Arab
يعكس ارتفاع معدل حوادث العمل في تونس واقع آلاف العمّال الذين يواجهون مخاطر يومية، في ظلّ غياب شروط السلامة المهنية، وضعف الرقابة والإجراءات الرادعة، ما يكبّد الدولة كلفة باهظة.
لم يكن صباح الحبوبي (44 سنة)؛ العامل في ورشة بناء في ضواحي العاصمة التونسية، مختلفاً عن غيره، إذ ارتدى خوذته القديمة وصعد إلى الطبقة الثالثة لمواصلة عمله الذي اعتاد ممارسته منذ أكثر من 20 عاماً، غير أن دقائق فقط كانت كفيلة بأن تغيّر كل شيء، بعد أن انزلقت قدماه على حافة غير آمنة، ليسقط أرضاً ويُصاب بكسر خطير في العمود الفقري. منذ ذلك اليوم، لم يعد محمد قادراً على العمل، وباتت أسرته بلا دخل، تواجه صعوبات معيشية، فضلاً عن نفقات علاجه المكلفة.
يقول محمد؛ الأب لطفلين، إنّه طيلة فترات طويلة من حياته المهنية، اعتاد العمل في ظروفٍ غير آمنة وداخل ورش بناءٍ تفتقر إلى حواجز حماية، أو أيّ مراقبة جدّية، غير أنه لم يكن يتوقع أن ينتهي به المطاف مُقعداً على كرسيّ متحرك. ويضيف لـ"العربي الجديد" أن أغلب ورش البناء تفتقر بدرجة كبيرة إلى ظروف السلامة المهنية، وقد اعتاد العمّال أنفسهم العمل من دون ضوابط، ما يجعلهم عرضة للموت أو الإصابات الخطيرة في أيّ وقت.
واحتفاءً باليوم العالمي للسلامة والصحة المهنية (28 إبريل/ نيسان من كلّ عام)، عبّر الاتحاد العام التونسي للشغل عن قلق من زيادة نسبة الحوادث المهنية الخطيرة والمُميتة، خصوصاً في القطاع الخاص. وأفاد الاتحاد في بيان صدر عن قسم الحماية الاجتماعية والقطاع غير المنظم بأنّه سجّل هذا العام ما وصفه بـ"الفاجعة الوطنية" بعد وفاة أربعة عمّال في خلال أسبوع واحد، بسبب نقص وسائل الحماية في أماكن العمل، محذّراً من خطورة استفحال هذه الحوادث الخطيرة.
وبحسب الاتحاد "لم تعد الحوادث المهنية القاتلة حالات معزولة، بل هي نتيجة مباشرة لسياسات الإهمال وغياب الرقابة، وتفشّي الاستهتار بأبسط شروط الصحة والسلامة المهنية، ما يكشف حجم الاستخفاف بحياة العمّال وحقوقهم الأساسية واستقرار المؤسّسات". ووفق بيانات أعلنها الاتحاد، تسجّل تونس سنوياً بين 25 و26 ألف حادث عمل، بينها ما يقارب 120 حادثاً قاتلاً، أي بمعدل حادث قاتل كل ثلاثة أيام.
ويؤكد الأمين العام المساعد لاتحاد الشغل المكلف بالحماية الاجتماعية بولبابة السالمي أنّ "تواصل هذه الأرقام المفزعة أو ارتفاعها أحياناً هو دليل قاطع على فشل المنظومة الحالية في حماية الأرواح". ويقول لـ"العربي الجديد" إنّ نقص وسائل الحماية وشروط العمل اللائق، وغياب التكوين الوقائي للعمّال، حوّلت مواقع العمل إلى بيئاتٍ عالية المخاطر. كما أنّ ضعف أو غياب الرقابة الميدانية الفعلية لجهازَي تفقدية الشغل وطب الشغل التابعَين لوزارة الشؤون الاجتماعية، منح الضوء الأخضر للمؤسّسات المتقاعسة لمواصلة خرق القانون من دون رادع، بحسب السالمي.
ويُحمّل اتحاد الشغل وزارة الشؤون الاجتماعية مسؤولية ضعف آليات التفقد والمراقبة، وعدم تفعيل القوانين لحماية العمّال من مخاطر العمل. كما يتّهم القطاع الخاص بتغليب منطق الربح على حساب السلامة الجسدية والنفسية للعمّال، فضلاً عن رفضه الاستثمار في شروط الوقاية والحماية. ويكشف السالمي أنّ نزيف حوادث العمل يتسبّب سنوياً في دمار أُسري، وفي مآسٍ اجتماعية، وكذلك في استنزاف موارد الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي يتولّى صرف جرايات (رواتب شهرية) العجز والوفاة المبكرة، بينما يتحمّل الصندوق الوطني للتأمين على المرض، الكلفة العلاجية الباهظة للأضرار التي تترتب عن الحوادث. ويضيف السالمي: "تُستنزف موارد الصناديق الاجتماعية في تعويضات الحوادث وكلفة العلاج، بينما كان بالإمكان تفادي هذه الحوادث، وتوظيف الموارد المالية في تحسين جودة الحياة، لا في معالجة نتائج الإهمال".
وتكشف الإحصاءات الرسمية أن تونس تسجّل 26 ألف حادث عمل سنوياً في خلال الأعوام الأخيرة، وأن 95% من هذه الحوادث تقع داخل أماكن العمل، فيما تمثل حوادث التنقل المهني نحو 5% فقط. ويرى السالمي أنّ هذه الأرقام تشير إلى خلل هيكلي في منظومة السلامة المهنية. ويُعدّ قطاع البناء من أكثر القطاعات تسجيلاً لحوادث العمل، بسبب استخدام معدات ثقيلة والاضطرار للعمل من ارتفاعاتٍ شاهقة، كما تبرز قطاعات الصناعة والنسيج والفلاحة ضمن قائمة الأنشطة الأكثر خطورة. ويطالب اتحاد الشغل التونسي باتخاذ عقوبات رادعة ضد كل مؤسسة لا تحترم شروط السلامة المهنية، وكذلك بنشر التقارير السنوية لحوادث العمل، ووضع خطة وطنية للوقاية والحدّ من حوادث العمل.
وينصّ قانون العمل في تونس على ضرورة توفير بيئة عمل آمنة، كما ينظّم القانون مسألة التعويض عن حوادث الشغل والأمراض المهنية، وتقع على عاتق صاحب العمل مسؤولية اتخاذ التدابير اللازمة والمناسبة لحماية العمّال ووقايتهم من المخاطر المهنية. كما يجب على صاحب العمل ضمان حماية صحة العمّال في مكان العمل، وتوفير بيئة عمل مناسبة. لكنّ محمد، وهو العامل الذي يلازم كرسيّه المتحرك، يرى أن تطبيق هذه القوانين يبقى محدوداً، وأنّ المشكلة ليست في النصوص، إنّما في ضعف الرقابة ونقص الإمكانات البشرية لتفقّد سير العمل.
ويشير إلى أنّ قسماً كبيراً يعمل في القطاع غير المنظم، حيث تغيب الحماية القانونية تماماً، ما يجعلهم أكثر عرضة للاستغلال والمخاطر. ويؤكد محمد أنّ "تداعيات حوادث العمل لا تقتصر على الأفراد المتضرّرين فحسب، بل تثقل كاهل الاقتصاد من خلال خسارة اليد العاملة وتكاليف العلاج والتعويضات وأيام العمل الضائعة". ويعتبر أنّ "السلامة المهنية في تونس ما تزال معركة مفتوحة بين القوانين والواقع، وبين حق العامل في الحياة وضغوط العمل والإنتاج".

Related News
أمريكا - إيران: تصعيد في المضيق وحرب في الأفق؟
france24
3 minutes ago
«تراخيص الأندية» ترفض استئناف الرائد
aawsat
10 minutes ago