المرأة السورية بعد النزاع... أدوار التنمية والبناء
Arab
13 hours ago
share
تقول سيمون دي بوفوار: "لا تولد المرأة امرأة بل تصبح كذلك"، أي أن الأدوار الاجتماعية المفروضة على المرأة هي نتاج المجتمع وظروفه وعاداته، وليست نتاج الطبيعة. رغم كل ما قدمته المرأة السورية، في أثناء سنوات الثورة والحرب، وما تعرّضت له من الاعتقال والخطف إلى الفقد، مروراً بالنزوح المرير، وليس انتهاءً بتغييبها عن مسارات بناء الدولة والعدالة الانتقالية، أو جمود بوادر تضمين سورية ضمن الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق النساء، نجد أنها لا تزال في أطوار بعيدة جداً عن الذكور على مستوياتٍ كثيرة، من دون أن تتحمّل المسؤولية عن ذلك. يرى الفيلسوف جون ستيوارت ميل أنّ "عدم مساواة النساء أحد أهم العوائق أمام التقدّم البشري"، وهي دعوة إلى تمكين النساء شرطاً أساسيّاً لتقدم المجتمعات. فالمساواة شرط للتقدم، وهو ما تسعى إليه الاتفاقيات الدولية. وفي الحالة النسوية السورية، من الواضح أن الضامن الأكبر لتلك الحقوق ينقسم إلى قسمين: الأول، نوع البنود الحقوقية ومداها في الدستور السوري المقبل. والثاني، انضمام سورية وتطبيقها العملي لحقوق الإنسان المقرّة دولياً. يقابل ذلك مخاوف من استمرار الصور النمطية لمجتمع قيدته عادات وأعراف تمييزية، بسطوة لا متناهية لمجتمع ذكوري، أوجد أسواراً شائكة تمنع الوصول التطبيقي لتلك الحقوق. الواضح أن سورية تحتاج إلى دستور عصريّ قويّ يحمي الجميع، ولا يستثني النساء منه. فأغلب مواد قانون الأحوال الشخصية تجدها النساء مجحفة بحقوقهن أمام هذا الواقع المرير، تعود أسئلة الهمّ النسوي الوجودي مجدّداً إلى الظهور، والإعلان حول ضآلة دور المرأة في المجتمع السوري. علماً أنه لا حاضر ولا مستقبل للاستقرار والعدالة الانتقالية من دون مشاركة نسائية مصانة، كنسق أساسي للتنمية المستدامة. والواضح أن أولى العقبات أمام ضمان هذه المشاركة هي القيود المفروضة على اتفاقية سيداو للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، والتي صادقت عليها 189 دولة، منها سورية، لكن مع سلسلة من التحفّظات. توصي الاتفاقية باتخاذ تدابير خاصة للتعجيل بتحقيق المساواة بين الجنسين، وباتخاذ خطوات تهدف إلى تعديل الأنماط الاجتماعية والثقافية المؤدية إلى إدامة التمييز ضد المرأة، وإلغاء كل ما يقيّد الأهلية القانونية لها، وتجريم العنف ضدها، ومنحها ذات الحقوق الممنوحة للرجل من حيث الرعاية الوالدية، ومنح الجنسية للأبناء، وحرية التنقل. أي إنها إطار قانوني عملي لتحقيق المساواة بين الجنسين. وقّعت سورية على الاتفاقية مع تحفّظات على مواد وفقرات، وبمجمل 15 تحفظاً، ما يُبطل الاتفاقية ويفرغها من محتواها الحقوقي جملةً وتفصيلاً. فعلى سبيل المثال، تتحفظ سورية على المادة الثانية، والفقرة الثانية من المادة التاسعة بشأن منح جنسية المرأة لأطفالها، والفقرة الرابعة من المادة 15 المتعلقة بحرية التنقل والسكن، والفقرات (ج، د، و، ز) من المادة 16 المتعلقة بالمساواة في الحقوق والمسؤوليات في أثناء الزواج وعند فسخه، فيما يخص الولاية والنسب والنفقة والتبني، إضافة إلى الفقرة الثانية من المادة 16 المتعلقة بالأثر القانوني لخطوبة الطفل أو زواجه لتعارضها مع أحكام الشريعة الإسلامية، والفقرة الأولى من المادة 29 المتعلقة بالتحكيم بين الدول في حال حصول نزاع بينها. أثبتت هذه التحفظات حجم التمييز والإقصاء، وأكدت القيود الفكرية التي فرضها النظام السوري السابق، من خلال ترسيخ ذكورية مقيتة في المجتمع. وغالباً ما كان التوقيع شكلياً، يهدف لإثبات علمانية النظام وانخراطه في المجتمع الدولي، من دون أي قيمة فعلية على أرض الواقع. إضافة إلى هذا، هناك اتفاقيات عديدة أخرى، مثل اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة بموجب قرارها رقم 34/180 الصادر عام 1979، والتي دخلت حيز التنفيذ عام 1981، كأول معاهدة دولية شاملة وملزمة قانوناً، هدفت إلى القضاء على جميع أشكال التمييز على أساس الجنس ضد المرأة. معركة الدستور الواضح أن سورية تحتاج إلى دستور عصريّ قويّ يحمي الجميع، ولا يستثني النساء منه. فأغلب مواد قانون الأحوال الشخصية تجدها النساء مجحفة بحقوقهن، فضلاً عن قضايا الملكية والإرث والنسب. وبدون وصول النساء إلى مراكز صنع القرار ورسم السياسات، لن تجد حقوقهن مكاناً ضمن الدستور. وهو ما يتطلب ضرورة تضمين عناصر نسائية قانونية وسياسية في عملية كتابة الدستور، مع الانتباه إلى أن فرضها من قبل السلطة غالباً ما سيقود إلى تكرار نماذج سيطرة جهات معينة على مفاصل القرارات المتعلقة بتلك الحقوق. إذ لا يكفي وجود نظام كوتا نسائية في كل المفاصل الانتخابية، بل تبرز ضرورة حصول النساء على حق النجاح في حال حصولهن على أصوات تفوق أصوات الرجال، أي الجمع بين حق الكوتا والانتخاب المباشر. بمعنى أدق، نحن أمام ضرورة توفر الحقوق المكتوبة مقابل التطبيق الفعلي لها، وهي الفكرة التي استخدمها ميشيل فوكو بقوله إن "القوانين وحدها لا تكفي، لأن السلطة تتجلى أيضاً في الأعراف الاجتماعية. وربما ستحتاج هذه البلاد إلى تشكيل حزب نسائي قادر على تجاوز نمطية الاتحادات والمنظمات النسائية التي لم تثبت فاعليتها المطلوبة بالشكل الأمثل. ويمكن تحقيق ذلك من خلال التشبيك بين "مجتمع" النسويات، والناشطات المدنيات، والصحافيات، والسياسيات، إضافة إلى الاتحادات النسائية، سواء كانت مناطقية أو على مستوى سورية كلها. ودون تثبيت الحقوق دستورياً وتطبيقها فعلياً، لن تقوم للمرأة السورية قائمة أو مكانة. حملت المرأة السورية على أكتافها أعباءً إضافية، فتحولت إلى المعيل، والمدرس، وحامل المسؤوليات، وراعية الأسرة، في ظل غياب أو فقدان الأب أو الزوج. كما تولّت مهام الدعم العاطفي والاجتماعي والنفسي، وتقديم الإسعافات الأولية لمن حولها، والمؤسف أنها كانت الأكثر تعرضاً للصدمات. التجربة السورية، حيث فرضت الحرب أدواراً جديدة على النساء، لا يزال الواقع يعكس فجوة كبيرة بين النصوص القانونية والتطبيق فيما يخص حقوق النساء شاركت في مبادرات مجتمعية ومحلية، وقدّمت الدعم الإغاثي والطبي للمحتاجين. وكان واضحاً دورها في إنشاء مشاريع صغيرة لتوفير فرص عمل ودعم العائلات الفقيرة. وأسهمت هذه المشاريع، وإن بحدود، في إعادة التنمية الاقتصادية، مثل الخياطة، والتمريض، والزراعة المنزلية، والحرف اليدوية. وبعضها تحوّل إلى مؤسسات ومنظمات بقيادات نسائية وفّرت فرص عمل لنساء أخريات. كما استطاعت بعض النساء، وإن بنسب قليلة، ترك بصمة واضحة من خلال عملهن في هياكل الحكم ما دون الدولة في سورية. لم تكن المرأة مجرد ضحية فحسب، بل شريكة في الصمود وإعادة بناء المجتمع. لذلك لا يمكن حصر أدوارها في قطاعات أو مجالات محددة، أو اختزالها برعاية الأطفال والناجين من الحرب، أو دعم الأسرة والمجتمع، أو إفساح المجال لها ضمن المبادرات المحلية والمجتمعية فقط، من تنظيم حملات غذائية، أو المشاركة في الجمعيات والمشاريع المجتمعية، والتوقف عند هذا الحد. بل الأكثر إلحاحاً تضمين النساء في ملف العدالة الانتقالية، كشاهدات ومؤثرات، وكونهن الأكثر عرضة للعنف والضغط. فقدت النساء أحبتهن، وتعرضن للاعتقال والضرب والتعذيب، وكنّ جزءاً من مجتمع النزوح، وسيكون وجودهن في مسار العدالة الانتقالية مكسباً حقيقياً للمشتغلين على قوانينها. إضافة إلى حقهن في المجال الاقتصادي، وإدارة المشاريع الصغيرة والمتوسطة والكبيرة. والأهم من كل ذلك ضمان وصولهن إلى المراكز القيادية الحساسة، والمشاركة في إدارة الدولة ضمن الوزارات المختلفة، وقيادة الأحزاب السياسية، والحضور الفاعل في كتابة الدستور المقبل، ودورهن في إعادة الإعمار. يُعد نقص الموارد والتمويل، وتحكّم جماعات سياسية محددة، بعيداً عن التعددية السياسية المطلوبة، ببنية البلاد، من العوائق التي تمنع تغيير النمطية السائدة حول حقوق المرأة. كما أن عدم التعافي من التأثيرات النفسية والاجتماعية للحرب يمثل عائقاً إضافياً أمام أدوارها. ويضاف إلى ذلك رفض المجتمع الذكوري لأدوار نسائية متقدمة، وتأثير الصدمات النفسية الناتجة عن فقدان الأهل والتهجير، وغيرها، على قدرة النساء على العمل الفاعل. وبما أن "المرأة لا تولد كذلك بل تُشكَّل اجتماعياً، وهو ما يتجلّى بوضوح في التجربة السورية، حيث فرضت الحرب أدواراً جديدة على النساء، ورغم أن اتفاقية سيداو تضمن حقوقاً واضحة، فإن الواقع لا يزال يعكس فجوة كبيرة بين النصوص القانونية والتطبيق. وهو ما يمكن فهمه في ضوء أفكار ميشيل فوكو حول طبيعة السلطة في المجتمع، حيث إن "السلطة لا تُمارَس فقط بالقوانين، بل عبر العادات والخطابات، وهذا يشمل وضع المرأة".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows