وثيقة مبادئ برلين بشأن السودان: توافق شكلي لا يكفي لإنهاء الحرب
Arab
1 day ago
share
في محاولة دولية لإيجاد حل للأزمة السياسية والعسكرية في السودان عُقد في برلين، في 15 إبريل/نيسان الماضي، مؤتمر ضم عدداً من المسؤولين الدوليين والمنظمات الدولية. وقد جمع المؤتمر أيضاً عدداً من قادة القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني السودانية، في وقت لم تُوجَّه دعوة رسمية لطرفي الصراع العسكري المشتعل في البلاد منذ أكثر من ثلاث سنوات (الجيش السوداني والدعم السريع). وقد هدف المؤتمر إلى تنسيق الجهود الدولية لوقف القتال ومعالجة الأوضاع الإنسانية المتفاقمة، واستعادة الحكم المدني. واختتم أعماله باعتماد نص وثيقة مبادئ برلين بشأن السودان والتي وجدت آراء متباينة في الساحة السياسية السودانية، رغم تأكيدها أن لا حل عسكرياً لأزمة السودان، داعية إلى إقرار هدنة إنسانية وعملية سياسية تفضي إلى حكم مدني. وفي 15 إبريل الماضي، يوم انعقاد المؤتمر، أعلنت القوى المدنية السودانية المشاركة في مؤتمر برلين توقيع وثيقة مشتركة تنادي بوقف الحرب فوراً، وتدعو إلى حماية المدنيين والبنية التحتية والأعيان المدنية، بالإضافة إلى تسهيل وصول المساعدات الإنسانية وكبح خطاب الكراهية وخلق مناخ داعم لبناء الثقة. كما تتضمن الوثيقة عملية سياسية شاملة لمعالجة الأسباب الجذرية للأزمة الوطنية المزمنة، وإرساء دعائم سلام عادل ومستدام وانتقال مدني ديمقراطي، بالإضافة إلى إطلاق عملية شاملة للعدالة والعدالة الانتقالية. وشارك في المؤتمر وقتها نحو 40 شخصية من القوى المدنية والسياسية السودانية، أبرزهم التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود)، الذي يقوده رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك. أبرز بنود وثيقة مبادئ برلين بشأن السودان وقد تمثلت أبرز بنود وثيقة مبادئ برلين بشأن السودان والتي نشرتها وزارة الخارجية الألمانية في 30 إبريل، الالتزام بسيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، فضلاً عن الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ودعم الانتقال المدني، والاتفاق على هدنة إنسانية فورية، يليها وقف إطلاق نار مستدام، وعملية حوار وانتقال مدني مستقلة وشاملة وشفافة. كما أعرب المشاركون في المؤتمر، بحسب الوثيقة، عن احترامهم لتطلعات الشعب السوداني بأن يقرر مستقبل الحكم في بلاده من خلال عملية سياسية سودانية داخلية شاملة وذات مصداقية وشفافة. وشددوا على ضرورة إنهاء أي دعم خارجي، مباشر أو غير مباشر، سواء كان لوجستياً أو مالياً أو عسكرياً. كما نصت وثيقة مبادئ برلين بشأن السودان على دعوة الجميع لضمان وصول المساعدات الإنسانية عبر خطوط التماس والحدود، وضمان الوجود العملياتي للعاملين في المجال الإنساني في جميع أنحاء البلاد، وفقاً للقانون الدولي المعمول به، والقانون الدولي الإنساني، وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، مع احترام سيادة السودان، وضرورة حماية المدنيين ومعاملتهم معاملة إنسانية في جميع الأوقات. وقد أكد الموقعون على وثيقة مبادئ برلين بشأن السودان التحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وغيرها من الفظائع الشنيعة، ومقاضاة مرتكبيها، واعتبروا أن ذلك سيساهم في المصالحة والسلام المستدام. وأشار بيان الخارجية الألمانية، الخميس الماضي، إلى أنه شارك في المؤتمر في 15 إبريل 2026، وزراء خارجية وممثلون كبار للدول والمنظمات الدولية والإقليمية، وهي الاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، وفرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، وأميركا، بالإضافة إلى جيبوتي ومصر وإثيوبيا وكينيا والنرويج وقطر والسعودية وجنوب السودان وسويسرا وتشاد وتركيا وأوغندا والإمارات والأمم المتحدة، والهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا "إيغاد"، وجامعة الدول العربية. وأوضح أن المشاركين في المؤتمر تعهدوا بالعمل بناء على مبادئ الوثيقة. من جانبها، اتخذت الحكومة السودانية التي يقودها الجيش موقفاً ناقداً للمؤتمر منذ البداية، ولم تعلّق بعد على وثيقة مبادئ برلين بشأن السودان الصادرة عنه، لكنّها شنّت في بيان في 15 إبريل الماضي هجوماً على المؤتمر ووصفته بالخطوة المغلفة بالاهتمام بالشأن الإنساني من دون تشاور وتنسيق مع حكومة السودان ودعوتها، وتجاهل الرؤى المطروحة من الدولة السودانية ومؤسساتها الرسمية، معتبرة أن ذلك "يعكس نهج الوصاية الاستعماري الذي لا تزال تمارسه بعض الدول الغربية وتحاول من خلاله فرض أجندتها ورؤيتها على الدول والشعوب الحرة". وقالت وزارة الخارجية السودانية، في البيان وقتها، إنّ السودان وشعبه، وهو صاحب المصلحة الأول والأخير، لن يقبل أن تتنادى دول ومنظمات إقليمية ودولية لتقرر في شأنه وتتجاوز الحكومة السودانية وتختبئ خلف ذريعة الحياد لتبرير تجاهل السودان في هذا الاجتماع، معتبرة أنها حجة لا قيمة لها، وأمر مرفوض يشكل سابقة خطيرة في العلاقات الدولية. واستنكرت "المساواة بين الحكومة وجيشها الوطني من جهة، ومليشيا إرهابية مجرمة متعددة الجنسيات" في إشارة لقوات الدعم السريع، التي لم يصدر عنها أو عن التحالف السياسي (تحالف تأسيس) الذي تقوده قبول صريح أو رفض مباشر للوثيقة. في المقابل، أعلن التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود)، الذي يقوده رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، في بيان في الأول من مايو/أيار الحالي، ترحيبه بإعلان مبادئ برلين بشأن السودان. وقال التحالف، الذي كان يشكل الحكومة قبل انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، إن هذا التوافق يعكس اهتماماً دولياً متزايداً بالأزمة السودانية، وإرادة متصاعدة للمساعدة على وضع حد للنزاع الدامي الذي دخل عامه الرابع مخلفاً الكارثة الإنسانية الأكبر على مستوى العالم. وأضاف أن مبادئ برلين جاءت متسقة مع دعوات وتطلعات السودانيين المنادين بوقف الحرب والتواقين لإحلال السلام في كل أرجاء البلاد، لافتاً إلى أن هذا التوافق الدولي الواسع يمثل فرصة مهمة تتطلب شحذ الإرادة الوطنية السودانية لوضع حد لهذه الحرب الإجرامية التي دمرت البلاد وأودت بحياة مئات الآلاف من المدنيين العزل وشردت الملايين، والتي يجب أن تتوقف فوراً ومن دون تأخير. وتعليقاً على وثيقة مبادئ برلين بشأن السودان قال رئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير، في تصريح على صفحته بموقع فيسبوك الخميس الماضي، إن صدور البيان المشترك لمؤتمر برلين بعد نحو أسبوعين من انعقاد المؤتمر، يعكس حجم التعقيد والتباينات في المواقف الدولية والإقليمية تجاه الأزمة السودانية "لكن، في المقابل، فإن الوصول إلى هذا القدر من التوافق، يشير إلى إدراك متزايد بأن استمرار الحرب لم يعد مقبولاً". وأضاف الدقير أنه بقدر أهمية هذا التوافق الدولي والإقليمي، فإنه لا يكفي لإنقاذ وطن لم يُجمع أهله بعد على إنقاذه. وتابع: "لا غنى عن الدور الخارجي المساند - ويستحق الترحيب - لكنه ليس بديلاً عن إرادة سودانية واعية تتبنى خيار الحل السياسي لإنهاء الحرب ومخاطبة قضايا الأزمة الوطنية المتراكمة منذ الاستقلال، والتوافق على إعادة البناء الوطني على أسس جديدة تضمن طي صفحة خطايا الماضي وخيباته، واستدامة السلام، والتحول المدني الديمقراطي، وتحقيق شروط الحياة الكريمة للسودانيين والسودانيات من دون تمييز أو تهميش". ورأى مراقبون أن مؤتمر برلين أنجز تقدماً بتوحيده عدداً من المجموعات السياسية المدنية، واتفاقها على مطلب إنهاء الحرب وإرساء الحكم المدني الديمقراطي، لكن الوثيقة الختامية الصادرة عنه رغم أنها تمثل تقدّماً إيجابياً في اتجاه حل الأزمة السودانية، لكنها تحتاج إلى الكثير من العمل لتحويلها إلى عمل على أرض الواقع بسبب المعارضة الشديدة التي وجدها المؤتمر منذ البداية من قبل الحكومة السودانية التي يقودها الجيش، وتجاهله من قبل قوات الدعم السريع، وغياب الإرادة السياسية لأطراف الحرب والانقسام والاستقطاب الحاد الذي تشهده الساحة السياسية في البلاد. مجدي عبد القيوم: المؤتمر يعبّر عن رغبة أوروبية للعب دور ما في ظل الصراع الدولي المحتدم وقال المحلل السياسي مجدي عبد القيوم، لـ"العربي الجديد"، إن وثيقة برلين بشأن السودان صاحبها زخم إعلامي كثيف كمنبر يبحث مساعدة السودان في ما يتصل بإعادة الإعمار، ولكن المباحثات ركزت على المسار السياسي أكثر من المسألة الاقتصادية. وأضاف أنه الالتزامات لم تتجاوز 1.5 مليار دولار (في مؤتمر 15 إبريل الماضي)، وهو مبلغ ضئيل بالمقارنة مع إعادة الإعمار التي تحتاجها البلاد. وتابع: "صحيح أن المسارين السياسي والاقتصادي متداخلان، ولكن التركيز على السياسي حتى في تفاصيله الدقيقة أمر خاطئ"، مؤكداً أن الحل السياسي للأزمة الوطنية ينبغي أن يكون سودانياً خالصاً عبر حوار شامل لا يستثني أي طرف، و"لا اعتقد ان منتدى برلين مؤهل لهذه المهمة لا بتركيبته ولا منطلقاته". وتابع عبد القيوم: "صحيح أننا لا نرفض دعم الدول المعنية بالشأن السوداني، ولكن يجب أن يقتصر ذلك على الدعم اللوجستي والتسهيل لا إعداد وثائق لمعالجة الأزمة، فأهل مكة أدرى بشعابها". واعتبر أن المؤتمر يعبر عن رغبة أوروبية للعب دور ما في ظل الصراع الدولي المحتدم ومؤشرات الخلاف الأميركي الأوروبي، وعلى وجه العموم "لا أعتقد أن تأثير وثيقة برلين يتعدى المحاولة التي تخلق نوعاً من مراكمة الجهود في سبيل حل الأزمة". لا حل للأزمة بهذه الطريقة صلاح مصطفى: إبعاد طرفي الحرب سيصلّب مواقفهما تجاه المبادرات الخارجية المطروحة لحل الأزمة ورأى المحلل السياسي صلاح مصطفى، أن مؤتمر برلين أحدث اختراقاً بتوحيده مجموعة واسعة من القوى المدنية السودانية حول أهداف إنهاء الحرب ودعم الحكم المدني، وهو بحسب وصفه "هزيمة لأصحاب مشروع الحكم العسكري وتفريخ المليشيات، وهزيمة أيضاً لحزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية اللذين يمثلان نظام الرئيس المخلوع عمر البشير". وأضاف، لـ"العربي الجديد"، أنه رغم ذلك إلا أن المؤتمر لن يحل الأزمة السودانية الماثلة بهذه الطريقة، لأن إبعاد طرفي الحرب سيصلّب مواقفهما تجاه المبادرات الخارجية المطروحة لحل الأزمة التي تسببا بها، ويتيح لهما مساحة للمراوغة، كما أنه يكشف عن ضعف في الآليات الدولية اللازمة لإجبار طرفي الصراع على إنهاء حربهما والجلوس إلى طاولة المفاوضات، والدليل على ذلك مشاركة الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي ومنظمة "إيغاد" واللجنة الرباعية (تضم أميركا والإمارات والسعودية ومصر) والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وكل هذه المؤسسات والكيانات لم تستطع فرض حل على طرفين يستخفان بأرواح السودانيين، ويضربان بالقانون الدولي عرض الحائط. وأشار مصطفى إلى أن وثيقة مبادئ برلين بشأن السودان لا تحمل جديداً غير الالتزامات والمطالبات غير الملزمة والتي وردت في مبادرات وتحركات سابقة، واختلطت فيها الشؤون الإنسانية بالسياسية، وكان الأولى معالجة المشكلة الإنسانية ما دام الحل السياسي يأخذ وقتاً أطول. وأكد أن وثيقة برلين ليست الأولى منذ تفجر الأزمة ولن تكون الأخيرة، وهناك أطراف داعمة لطرفي الحرب مشاركة في المؤتمر، ووقعت على الوثيقة، وهو نوع من النفاق السياسي لا أكثر، معتبراً أن الحل يبدأ بإجبار طرفي الصراع على الجلوس حول طاولة المفاوضات وإنهاء الحرب، ثم بعدها سيكون من السهل تطبيق ما ورد في وثيقة برلين، خصوصاً في ظل التأييد والترحيب الذي وجدته وسط قوى سياسية واسعة داخل البلاد، ودعم من أطراف دولية وإقليمية متعددة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows