Arab
كيف يمكن لمجتمعات بأسرها أن تنسى أحداثاً جسيمة في تاريخها الحديث؟ ما الآليات النفسية والاجتماعية والسياسية التي تسمح بهذا النسيان أو المسح؟ وما انعكاساتها على بناء الهُويّة الجماعية وقدرة المجتمع على مواجهة تحدّياته المعاصرة؟
الذاكرة، عدا أنها تسجيل واقعي، هي عملية ديناميكية تُعدّل باستمرار وفقاً للسياق الاجتماعي الراهن. فمحو الأنظمة الاستبدادية بعضَ الأحداث التاريخية يُساعدها في تعزيز شرعية سلطتها. والتاريخ مليء بشواهد على هذا الأداء، إذ يعمل كلُّ نظام استبدادي لترسيخ فكرة أنّ التاريخ "المشرق" يبدأ معه، ولا يعترف بأخطائه، لأنّ الاعتراف ببعض الفظائع الماضية قد يضعف شرعيته.
تشكل الذاكرة الجمعية هُويّة المجتمعات، وتؤثّر بعمق في الطريقة التي تدرك بها نفسها وتتفاعل بها مع العالم، وهي تختلف عن التاريخ الرسمي بطابعها الحي والمتطوّر؛ فهي ليست ثابتةً، بل تتجدّد باستمرار وفقاً لاحتياجات الحاضر وقضاياه. تتيح هذه الديناميكية للمجتمعات الحفاظ على استمرارية هُويّتها متكيّفةً مع التغيّرات الاجتماعية والثقافية. وتمارس وسائل الإعلام والثقافة الشعبية تأثيراً كبيراً في تكوين ونشر الذاكرة الجماعية، فكيف اليوم وقد أصبحنا أسرى المنصّات والأجهزة الذكية والذكاء الاصطناعي القادر على رسم مشاهد تضاهي الواقعية من حيث الصوت والصورة والحركة؟ إنّ ظهور وسائل التواصل الاجتماعي ومنّصات مشاركة المحتوى قد أسهم بقوّة في تغيير الطريقة التي تُبنى وتنتشر فيها الذكريات الجماعية، إذ يمكن لكلّ شخص مشاركة قصصه وتفسيراته الخاصّة عن الماضي من دون سند أو مرجعيات موثوقة، وفي تأجيج الخلافات وتعميق الشروخ بين مكوّنات المجتمع، خاصّةً إذا كان مجتمعاً شبه منهار حياتياً وفكرياً بعد حروب بينية واكبها ضخّ إعلامي وتضليل كبيران.
في سورية "ذواكر" متنافسة ومتصارعة، وهناك جرائم ارتُكبت بحقّ السوريين جميعاً
ما يحصل في سورية يشكّل نماذج بليغة من اعتوارات لا تُعدّ، وعثرات وأخطاء قد تصل إلى مستوى الخطيئة في مناحٍ عديدة تمسّ صميم البنى المجتمعية، وهي ظواهر تتكرّر بأشكال متنوّعة وبتواتر مستمرّ من دون انقطاع. جديدها أخيراً، وقفات احتجاجية في بعض المناطق (حملت شعارات مطلبية)، اعتقال أمجد يوسف، والمحاكمة العلنية لعاطف نجيب، وهما رمزان لإجرام فائق في فترة النظام الساقط، علاوة على إغراق منصّات التواصل الاجتماعي بمشاهد وفيديوهات مسرّبة من المشافي العسكرية أو من سجن صيدنايا، في حين يُفترض أن تكون تلك الوثائق كلّها محميةً من السلطة، مع خطاب إعلامي رسمي، وشبه رسمي، يمكن أن يزيد في الاحتقان الشعبي لدى مكوّنات الشعب كلّها.
لا يمكن عدّ المحاكمات التي جرت في نطاق تحقيق العدالة الانتقالية التي ينتظرها الشعب السوري وحسب، بل هي تؤثّر في طريقة بناء الذاكرة الجمعية وتدوين التاريخ، وتعيد إحياء الذاكرة، بينما يجب ألّا يعيد التاريخ إحياء الذاكرة، إنّما عليه أن يحاول الفهم، وهذا بعيد من متناول غالبية الشعب السوري، فالهزّات الارتدادية الناجمة عن الزلزال الذي ألمّ به لم تتوقّف بعد، بل هناك صفائح مجتمعية ما زالت تتحرّك وتعمّق الصدوع.
العدالة الانتقالية أهمّ مطلب لدى الشعب السوري، لذلك يجب أن تكون المحاكمة مكتملة الشروط والأدوات القانونية والإجرائية
العدالة، خصوصاً الانتقالية، مبدأ مهمّ وحسّاس للغاية، يُتوخّى منها أن تصنع حقيقةً عامّةً. فالمحاكمة تثبت الوقائع من خلال الأدلة والشهادات، ثم تُصنّف الجرائم، فتأخذ هذه الجرائم مسمّيات دائمة يُنتظر منها أن تلقى القبول في الوجدان العام وتصبح رموزاً في الذاكرة. العدالة لا تحلّ كلّ شيء في مجتمع مشرذم متخم بالمظلوميّات المزمنة والحديثة، فهي تُنتج أدلّةً وأطراً تحدّد الجرائم ما يحمي الشواهد والدلائل من تهمتي الكذب والتزوير، تعدّها بعض الفئات "عدالة المنتصر"، وبالتالي هي خاضعة سياسياً. هنا المسؤولية فائقة الجسامة والدقّة والحساسية، إذ لا يمكن الاستهانة بمتابعة الشعب لما يجري والتقاط بعض أشكال الأداء التي لا ترضي طموحه.
ذاكرة الشعب السوري ما زالت حيّةً ومتّقدةً، والجروح ما زالت مفتوحةً، وكشف الحقيقة دربه شائك وعر، ولا يمكن فصله عن الإرادة السياسية في "إدارة الذاكرة"، خاصّة أنّ في سورية "ذواكر" متنافسة ومتصارعة، وهناك جرائم ارتُكبت بحقّ السوريين جميعاً، لا يمكن الكشف والاهتمام بانتهاكات وجرائم وتجاهل غيرها، حتى لو كانت أفظعها ما ارتكبه النظام الساقط. ومهما حاولت الإدارة السياسية للبلاد رسم علاقة بالماضي، وتدوين تاريخ رسمي من خلال رؤيتها، فالذاكرة لا تموت، وتعيد إنتاج ذاتها على ركائز قديمة وأخرى جديدة، وهذا أمر يهدّد مستقبل الشعب، إذ يصبح ميّالاً في بعض فئاته إلى تلقّي المعلومات مهما كانت مضلِّلة، وقبول الاقتراحات حتى لو كانت من مصادر خارجية، وتصاغ سرديات تمارس تأثيراً قويّاً في الذاكرة، وبالتالي تساهم في تزييف الذاكرة، فتثير العصبية والتشدّد. فالذاكرة بناء يتشكّل باستمرار، ولها أطر اجتماعية تحدّد (حتى من دون توافق معلَن) ما هو مهمّ في التذكّر، وما يمكن إدراجه في الإهمال أو النسيان. فكيف يمكن ترشيد الذاكرة وعقلنتها في عالم مشبع بالمعلومات، إلى درجة أنّ النسيان لم يعد نتيجة غياب أو شحّ، إنّما نتيجة إفراط بها، هذا الإفراط الذي يخلق ما يسمّيه الباحثون بـ"ضباب المعلومات"، إذ تُغطّى الحقائق التاريخية المهمّة في تيار مستمرّ من الأخبار العابرة.
المحاكمات الجارية تعيد إحياء الذاكرة، وعلى التاريخ ألّا يعيد إحياءها، إنّما عليه محاولة الفهم
العدالة الانتقالية أهمّ مطلب لدى الشعب السوري، لذلك يجب أن تكون المحاكمة مكتملة الشروط والأدوات القانونية والإجرائية، وأن تلبّي تطلعات الشعب وتقنعه؛ فالشعب يراقب، والمحاكمة ستشكل ملفاً أساسياً وأداة لحماية الذاكرة. أما المحاكمات التي ظهرت إلى العلن أخيراً ففيها كثير من الثغرات، ولقد وُجّهت إليها ملاحظات يرقى بعضها إلى درجة الاتهام، تلتها التسريبات التي أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي، وجعلتها، ولو افتراضياً، شارعاً مقابل شارع، وجرّت الماضي إلى الحاضر ليشعل حروبه من جديد، إذ لا تكفي تسمية الجريمة، بل في غاية الأهمّية تحديد المسؤولين عنها. فهل هذا تقصير من هيئة المحكمة، وهذا أمر جلل، أم أنه تدخل سياسي في عملها؟ وهذا أمر أكبر، إذ يفترض بالسلطة القضائية أن تكون كاملة الاستقلالية. كذلك فإن التدخل السياسي قد يخلق أزمات، خاصة في ما يتعلق بالذاكرة.
لا يمكن إيجاد مناخ ملائم للذاكرة كي تتعافى إلا بأن يكون ملف العدالة الانتقالية ملفاً منصفاً لجميع مكوّنات الشعب، فالجميع تعرّضوا لانتهاك وجرائم نحو 15 عاماً، وبعض المكوّنات تعرّضت حديثاً لجرائم ترقى إلى الإبادة الجماعية، وما زالت تنتظر العدالة والإنصاف أيضاً. في مجتمع مستقطَب كالمجتمع السوري، ترفض بعض الجماعات الإجماع، فهي تطالب باعتراف محدّد، كما يطالب بعض المؤيّدين للسلطة الجديدة السوريين العلويين بالاعتذار عن جرائم النظام البائد. وانطلاقاً من مبدأ أنّ على الدولة أن تجمع بين هدفَين: جمع الناس والاعتراف بالتنوّع، عليها أن تدير هذا التنوّع، وإلا فإنّ الذاكرة الجمعية لكلّ مجموعة من الشعب ستتفاقم في حالة من الفوضى الحارقة، ولن يكون النسيان حالةً سهلة المنال، ولن يكون شكلاً من أشكال الشفاء، بل قد يؤجّج أشكالاً عديدة من العنف لا طاقة للشعب السوري بها. المجتمع ليست له ذاكرة واحدة، بل له ذكريات متعدّدة، وليس المجتمع السوري استثناءً، فكيف يُحمى من صراعات الذاكرة؟

Related News
مصر تودع هاني شاكر بجنازة رسمية
aawsat
3 minutes ago
ترمب يتوقع انتهاء حرب إيران سريعا
aawsat
35 minutes ago
«هيئة الترفيه» السعودية... عقدٌ من البناء وصناعة الأثر
aawsat
36 minutes ago