Arab
قبل ثلاثة أسابيع من توجّه البلغار إلى صناديق الاقتراع، في ثامن انتخابات تشريعية مبكّرة في خمسة أعوام، جزم رئيس حكومة تصريف الأعمال في هذه الدولة الأوروبية الشرقية، أندريه غيوروف، بأنّ الحدث المرتقب (19 إبريل/ نيسان الماضي) سيكون "واحدةً من أكثر الانتخابات نزاهة في تاريخنا الحديث". واكتسب الحكم المبكّر لغيوروف على ما تحقق لاحقاً في مراكز الاقتراع قيمته من أنّ اسم هذه الدولة الأوروبية الفقيرة مرتبط منذ زمن، إلى جانب رومانيا والمجر، بلازمة "الأكثر فساداً في الاتحاد الأوروبي"، بحسب المؤشّر السنوي لمنظّمة الشفافية الدولية. كما أنّ غيوروف نفسه أكّد صحّة ادّعائه بعد أيام قليلة من تصريحه الأول، عندما كشف إحالة 360 شخصاً إلى القضاء، بينهم 40 نائباً، لتورّطهم في دفع رشى لشراء أصوات الناخبين، بمبالغ مجموعها مليون يورو.
ما الذي جعل انتخابات بلغاريا التشريعية في 19 إبريل التي تصدّرها ائتلاف الرئيس السابق رومن راديف على هذه الفرادة محلّياً وأوروبياً؟ ولماذا أيقظ فوزه الكاسح فيها كابوس الأوروبيين من أن فيكتور أوربان جديداً حلّ في رأس واحدة من دول الاتحاد الأوروبي الـ27، بعدما كان قادته قد تنفّسوا الصعداء إثر تخلّصهم من الأخير في انتخابات المجر التي سبقت الحدث البلغاري بأسبوع؟
أتت النتائج مخالفة للتوقّعات التي أعطت راديف وحزبه أفضليةً لا تزيد عن 10% مقارنةً بأقرب منافسيه
انتخابات على أنقاض الفساد وعدم الاستقرار
حتى العام 2016، كان راديف جنرالاً يقود سلاح الجو في الدولة الشيوعية السابقة، التي انضمّت إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 2004. وعندما قرّر احتراف السياسة، كان هذا بناء على رغبة الحزب الاشتراكي، وريث الحزب الشيوعي، الذي كان يبحث عن شخصية مستقلّة فيها مواصفات رجل الدولة كي يكون مرشّحه للرئاسة. فوجدها في راديف الذي استقال من الجيش وترشَّح، وفاز بأغلبية ضئيلة في منصب الرئاسة ذي الصفة البروتوكولية. وفي 2021، حصل راديف على ولاية جديدة، لكنّه قرر في 20 يناير/ كانون الثاني 2026، أي قبل نهايتها بعام، التخلّي عن منصب الرئيس، وخوض الانتخابات التشريعية المبكّرة في 19 إبريل، في رأس تشكيل سياسي جديد أطلق عليه اسم "بلغاريا التقدّمية".
كانت مغامرة راديف غير المسبوقة في هذه الدولة وثيقة الصلة بقضية الفساد التي سبّب استشراؤه احتجاجاتٍ شعبيةً عامَي 2020 و2025 على التوالي، تخلّلها عدم استقرار حكومي ناجم عن عدم ثقة الناخبين في الطبقة السياسية التي كانت تحاول معالجة إخفاقاتها بتنظيم انتخابات تشريعية مبكّرة وصل عددها إلى سبع دورات خلال خمسة أعوام.
وفي أحدث احتجاجات شهدتها البلاد في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وشارك فيها بفعالية جيل الشباب (جيل زد)، طُلب رحيل حكومة يمين الوسط بزعامة روسن جليازكوف، على خلفية محاولتها تمرير موازنة 2026 المثيرة للجدل، بالتزامن مع انضمام هذا البلد إلى منطقة اليورو. وهو الاحتجاج الأوسع نطاقاً في البلاد منذ سقوط النظام الشيوعي عام 1989 الذي أفضى إلى استقالتها في 11 ديسمبر/كانون الأول الماضي، لتأتي بعدها حكومة غيوروف مكلّفةً بمهمّة رئيسة تتمثّل بقطع دابر الفساد في العملية الانتخابية الأحدث في 19 إبريل. وعلى خلاف الانتخابات السابقة، سجّل الاقتراع أكبر مشاركة شعبية، قُدّر حجمها بـ51% ممّن يملكون حقّ التصويت، واقترنت كذلك بإقبال الشباب والشيوخ على التصويت داخل البلاد، وكذلك في بلدان الاغتراب، حيث تنتشر كتلة وازنة من المغتربين الشباب في بلدان غرب أوروبا وأميركا وبلدان أخرى.
أمّا النتائج فأتت مخالفة لتوقّعات المراقبين، ولمؤسّسات الرصد المتخصّصة، التي كانت تعطي حزب راديف الجديد "بلغاريا التقدّمية" أفضليةً لا تزيد عن 10% مقارنة بأقرب منافسيه، وهو ائتلاف يمين الوسط الذي يقوده حزبا غيرب، واتحاد القوى الديمقراطية بزعامة رئيس الوزراء الأسبق بويكو بوريسوف. فحصل الأول على 44.7% من أصوات الناخبين، ما أتاح له 131 مقعداً نيابياً من أصل 240 من مقاعد البرلمان، وهي نتيجة لم تشهدها بلغاريا منذ 1997، ما يتيح له القدرة على تشكيل حكومة منفرداً.
أمّا ائتلاف غيرب – اتحاد القوى الديمقراطية، الذي كانت الصور الساخرة من زعيمه رئيس الوزراء الأسبق بويكو بوريسوف حاضرةً في احتجاجات نوفمبر 2025، فحصل على 39 مقعداً، وهي أضعف نتيجة يحقّقها منذ تأسيسه عام 2006. وحصل على 21 مقعداً حزب حركة الحقوق والحريات – بداية جديدة، بزعامة الأوليغارشي ديليان بييفسكي، الخاضع لعقوبات ماغنيتسكي الأميركية بتهم الرشوة والفساد والتلاعب الإعلامي، والذي كان محور احتجاجات نوفمبر. وحصل ائتلاف ليبرالي يدعى "نواصل التغيير – بلغاريا الديمقراطية" على 37 مقعداً، ونالت حركة النهضة (فزراجدانه) ذات التوجّه القومي 12 مقعداً.
استخلصت هيئة رقابة إعلامية مستقلّة تدعى "بوليفارد بلغاريا" 12 نتيجة ميّزت هذه الانتخابات من سابقاتها، أهمها أنّ "نفاد الصبر تجاه حكم الثنائي بويكو بوريسوف وديليان بييفسكي، كان المحرّك الرئيس لهذه الانتخابات"، وأنّ "الشباب صوّتوا مثل كبار السن". وشبّه عالم الاجتماع والمحلل إيفو خريستوف الفوز الكاسح، الذي فاجأ المراقبين في الداخل وفي أوروبا، "بالزلزال الذي أسدل الستار على مرحلة بأكملها من التاريخ البلغاري الحديث".
شبّه عالم الاجتماع إيفو خريستوف الفوز الكاسح، الذي فاجأ المراقبين في الداخل وفي أوروبا، "بالزلزال الذي أسدل الستار على مرحلة بأكملها من التاريخ البلغاري الحديث"
كان بين الأعراض الجانبية للزلزال الانتخابي البلغاري أفول نجم الحزب الاشتراكي، وريث الحزب الشيوعي، الذي حكم البلاد بين 1944 و1989 وكان قبلها جزءاً من المنظومة الاشتراكية بزعامة الاتحاد السوفييتي. فقد خسر الاشتراكيون أيّ تمثيل في البرلمان للمرّة الاولى منذ انتقال بلغاريا من الحكم الشمولي إلى الديمقراطية بعد انهيار جدار برلين عام 1989، بسبب عجزهم عن بلوغ نسبة الحسم البالغة 4% من الأصوات. وعزا المحلّلون هذا الأفول إلى سياسات الحزب المتناقضة مع هُويّته اليسارية، وتحالفه مع أحزاب يمين الوسط التي تورّط بعض قادتها في ملفّات فساد أغضبت "جيل زد" البلغاري. علماً أنّ الحزب حاول تدارك التدهور المتواصل لشعبيته بتسليمه دفّة القيادة إلى جيل شابّ مثّله كروم زاركوف، الذي عُيّن رئيساً للحزب قبل بضعة شهور، وكان من ضمن إجراءاته لتنويع دائرة الاستقطاب الانتخابي إدخاله مرشّحةً شابّةً من أصل فلسطيني، تدعى صوفيا الخضرا، ضمن قوائمه.
إذا كانت هذه واحدة من حسابات أحد الخاسرين، فما حسابات الرابح الأكبر في هذه المعركة؟ وماذا فعل كي يكسب ثقة الأغلبية الساحقة من الناخبين البلغار؟ وماذا قال أو فعل كي يثير هذا المقدار من الحذر والتوجّس في الاتحاد الأوروبي؟
عند إعلانه في يناير/ كانون الثاني الماضي نيّته مغادرة منصب الرئاسة، وتأسيس حزب يخوض به الانتخابات، تعمّد الجنرال السابق، المتخرّج في الجامعات العسكرية الأميركية، إضفاء نوع من الغموض على خططه، فتحدّث عن الحاجة "إلى حزب يوحّد جميع الديمقراطيين (من اليسار واليمين) بغض النظر عن انتماءاتهم أو ما إذا كانوا نشطين سياسياً أم لا، لأنّنا جميعاً في حاجة إلى انتخابات نزيهة وتنمية ديمقراطية وحرّة". وفي وقت لاحق ركّز حديثه على "ضرورة تفكيك نموذج الحكم الأوليغارشي". لكنّ العناوين العريضة لبرنامج "بلغاريا التقدّمية" ما لبثت أن ظهرت خلال الحملة الانتخابية، فتمحورت داخلياً على "تفكيك النظام الأوليغارشي القائم، عبر استبدال مجلس القضاء الأعلى الحالي واختيار مدَّعٍ عامّ جديد". أمّا في حقل السياسة الخارجية فتمحورت حول ضمان "الأمن، والتوازن، والمكانة الدولية للبلاد"، من دون تحديد الملفّات المرتبطة بهذا الشعار.
قلق أوروبي من "أوربان بلغاري" جديد
ما تعمّد راديف، المرشّح إلى منصب رئيس الحكومة، إضفاء الغموض بشأنه في مجال السياسة الخارجية، كان قد دوّنه خصومه ومنتقدوه خلال شغله منصب الرئيس تسعة أعوام، وهو السبب الرئيس الذي أثار الخشية من أن يكون الاتحاد الأوروبي بصدد التعامل مع أوربان بلغاري لديه القدرة على التعطيل في القضايا التي تحتاج إلى إجماع قادة الدول الـ27، خصوصاً فيما اتّصل بحرب أوكرانيا، وبالتعامل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
ففي مقابلة أجراها مع صحيفة لوموند (الفرنسية)، في ديسمبر 2016، أكّد راديف أنّ بلغاريا تسعى لأن تكون "شريكاً" موثوقاً في "الناتو"، ولكن من دون أن تكون "عدوّاً" لروسيا، وأشار إلى أنّ العقوبات ضدّ موسكو تضرّ أيضاً بالاتحاد الأوروبي، مشدّداً على أهمية الحوار. وقبل توليه منصبه في أوائل عام 2017 أعلن أنّ العقوبات الاقتصادية والسياسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا واليابان وأستراليا على روسيا، بسبب ضمّها شبه جزيرة القرم، غير ضرورية، مصرّحاً أنّ القرم "روسية بحكم الأمر الواقع".
وبعد الهجوم الروسي على أوكرانيا مطلع العام 2022، اتّضحت أكثر مواقف راديف، إذ اتخذ موقفاً متردّداً وغير واضح، ولا سيّما عندما كانت روسيا تلوّح بالسلاح النووي. وصرّح أن من الواضح أن روسيا ستنتصر في الحرب، مع أنّه يرى أنّ تحقيق السلام بعدها سيكون صعباً. وفي شهر أكتوبر/ تشرين الأول من العام ذاته، رفض راديف تأييد إعلان تسعة من نظرائه من دول وسط وشرق أوروبا، الداعم لوحدة أوكرانيا وانضمامها إلى حلف الناتو.
وخلال زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في يوليو/ تموز 2023، بدعوة من نظيره البلغاري، استقبله راديف، وفي الاجتماع صرّح بمعارضته إرسال مساعدات عسكرية إلى أوكرانيا التي كان رئيس الوزراء البلغاري قد تعهّد بإرسالها سابقاً، فردّ الرئيس الأوكراني بإلقاء خطاب عاطفي لاذع، انتقد فيه الرئيس البلغاري بشدّة، علماً أنّ راديف كان قد كرّر، منذ بدء الحرب الروسية – الأوكرانية، معارضته بيع المخزون البلغاري من أسلحة الحقبة السوفييتية إلى أوكرانيا، على أساس أنّها تطيل أمد حرب ولا تستطيع أوكرانيا كسبها، وهي حجّة مماثلة للتي قدّمها رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان.
تمحور برنامج "بلغاريا التقدّمية" على تفكيك النظام الأوليغارشي باستبدال مجلس القضاء الأعلى الحالي واختيار مدَّعٍ عامّ جديد
في ردّه على المشكّكين في نيّات راديف، واتهام وسائل التواصل له بأنّه صنيعة بوتين في صوفيا، وأنّه سيفجّر الاتحاد الأوروبي من الداخل، قال المحلل وعالم الاجتماع إيفو خريستوف: "لدى راديف ميزتان مهمّتان يراهما بعضهم سلبيّتَين؛ أنّه عسكري، والعسكريون يتعلّمون منذ عامهم الدراسي الأول في الكلّيات عدم التعامل مع التصوّرات الخيالية، وتقييم الوضع الذاتي كما هو ووضع الخصم. وثانياً أنّه يحاول أن ينتهج سياسة خارجية براغماتية تعكس المصلحة القومية البلغارية". واستبعد فيليب غونيف (المحلّل الأمني ونائب وزير الداخلية البلغاري السابق) أن يعرقل راديف دعم الاتحاد الأوروبي أوكرانيا، وقال في مقابلة متلفزة: "سيكون نهجه، عملياً، أقرب إلى نهج رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو منه إلى نهج رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان". ورأى غونيف كذلك أنّ مؤيّدي راديف ليسوا كلّهم موالين لروسيا، ما يعني أنّه سيسعى إلى إيجاد حلّ وسط ويقدّمه على أنّه دفاع عن المصلحة الوطنية، مثل موارد الطاقة الرخيصة لمساعدة الاقتصاد.
لم يُظهر قادة الاتحاد الأوروبي ما يؤشّر إلى امتعاضهم من فوز راديف، فرئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، غرّدت في 20 إبريل بعد إعلان فوز زعيم "بلغاريا التقدّمية" مهنئةً، ومشدّدةً على أنّ "بلغاريا فخورة بانتمائها إلى الأسرة الأوروبية وباضطلاعها بدور هام في مواجهة التحدّيات المشتركة"، وقالت إنّها تتطلّع "إلى العمل معاً من أجل ازدهار وأمن بلغاريا وأوروبا". أمّا راديف نفسه، فحقّق داخلياً واحداً من أهدافه حتى قبل أن يتولى السلطة، فأعلن القائم بأعمال المدَّعي العام بوريسلاف سارافوف استقالته ما إن ظهرت نتائج التصويت.
أوروبياً، قال راديف بعد الفوز ما يشي بسياساته المستقبلية، مشدّداً على أنّ "ما تحتاج إليه أوروبا الآن هو التفكير النقدي، والإجراءات العملية، والنتائج الجيّدة، خصوصاً لبناء بنية أمنية جديدة واستعادة قوتها الصناعية وقدرتها التنافسية"، وختم قائلاً: "ستكون هذه هي المساهمة الرئيسة لبلغاريا في مهمّتها الأوروبية".

Related News
أمريكا - إيران: تصعيد في المضيق وحرب في الأفق؟
france24
5 minutes ago
«تراخيص الأندية» ترفض استئناف الرائد
aawsat
12 minutes ago