الـمقدمـة
يرصد هذا التقرير التحليلي الموسع أبرز ما تداولته وسائل الإعلام الدولية ومراكز الفكر والأبحاث العالمية بشأن تطورات الملف اليمني خلال شهر أبريل 2026.
فمع التسارع المطرد في وتيرة المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، برزت اليمن كأحد أكثر المتغيرات حساسية وتعقيداً في معادلة الردع المتبادل ومسارات التصعيد الإقليمي.
وقد تمحورت مجمل التناولات الدولية خلال هذه الفترة حول تساؤل استراتيجي جوهري ومكرر في الأوساط البحثية، يتمثل في مدى احتمالية انتقال جماعة الحوثي من “سياسة الانخراط المحسوب” والمنضبط إلى انخراط أوسع وأكثر مباشرة في أتون المواجهة الإقليمية.
ويكتسب هذا التساؤل وزنه الاستراتيجي من الموقع الحاكم الذي يمثله مضيق باب المندب، والذي تضاعفت أهميته الجيوسياسية مع تصاعد التهديدات التي تطال الملاحة عبر مضيق هرمز، مما حول باب المندب إلى أحد أهم الشرايين العالمية الحاكمة لنقل الطاقة ونقطة اختناق استراتيجية يمتلك الفاعلون فيها القدرة على إرباك هيكلية الاقتصاد الدولي وسلاسل الإمداد العالمية.
وفي مسار موازٍ لا يقل أهمية من الناحية التحليلية، توقفت التقارير الدولية عند مسار آخر تمثل في حالة التباعد المتنامي بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، وهو التباعد الذي ذهبت بعض التقديرات البحثية لوصفه بأنه يقترب من نمط “الحرب الباردة” التي تتخذ من اليمن ساحة رئيسية لها.
لقد شهدت العلاقة بين القطبين الإقليميين تحولاً لافتاً من نمط التنسيق الاستراتيجي المعهود إلى حالة أكثر تعقيداً من التنافس الجيوسياسي، وكان من أبرز تجلياتها ومؤشراتها العملية إعلان دولة الإمارات انسحابها من منظمة أوبك في الثامن والعشرين من أبريل 2026.
ويُنظر إلى الملف اليمني في هذا السياق كأحد العوامل المحورية التي ساهمت في تعميق هذا المسار وتجذيره، نتيجة التباين الواضح في أولويات الطرفين واختلاف أدوات إدارة النفوذ وبناء التحالفات المحلية على الأرض.
على صعيد متصل، كشفت التغطيات البحثية الدولية عن تصاعد ملحوظ في الجهود الدبلوماسية الإماراتية الرامية للضغط على الإدارة الأمريكية في واشنطن من أجل إدراج حزب الإصلاح اليمني ضمن قوائم الإرهاب، في تحرك سياسي يعكس توظيفاً متزايداً لأدوات “مكافحة الإرهاب” ضمن حسابات النفوذ والمصالح الإقليمية الضيقة.
وفي سياق رصد الأبعاد غير التقليدية للصراع، توقفت تحقيقات دولية استقصائية عند تقارير كشفت عن وجود برنامج اغتيالات سري ومنظم نُفذ في اليمن منذ عام 2015، حيث تشير الوثائق والشهادات المسربة إلى أن هذه العمليات جرت لصالح الطرف الإماراتي عبر شبكة معقدة من المتعاقدين العسكريين الأجانب.
ويكشف هذا الملف جانباً أكثر قتامة وتعقيداً من الحرب اليمنية، إذ لم تعد المواجهة مقتصرة على الجيوش النظامية والفاعلين الدوليين، بل تحولت إلى ساحة مفتوحة للشركات العسكرية الخاصة، وشبكات العنف العابرة للحدود، والمنظومات الأمنية الموازية التي يصعب تتبع خيوطها أو إخضاع أطرافها للمساءلة القانونية المباشرة.
“الانخراط المحسوب” للحوثيين في معادلة المواجهة الأمريكية–الإيرانية
تتقاطع قراءات حزمة من مراكز الأبحاث والصحف الدولية عند استنتاج مفاده أن جماعة الحوثي تمثل حالياً إحدى أبرز أدوات الضغط غير المتماثلة المتبقية بيد طهران في مواجهتها الراهنة مع واشنطن، وأن حالة “ضبط النفس النسبي” التي أبدتها الجماعة حتى الآن لا ينبغي أن تُفسر بوصفها مؤشراً على تآكل القدرات، بل كجزء من حسابات استراتيجية معقدة ترتبط بالتوقيت والكلفة السياسية وهوامش المناورة المتاحة.
وفي تحليل معمق نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، يرى الكاتب أن جماعة الحوثي تمثل إحدى أخطر “النقاط العمياء” في تقدير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمسار المواجهة الحالية مع إيران؛ فبينما يعبر ترامب عن ثقته بأن أهداف واشنطن تجاه طهران باتت قريبة من التحقق، يؤكد التحليل أن هذا التقدير يقلل من شأن أدوات الضغط غير التقليدية التي لا تزال تمتلكها إيران، وفي طليعتها قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة في مضيق باب المندب والتأثير القسري في حركة التجارة العالمية.
ويطرح التقرير فرضية أن امتناع الحوثيين، حتى اللحظة، عن استهداف الملاحة الكلي عبر باب المندب يمثل موقفاً يحتمل عدة تفسيرات تحليلية متداخلة، فقد يكون ذلك انعكاساً لتراجع نسبي في القدرات العملياتية نتيجة الضربات الأمريكية–الإسرائيلية المكثفة التي استهدفت البنية العسكرية ومنصات الإطلاق خلال عامي 2024 و2025.
ومن جهة أخرى، قد يعكس هذا الموقف قيوداً وضغوطاً سياسية خارجية، لاسيما من الجانب السعودي الذي بات يمتلك نفوذاً متزايداً وأدوات ضغط اقتصادي فاعلة داخل اليمن منذ مطلع عام 2026، أو قد يكون قراراً استراتيجياً متعمداً بالاحتفاظ بورقة التصعيد البحري لمرحلة أكثر حساسية ضمن استراتيجية الرهان على التوقيت السياسي الأنسب.
وهذه الاحتمالات لا يلغي بعضها بعضاً، بل قد تتضافر في تفسير السلوك الحوثي الراهن، دون أن يقلل ذلك من حجم التهديد القائم بالنظر إلى السجل العملياتي للجماعة في تعطيل الملاحة ورفع كلفة الشحن الدولي.
وتتوافق هذه الرؤية مع خلاصات المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI)، الذي يرى أن الحوثيين اختاروا تكتيك استئناف الهجمات على إسرائيل باعتباره الوسيلة الأقل كلفة لإثبات الاصطفاف مع المحور الإيراني وتحقيق مكاسب سياسية في الداخل اليمني دون المخاطرة بفتح مواجهة بحرية شاملة قد تكون عواقبها غير مأمونة.
ويربط التقرير توقيت هذه الهجمات باحتمالية وجود تدخل أمريكي بري محدود يهدف لتأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز، معتبراً أن الحوثيين يسعون لتوجيه رسائل ردع استباقية مفادها أن أي تصعيد أمريكي في منطقة الخليج سيُقابل بالضرورة بضغط مضاد ومؤثر في البحر الأحمر.
وعلى المستوى الداخلي، تشير تحليلات المعهد إلى أن الحوثيين لا ينخرطون في المواجهات استجابةً للحسابات الإقليمية فحسب، بل يقتنصون الفرص لتحقيق مكاسب محلية تتصل بتعزيز الشرعية وتعبئة الأنصار وتحسين شروط التفاوض السياسي، حيث ساهمت الهجمات المرتبطة بحرب غزة في ترسيخ مكانة الجماعة ضمن ما يسمى “محور المقاومة”، ما يجعل من استمرار الانخراط الرمزي أداة فعالة لتوطيد التماسك التنظيمي وشد العصب الشعبي.
وفي الوقت ذاته، يحمل هذا السلوك الحوثي رسائل ضغط مبطنة وموجهة إلى الرياض؛ فبعد تعزز الحضور السعودي في مناطق الحكومة المعترف بها دولياً منذ مطلع 2026، بات الحوثيون يواجهون ميزان قوى داخلي أكثر تماسكاً وندية.
وهذا يجعل من انخراطهم المحدود في التصعيد الإقليمي أداة مزدوجة الوظيفة، فهي من جهة تدعم الموقف الإيراني، ومن جهة أخرى تضغط على الجانب السعودي لتجميد الوضع القائم في شمال غرب اليمن وانتزاع تنازلات سياسية واقتصادية جوهرية، لاسيما فيما يتعلق بملفي الرواتب والمفاوضات السياسية الشاملة.
باب المندب : نقطة الاختناق الاستراتيجية المقبلة وتداعيات التصعيد المحتمل
تُجمِع مجمل التغطيات والتحليلات الدولية على أن مضيق باب المندب يمثل حالياً “نقطة الاختناق” البحرية الأكثر حساسية وخطورة، خاصة في ظل التعطل الجزئي الكبير للملاحة عبر مضيق هرمز.
وقد انتقل النقاش خلال هذه الفترة من مجرد إبراز الأهمية الاستراتيجية للمضيق إلى رصد مؤشرات عملية وميدانية على احتمالية توظيفه كورقة ضغط قصوى في سياق المواجهة الإقليمية الشاملة.
ويرى تحليل (Middle East Monitor) أن باب المندب يمثل ممراً حيوياً قد يؤدي أي اضطراب فيه إلى ارتدادات واسعة النطاق على الأسواق العالمية، حيث تمر عبره سنوياً ما يتراوح بين 10% إلى 12% من التجارة العالمية، بما يغطي شحنات النفط والغاز المسال والإمدادات الغذائية الأساسية.
ويربط التحليل بين تصاعد المخاطر الراهنة وتقاطع التصعيد الإقليمي المباشر مع تفعيل أدوات الضغط غير المباشرة، مستشهداً بهجمات الحوثيين التي طالت أكثر من مائة سفينة خلال العام المنصرم وأدت لتقليص حركة العبور عبر المضيق بأكثر من النصف.
ويحذر التحليل من أن اضطرار السفن التجارية والناقلات للالتفاف حول طريق رأس الرجاء الصالح سيؤدي حتماً إلى إطالة زمن الرحلات البحرية بمدة تتراوح بين عشرة وعشرين يوماً، فضلاً عن القفزات الكبيرة في تكاليف الشحن واستهلاك الوقود وأقساط التأمين البحري.
وهذه العوامل مجتمعة ستؤدي لرفع معدلات التضخم العالمي وزيادة هشاشة الاقتصادات النامية أمام الأزمات المتلاحقة، مما يعني أن أي انفجار للموقف في باب المندب لن يظل محصوراً في النطاق الجغرافي للإقليم، بل سيتحول سريعاً إلى أزمة عالمية تمس أمن الطاقة وسلاسل التوريد الدولية.
وإلى جانب هذه الرؤية يقدم تحليل (Washington Times) تفسيراً لتحول لافت في استراتيجية التهديد الحوثي، فبدلاً من التعطيل الكلي للملاحة، بدأت الجماعة تنحو منحى “الضغط الانتقائي” المماثل للأسلوب الإيراني في مضيق هرمز، وهو نمط يعتمد على رفع كلفة العبور وخلق حالة ردع مستمرة دون الانزلاق نحو الإغلاق الشامل للممر الملاحي.
ويستند هذا التقرير إلى مؤشرات ميدانية، منها أن عدداً متزايداً من السفن العابرة باتت ترسل إشارات عبر أنظمة التعريف الآلي (AIS) لتأكيد عدم ارتباطها بالولايات المتحدة أو إسرائيل، بينما لجأت سفن أخرى للاستعانة بحراس مسلحين ظاهرين على متنها، مما يعكس حقيقة أن المرور في هذه الممرات لم يعد محكوماً بسلامة الملاحة الفنية، بل بات رهيناً للاعتبارات السياسية وهوية الجهات المالكة.
ويخلص التقرير إلى أن هذا النمط يمنح الحوثيين هامشاً واسعاً للضغط، إذ يسمح بمرور سفن معينة مقابل تهديد أخرى، مما يُبقي خيارات التصعيد مفتوحة ويقلل في الوقت نفسه من احتمالية استدراج رد عسكري دولي واسع النطاق.
ويتلاقى هذا الطرح مع تقرير (CNN) الذي يتناول “البعد السعودي” في هذه المعادلة، مشيراً إلى أن النجاح التكتيكي المؤقت الذي حققته الرياض في الالتفاف على إغلاق مضيق هرمز عبر زيادة صادراتها النفطية من البحر الأحمر من خلال ميناء “ينبع” يظل شديد الهشاشة أمام أي مغامرة حوثية في باب المندب.
وتتمثل الفكرة المركزية في أن الحوثيين باتوا يمتلكون القدرة على تقويض آخر آليات التخفيف المتبقية في سوق النفط العالمي، حيث حولت السعودية خلال الأسبوعين الماضيين ما يصل إلى 4.6 مليون برميل يومياً عبر ميناء ينبع، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف متوسط صادراتها عبر هذا المسار خلال عام 2025.
ورغم أن هذه الكميات لا تعوض سوى جزء يسير من الـ 15 مليون برميل التي تعطلت بسبب أزمة هرمز، إلا أنها تظل ذات أهمية حاسمة في سوق نفط بالغ الحساسية.
وفي سياق رصد الحراك الميداني، تشير (Washington Times) إلى أن الحوثيين نفذوا ثماني هجمات صاروخية تجاه إسرائيل منذ أواخر مارس كنوع من “المشاركة الرمزية”، لكن الأهم هو اعتبار الجماعة لهذه الضربات مجرد “مرحلة أولى”، في حين يظل خيار تعطيل الملاحة في باب المندب مطروحاً وبقوة على لسان قياداتهم.
كما يسلط التقرير الضوء على مخاطر تراجع الرقابة الدولية على الساحل الغربي اليمني بعد إنهاء عمل بعثة (UNMHA)، وتدشين الحوثيين لأرصفة جديدة وتعزيز أنظمة المراقبة البحرية في الحديدة ورأس عيسى، مما يجعل البنية التحتية لأي تصعيد بحري وشيك جاهزة بانتظار القرار السياسي.
ويخلص التقرير إلى أن الحوثيين لا يزالون يديرون “جبهة مضبوطة”، لكنهم يحتفظون بأخطر أدوات التصعيد في المنطقة، بانتظار اللحظة المناسبة لتفعيلها.
اليمن في قلب التنافس الاستراتيجي السعودي–الإماراتي
تؤكد مجمل القراءات الصادرة عن مراكز الأبحاث الدولية أن العلاقة السعودية–الإماراتية شهدت تحولاً جوهرياً وبنيوياً، انتقلت بموجبه من إطار التنسيق الاستراتيجي الذي تلا مرحلة الربيع العربي إلى حالة من التنافس الحاد والمكشوف، حيث تمثل اليمن الساحة الأبرز لهذا الصراع المحموم على النفوذ.
ويوضح تقرير (Geopolitical Intelligence Services) أن التحالف الذي بُني على قاعدة مواجهة التمدد الإيراني واحتواء الإسلام السياسي بدأ في التآكل الفعلي مع تباين أولويات الطرفين؛ فبينما ركزت الرياض على احتواء التهديد الحوثي وتأمين حدودها الجنوبية، سعت أبوظبي لترسيخ نفوذ جيوسياسي طويل الأمد في الجنوب اليمني والمناطق الساحلية والموانئ الاستراتيجية.
وأدى هذا الافتراق في الأجندات إلى نشوء قوى محلية متصارعة، أبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً في مواجهة القوى الموالية للسعودية، مما ساهم في تشظي الجبهة المناهضة للحوثيين بدلاً من توحيد صفوفها.
ورغم محاولات احتواء هذه الخلافات عبر تسويات سياسية مثل اتفاق الرياض عام 2019 وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي عام 2022، إلا أن الانقسامات ظلت حية بفعل تضارب المصالح العميقة.
وقد بلغ هذا التوتر ذروته مع نهاية عام 2025 حين توسعت قوات المجلس الانتقالي في مناطق حضرموت والمهرة، وهو ما اعتبرته السعودية تجاوزاً خطيراً لخطوطها الحمراء.
وفي الثلاثين من ديسمبر 2025، شنت السعودية ضربات جوية مباشرة ومفاجئة ضد قوات المجلس الانتقالي، مما أدى لاستعادة الحكومة المعترف بها دولياً لمناطق رئيسية، وهو الضغط الذي أدى في نهاية المطاف لإعلان المجلس الانتقالي حل نفسه في التاسع من يناير 2026 في تطور يعكس حجم الغلبة السعودية وإعادة رسم موازين القوى في الجنوب.
وتتقاطع هذه القراءة مع تحليل (NBC News) الذي يرى أن هذا المسار يعكس تحولاً أوسع في السياسة الإماراتية نحو “الاستقلالية الاستراتيجية” عن المنظومة السعودية، وهو ما تجلى بوضوح صارخ في قرار انسحاب الإمارات من منظمة أوبك في أبريل 2026، منهية ستة عقود من العضوية والالتزام بالسياسات النفطية المشتركة.
حزب الإصلاح ومعركة التصنيف السياسي في واشنطن
كشفت تقارير (Middle East Eye) نقلاً عن مصادر أمريكية وسعودية ويمنية أن دولة الإمارات كثفت خلال الأشهر الأخيرة جهودها الدبلوماسية لإقناع واشنطن بإدراج حزب الإصلاح اليمني ضمن قائمة “الإرهابيين العالميين المصنفين بشكل خاص” (SDGT) .
ويأتي هذا التحرك بعد إبلاغ أبوظبي لإدارة ترامب بأن الإجراءات المتخذة ضد فروع الإخوان المسلمين غير كافية، حيث تسعى الإمارات لتحقيق هدف استراتيجي قديم يتمثل في الحظر الشامل للجماعة وكافة أذرعها السياسية، غير أن هذا الملف يحمل أبعاداً وتداعيات تتجاوز حزب الإصلاح بحد ذاته، فالتصنيف الذي تسعى إليه أبوظبي — وهو تصنيف “منظمة إرهابية أجنبية” (FTO) — قد يفتح الباب لملاحقات قانونية تطال أطرافاً في الحكومة اليمنية الشرعية التي تدعمها الرياض، مما يحوّل أداة مكافحة الإرهاب إلى ورقة ضغط سياسية في التنافس الإقليمي وتقويض الحضور السعودي بطريقة غير مباشرة.
وفي المقابل، يشير مصدر سعودي – حسب التقرير – إلى أن المملكة تدرك تمامًا توجّه الإمارات نحو استهداف حزب الإصلاح، موضحًا أن أبوظبي تعتبره “أخطر فروع الإخوان” نظرًا لوزنه السياسي والعسكري داخل اليمن.
وتشير التقارير إلى أن وزارة الخارجية الأمريكية بدأت بالفعل جولة من التشاورات لتقييم الموقف، مما يضع السعودية أمام تحدٍّ مزدوج يتمثل في الدفاع عن حليف يمني محلي تقتضيه مقتضيات المعركة على الأرض، ومنع تحول القرارات الأمريكية إلى أدوات لتقليص نفوذها لصالح الأجندة الإماراتية.
ويعكس هذا المشهد معادلة معقدة تراهن فيها الإمارات على مناخ “مكافحة الإرهاب” السائد في واشنطن لتحقيق مكاسب سياسية وميدانية على حساب خصومها المحليين والإقليميين، فيما تجد السعودية نفسها أمام تحدٍّ مزدوج — الدفاع عن حليف يمني تحتاجه على الأرض، ومنع تحوّل قرار أميركي إلى أداة لتقليص نفوذها في اليمن لصالح أبوظبي.
برنامج الاغتيالات الممنهجة وتوظيف المرتزقة الأجانب
بعيداً عن السياقات السياسية المباشرة، كشفت تحقيقات دولية عن جانب شديد التعقيد من الحرب اليمنية يتمثل في وجود برنامج اغتيالات سري نُفذ لصالح الإمارات عبر متعاقدين عسكريين أجانب، بينهم عناصر سابقة في القوات الخاصة الأمريكية.
واستناداً لتقارير (Middle East Eye) و (New York Post)، مدّعمة بوثائق قضائية، فقد تعاقدت الإمارات منذ عام 2015 مع شركة (Spear Operations Group) لتنفيذ عمليات تصفية داخل اليمن بعقد بلغت قيمته 1.5 مليون دولار شهرياً، بالإضافة لمكافآت عن كل عملية ناجحة.
وتفيد الشهادات المسربة وتقرير New York Post بأن الفريق تلقى قائمة تضم 23 هدفاً سياسياً، معظمهم ينتمون لحزب الإصلاح، تم تقديمها على شكل بطاقات تعريفية دون تفاصيل استخباراتية، مما يشير لاعتماد مباشر على التوجيه السياسي في اختيار الأهداف.
ومن أبرز هذه الوقائع محاولة اغتيال السياسي أنصاف علي مايو في عدن، في حين تشير التقارير الحقوقية والدولية الصادرة عن الأمم المتحدة و (Freedom House) إلى وقوع انتهاكات جسيمة تشمل الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري في جنوب اليمن، نُسبت لوحدات أمنية مدعومة إماراتياً، أبرزها “الحزام الأمني” و“النخبة”.
كما تشير التقارير كذلك إلى أن الشركة تلقت دعمًا لوجستيًا وتسليحيًا من الجانب الإماراتي، مع دمج بعض عناصرها ضمن تشكيلات شبه عسكرية تعمل تحت مظلة مكافحة الإرهاب، ما خلق – وفق هذه الروايات – مساحة قانونية رمادية حول طبيعة هذه العمليات والمسؤولية عنها.
كما خلص فريق خبراء تابع للأمم المتحدة إلى وجود “أسباب معقولة للاعتقاد” بوقوع عمليات قتل خارج القانون في عدن، مع الإشارة إلى احتمال تورط جهات مسيطرة على تلك القوات.
وقد وثّقت تقارير إعلامية استقصائية أيضًا سلسلة اغتيالات طالت شخصيات دينية وسياسية مرتبطة بحزب الإصلاح خلال تلك الفترة
ويرى تحليل نشره (The Dark Box) إلى أن استمرار هذا النمط من الاغتيالات، وآخرها تصفية (عبد الرحمن الشاعر) في أبريل 2026، يعكس وجود “منظومة منهجية” تهدف لإعادة تشكيل موازين القوى السياسية عبر نشر الخوف وتجريف المجال العام وإجبار الفاعلين السياسيين والمدنيين على الانسحاب الكلي أو التماهي مع القوى المهيمنة على الأرض.
ويخلص التحليل إلى أن تواتر هذه الاغتيالات ونمطها العملياتي يشير إلى أنها تندرج ضمن استراتيجية نسقية لإعادة هندسة موازين القوى، حيث يتم انتقاء الأهداف بآلية دقيقة ضمن سياق سياسي واضح، وتتمثل الغاية الاستراتيجية في تجريف المجال العام وبث حالة من الترهيب الممنهج بين الفاعلين السياسيين والمدنيين. وصولاً إلى إجبار من تبقى على الانسحاب الكامل من الحياة السياسية أو التماهي مع مراكز القوى المهيمنة.
الخلاصة
وفي المجمل تشير التغطيات الدولية إلى أن الملف اليمني خلال هذه المرحلة لم يعد يُقرأ بمعزل عن السياقات الإقليمية والدولية الكبرى، بل بات ساحة مركزية تتداخل فيها “معادلات الردع” في الممرات المائية الدولية مع “حروب النفوذ” والتباينات العميقة بين الحلفاء الإقليميين، وإن تحول اليمن إلى مسرح للتنافس السعودي–الإماراتي، وتوظيف ملفات الإرهاب والاغتيالات العابرة للحدود كأدوات سياسية، يشير إلى تعقيد بنيوي يجعل من أي حل سياسي مستقبلي رهينة لتوافقات إقليمية تتجاوز في تعقيدها الداخل اليمني، وتضع مستقبل البلاد أمام احتمالات مفتوحة من التصعيد والتشظي.
كما امتد هذا التنافس إلى أدوات سياسية وقانونية، تمثلت في تصاعد الجهود الإماراتية للضغط على واشنطن من أجل تصنيف حزب الإصلاح، في مسار يعكس توظيف ملفات “مكافحة الإرهاب” ضمن حسابات النفوذ. وفي سياق موازٍ، أعادت التحقيقات الدولية تسليط الضوء على ملف الاغتيالات، كأحد أكثر أبعاد الصراع تعقيدًا، ما يعكس تحول الحرب في اليمن إلى ساحة تتداخل فيها الأدوات العسكرية والأمنية والسياسية ضمن معادلة أكثر تشابكًا.
المصادر:
- Center for Strategic and International Studies (CSIS) : The Houthi Threat: Trump Is Underestimating One of Iran’s Key Remaining Cards
https://www.csis.org/analysis/houthi-threat-trump-underestimating-one-irans-key-remaining-cards
- Italian Institute for International Political Studies (ISPI) : Houthis, controlled escalation adds an Arabian variable to the Gulf War
https://www.ispionline.it/en/publication/houthis-controlled-escalation-adds-an-arabian-variable-to-the-gulf-war-234009
- Middle East Monitor : he Bab al-Mandeb Strait: where uncommon conflict became a common burden https://www.middleeastmonitor.com/20260330-the-bab-al-mandeb-strait-where-uncommon-conflict-became-a-common-burden/
- The Washington Times: Houthis hold Bab al-Mandab Strait as next choke point amid Iran ceasefire concerns https://www.washingtontimes.com/news/2026/apr/9/houthis-hold-bab-al-mandab-strait-next-choke-point-iran-ceasefire/
- CNN Business : Saudi oil war: Strait of Houthis threatens key shipping route https://edition.cnn.com/2026/03/30/business/saudi-oil-war-strait-houthis
- Military Times : Amid focus on Strait of Hormuz, experts warn on Yemen’s Houthis and the Red Sea https://www.militarytimes.com/news/pentagon-congress/2026/04/14/amid-focus-on-strait-of-hormuz-experts-sound-warning-on-yemens-houthis-and-red-sea/
- Activist Post: Abu Dhabi’s kill list: Inside the Israel-UAE mercenary death squads from Yemen to Serbia
https://www.activistpost.com/abu-dhabis-kill-list-inside-the-israel-uae-mercenary-death-squads-from-yemen-to-serbia/
- Middle East Eye: US mercenary was paid millions to carry out killings in UAE Yemen operations
https://www.middleeasteye.net/news/us-mercenary-was-paid-millions-c arry-out-killings-uae-yemen
- NewYork Post: US Special Forces commandos had 23 man kill list during UAE assassination plot: https://nypost.com/2026/04/03/us-news/kill-list-special-forces-had-during-uae-assassination-plot
- Geopolitical Intelligence Services : The Saudi Arabia–UAE ‘cold war’ in Yemen
https://www.gisreportsonline.com/r/saudi-arabia-uae-yemen/
- Middle East Eye : UAE aggressively lobbying US to designate Yemen Islah as terror group https://www.middleeasteye.net/news/uae-aggressively-lobbying-us-designate-yemen-islah-terror-group
- NBC News : ‘Little Sparta’: UAE shocks Gulf by going its own way on oil https://www.nbcnews.com/world/middle-east/little-sparta-uae-shocked-gulf-going-way-oil-rcna342644
المصادر:
- Center for Strategic and International Studies (CSIS) : The Houthi Threat: Trump Is Underestimating One of Iran’s Key Remaining Cards
https://www.csis.org/analysis/houthi-threat-trump-underestimating-one-irans-key-remaining-cards - Italian Institute for International Political Studies (ISPI) : Houthis, controlled escalation adds an Arabian variable to the Gulf War
https://www.ispionline.it/en/publication/houthis-controlled-escalation-adds-an-arabian-variable-to-the-gulf-war-234009 - Middle East Monitor : he Bab al-Mandeb Strait: where uncommon conflict became a common burden https://www.middleeastmonitor.com/20260330-the-bab-al-mandeb-strait-where-uncommon-conflict-became-a-common-burden/
- The Washington Times: Houthis hold Bab al-Mandab Strait as next choke point amid Iran ceasefire concerns https://www.washingtontimes.com/news/2026/apr/9/houthis-hold-bab-al-mandab-strait-next-choke-point-iran-ceasefire/
- CNN Business : Saudi oil war: Strait of Houthis threatens key shipping route https://edition.cnn.com/2026/03/30/business/saudi-oil-war-strait-houthis
- Military Times : Amid focus on Strait of Hormuz, experts warn on Yemen’s Houthis and the Red Sea https://www.militarytimes.com/news/pentagon-congress/2026/04/14/amid-focus-on-strait-of-hormuz-experts-sound-warning-on-yemens-houthis-and-red-sea/
- Activist Post: Abu Dhabi’s kill list: Inside the Israel-UAE mercenary death squads from Yemen to Serbia
https://www.activistpost.com/abu-dhabis-kill-list-inside-the-israel-uae-mercenary-death-squads-from-yemen-to-serbia/ - Middle East Eye: US mercenary was paid millions to carry out killings in UAE Yemen operations
https://www.middleeasteye.net/news/us-mercenary-was-paid-millions-c arry-out-killings-uae-yemen - NewYork Post: US Special Forces commandos had 23 man kill list during UAE assassination plot: https://nypost.com/2026/04/03/us-news/kill-list-special-forces-had-during-uae-assassination-plot
- Geopolitical Intelligence Services : The Saudi Arabia–UAE ‘cold war’ in Yemen
https://www.gisreportsonline.com/r/saudi-arabia-uae-yemen/ - Middle East Eye : UAE aggressively lobbying US to designate Yemen Islah as terror group https://www.middleeasteye.net/news/uae-aggressively-lobbying-us-designate-yemen-islah-terror-group
- NBC News : ‘Little Sparta’: UAE shocks Gulf by going its own way on oil https://www.nbcnews.com/world/middle-east/little-sparta-uae-shocked-gulf-going-way-oil-rcna342644
ظهرت المقالة اليمن في التناولات البحثية والإعلامية الدولية أولاً على المخا للدراسات الاستراتيجية.