" حول معاناتها مع غلاء الأسعار، وتحديداً في قطاع الأجهزة المنزلية، قالت زينب: “كنا نريد شراء غسالة أجنبية من ماركة بوش، لكن الأسعار تضاعفت بشكل كبير. ولذلك، اضطررنا إلى شراء غسالة من ماركة باكشوما المحلية. ورغم أن الغسالة المحلية ارتفع سعرها أيضاً إلى الضعف، يبقى سعرها بطبيعة الحال أقل من المنتج المستورد”. بيانات حكومية في حين تستمر أسعار المواد الغذائية والصحية في الارتفاع، تشهد الأسواق الإيرانية استقراراً من حيث توفر السلع من دون وجود نقص. وفي ما يتعلق بزيادة الأسعار، أظهر أحدث بيانات مركز الإحصاء الإيراني أن معدل التضخم على أساس سنوي (نقطة بنقطة) في شهر مارس الماضي شهد ارتفاعاً في فئة الأطعمة والمشروبات بنسبة 113.8%. وبلغ هذا الرقم للمواد الغذائية 112.5%، وللخبز والحبوب 140%، وللزيوت والدهون 219%، وللجبن والحليب والبيض 116.8%. وقد سُجل هذا التضخم المكون من 3 أرقام قبل ظهور تداعيات الحرب وأضرارها على الصناعات الأولية، ومن المؤكد أن معدل التضخم للمواد الغذائية في الربع الثاني من عام 1405 سيكون أعلى بكثير. وعلى الرغم من تضاعف سعر البيض خلال الأسابيع الـ 3 الماضية وارتفاعه من 3,000,000 ريال للطبق الواحد بوزن كيلوغرامين تقريباً إلى حوالي 6,000,000 ريال، تداول هذا الأسبوع بانخفاض طفيف بأسعار تراوح بين 4,400,000 ريال إلى 5,500,000 ريال. وأشار نائب وزير جهاد الزراعة للتخطيط والشؤون الاقتصادية، أكبر فتحي، إلى أن جزءاً من هذا الارتفاع في أسعار بعض السلع الأساسية يعود إلى فارق سعر الصرف في تأمين الأعلاف الحيوانية، بالإضافة إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل بنسبة تراوح بين 30% إلى 60% في العام الجديد. وفي سوق اللحوم، تراوح أسعار لحوم الدواجن غير المعبأة في السوق المحلية بين 3,400,000 إلى 3,600,000 ريال للكيلوغرام الواحد، من دون تغيير مقارنة بالأسبوع الماضي، علماً بأن هذا السعر كان يراوح في بداية العام الإيراني الجديد بين 2,790,000 ريال إلى 2,850,000 ريال. كما شهدت المعكرونة الأسبوع الماضي قفزة في الأسعار بنسبة 31%، حيث ارتفع سعر العبوة بوزن 500 غرام من 546,000 ريال إلى 718,000 ريال. واستقرت أسعار لحوم العجل خلال الأسابيع الأخيرة حيث راوح سعر الكيلوغرام الواحد بين 16,000,000 إلى 18,000,000 ريال. كما ذكر البنك المركزي الإيراني في بياناته أن معدل التضخم خلال العام الإيراني الماضي من 21 مارس 2025 إلى 21 مارس 2026 سجل قفزة بـ 50.6%. توجه حكومي لزيادة الدعم في ظل استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية، تدرس الحكومة الإيرانية مقترحات لزيادة قيمة "البطاقة التموينية الإلكترونية" للمواطنين. وأوضح المتحدث باسم وزارة التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي، إيمان زنكنة، أن الوزارة قدمت سيناريوهات للحكومة تعتمد على تكلفة السلة الغذائية وحاجة الفرد من السعرات الحرارية. ويقترح أحد السيناريوهات سلة توفر 2386 سعرة حرارية يومياً، تشمل الدجاج، البيض، اللحوم، الخبز، الزيت، البقوليات، الفواكه، الخضراوات. وأضاف أن القرار النهائي يعود للحكومة وفقاً للميزانية. وفي حال الموافقة، سيتم تطبيق الزيادة في دورة الشحن القادمة من الشهر القادم. على صعيد متصل، أكد نائب وزير جهاد الزراعة الإيراني لشؤون التخطيط والشؤون الاقتصادية، أكبر فتحي، عدم وجود أي مشكلات في تأمين السلع الأساسية، مشيراً إلى أن الإمدادات استمرت بانسيابية خلال فترة الحرب وما بعدها. وأوضح أن الإجراءات الاستباقية وتعديل لوائح التجارة لزيادة عدد الفاعلين في القطاع أدت إلى وفرة السلع. كما تحسن وضع استيراد الأعلاف والأرز والسكر والزيت منذ 10 أشهر، مما حال دون حدوث أي عجز في العرض. وأشار فتحي إلى أن الحكومة قدمت حوافز للتجار لتحويل مسارات الاستيراد من الموانئ الجنوبية إلى الموانئ الشمالية والطرق البرية، مما أنهى الاعتماد المطلق على ميناءين فقط، ووفر مرونة أكبر باستخدام حدود الدول المجاورة نقاطَ ترانزيت جديدة. وطمأن بعدم وجود مخاوف بشأن الاحتياطيات الاستراتيجية أو الإنتاج المحلي من الحبوب والبروتينات والألبان. وحول التذبذبات السعرية الأخيرة، أوضح المسؤول الإيراني أن جزءاً منها يعود إلى "الاستغلال والبيع بأسعار غير قانونية"، مؤكداً تسيير دوريات تفتيش مشتركة واتخاذ إجراءات صارمة بحق المخالفين. وعزا الجزء الآخر إلى المتغيرات الإنتاجية في العام الجديد، مثل أجور النقل، الرسوم الجمركية، الرواتب، سعر الصرف المعتمد لاستيراد المواد الأولية؛ وهي عوامل ظهر تأثيرها الفعلي على التكلفة النهائية بعد انتهاء ظروف الحرب. ولمواجهة هذه الأعباء، تسعى الحكومة لتعزيز القدرة الشرائية للمواطنين من خلال العوائد المترتبة على تحرير سعر الصرف، عبر زيادة رصيد البطاقة التموينية الإلكترونية.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows