Arab
لم تعد مدينة نزوى العُمانية العريقة تبعد عن العاصمة مسقط سوى ساعة ونصف الساعة، بسبب الطريق الجديدة المتميّزة بسعتها وعرضها وتعدّد حاراتها، إذ تتبدّد الزحمة، خصوصاً في صباحات الإجازات في غير ساعات الذروة. وحين تصل إلى نزوى صباحاً، ولا سيّما في يوم جمعة، تصادف أوّلاً السوق الشعبي الكبير، حيث تجتمع مختلف القرى في ساحة واحدة، وتتوافد إلى السوق منتجات قرى الجبل الأخضر الشاهق البعيد، من رمّان وتمر وفواكه وزيت زيتون وعسل وسمن، فضلاً عن أزقّة هذه السوق العريضة القديمة التي تذكّرك مباشرة بمدن عربية عريقة مثل فاس والقيروان وحلب. لن يكفيك نهار واحد إلا لرؤية تفرّعات الظلال العتيقة. وخارج مدينة نزوى العتيقة، وغير بعيد منها، افتتحت أخيراً أكبر حديقة عامّة في عُمان، بمساحة 150 ألف متر مربّع، كما تشتمل على بحيرة اصطناعية بمساحة 4500 متر مربع، وتتخلّل ربوعها أكثر من 500 شجرة.
قبل أيّام، ذهبت برفقة صديقَين بريطانيَّين من أكسفورد (شابّ وزوجته) يعملان في القطاع الأكاديمي بمسقط، حين سألتُ سام هل سبق أن زرتَ نزوى؟ أجابني بالنفي. فقلت له: "إنّك لم ترَ عُمان بعد". وحين وصلنا كانت دهشتهما واضحة، خصوصاً حين تنزّهنا في حارة العقر الأثرية المشرفة على السوق العتيقة، وهي قرية متاهية ذات أسوار، يمكن المشي في ظلالها بمتعة، وسترى هنا وهناك ثلّة من السيّاح يتنزّهون. سنجد أيضاً في سوق نزوى دكاكين للتحف الأثرية العُمانية، وكان من أهمّها دكّان الأبواب القديمة والجلود، حيث إنّ لكلّ باب حكاية، وعدد هذه الأبواب كبير وبمختلف الأحجام والأعمار، فضلاً عن دكاكين تبيع العسل والحلوى، ويمكنك أن تتذوّق من أنواع الحلوى وتقرّر إن كنتَ ستشتري أم لا، ويمكنك أن تكتفي بالتذوّق ثمّ تنسحب، كما فعلنا.
الفقرة الأكثر أهميةً في هذه الزيارة الصباحية هي الدخول إلى قلعة نزوى الأثرية، وبرسوم زهيدة، تزيد قليلاً بالنسبة إلى الوافد الأجنبي عن المواطن العُماني. هذه القلعة الدائرية الضخمة يمكن عدّها إحدى العجائب، كما وصفها ذات يوم الشاعر أمجد ناصر في كتابه "خبط الأجنحة: سيرة المدن والمنافي والرحيل"، وكان كاتب هذه السطور برفقته في زيارته في التسعينيّات. ولكن أين حال القلعة من حالها في تلك الفترة، حين لم تكن سوى خواء أثري، بينما جُهّزت اليوم لتكون معلماً سياحياً ثرياً يمكن قضاء ساعات فيه من دون ملل، مزوّدةً بمتاحف داخلية ومطاعم وجلسات وأماكن للتسوق، ثمّ الصعود إلى مختلف ردهاتها وأجنحتها، مع لوحات توضح طبيعة كلّ ردهة فيها وتاريخها. ثمّ الصعود إلى سطحها العريض الذي يمكن أيضاً الصعود منه، وعبر ثلاثة سلالم متفرّقة، إلى حافَات سور القلعة لرؤية كامل مدينة نزوى من هناك، بنخيلها وأسوارها وسوقها القديمة. وبعد زيارة السوق والقلعة الدائرية، وقد حملت معي من البيت أرغفةَ خبز عُماني مصبوغة بالعسل والجبن وبعض العصائر، ذهبنا إلى فلج دارس، وهو أيضاً معلم مهمّ في نزوى اختارته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) ضمن قائمة التراث العالمي، إذ يُعدّ من أكبر الأفلاج العُمانية، نظراً إلى كمّية مياهه المتدفّقة التي تشبه النهر الجاري، وطول قناة التصريف فيه التي تمتدّ إلى خمسة كيلومترات. تحيط بهذا الفلج أيضاً أماكن كثيرة للجلوس والتأمّل، كما يمكن للمرء أن يستحمّ في بِركه المتفرّقة. قضينا قرابة الساعتين هناك وازدردنا طعامنا الخفيف. حول هذا الفلج يمكنك أن تجد عدداً من الطلبة الأجانب، خاصّة من روسيا، بسبب قرب ولاية نزوى من ولاية منح، حيث يوجد متحف عُمان عبر الأزمان، والأكثر أهمية أنّ فيها معهد السلطان قابوس لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها. يمكنك في نزوى، إن سمح الوقت والطقس، أن تتنزّه في الحارات الداخلية التي تتميّز بوفرة أشجار النخيل وتعدّد الأفلاج المنبثقة من الفلج الأمّ؛ فلج دارس الذي تصبّ مياهه في بساتين هذه الحارات الداخلية المفتوحة ورياضها، ومعظمها بلا أسوار عالية، أو هي مفتوحة، كعادة البساتين العُمانية التقليدية.
لم نكن في طفولتنا نرى أسواراً للبساتين، فكان يمكن الركض واللعب بحرّية، لا تُسوَّر إلا في أحايين نادرة؛ حين يشرع صاحب البستان في بناء بيت داخل بستانه، وعادة ما تكون هذه الأسوار واطئة، في نصف قامة الإنسان، وذلك حتى لا يحتجب المشهد الأخضر عن العابرين.
