Arab
أثار قرار الحكومة المصرية تطبيق سعر موحد لأسعار الكهرباء على الاستهلاك داخل منظومة العدادات الكودية لعدد من المستخدمين موجة غضب واسعة بين المواطنين، خاصة محدودي الدخل. وفيما رفضته أحزاب المعارضة، تقدم عدد من النواب بطلبات إحاطة وأسئلة برلمانية عاجلة حول انعكاسات هذه الزيادة على المشتركين. وبموجب القرار، الذي بدأت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة تطبيقه بداية من شهر إبريل/نيسان الجاري على نحو 3.6 ملايين عداد كودي، سيتم إلغاء العمل بنظام الشرائح واحتساب كامل الاستهلاك بسعر موحد يبلغ 2.74 جنيه (خمسة سنتات تقريبا) لكل كيلووات/ساعة، بدلًا من 2.14 جنيه، بزيادة تصل إلى نحو 28%، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع الفاتورة بالنسبة لعدد من المستخدمين.
القرار الجديد في جوهره ليس مفاجئًا من حيث المبدأ، إذ يرتبط بتداعيات الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، التي تسببت باضطراب إمدادات النفط وطرق الشحن، لكنه في توقيته وتفاصيله أعاد طرح أسئلة قديمة حول العدالة في تسعير الخدمات الأساسية وانعكاس هذه الزيادات علي الحياة المعيشية للمواطنين وداخل الأسواق، لا سيما أن التسعيرة الموحدة الجديدة للعدادات الكودية دخلت حيز التنفيذ بعد شهر تقريبا من تطبيق زيادات في أسعار الكهرباء للشرائح الأعلى استهلاكًا والقطاع التجاري، وكذلك زيادة أسعار الوقود والغاز بنسب تراوحت بين 14 و30%، على خلفية ارتفاع فاتورة استيراد الوقود والتصعيد العسكري في المنطقة.
وتزامن ذلك مع إجراءات حكومية لترشيد استهلاك الطاقة، شملت تطبيق العمل عن بعد يوم الأحد للقطاعين الحكومي والخاص لمدة شهر، وإبطاء تنفيذ المشروعات كثيفة استهلاك الوقود، وخفض مخصصات الوقود للمركبات الحكومية بنسبة 30%، إلى جانب تعديل مواعيد غلق المنشآت التجارية. في أطراف المدن المصرية، حيث تتمدد الكتل السكنية خارج خرائط التخطيط الرسمي، لا يحتاج المرء إلى جهد كبير لالتقاط ملامح القلق. أمام منافذ شحن كروت الكهرباء، يقف الكثير من اصحاب العدادات الكودية لوقت أطول مما يلزم، ليس فقط لإتمام عملية الشحن، بل لمراجعة حسابات صامتة لا تظهر على شاشة العداد.
مخاوف مستخدمي العدادات الكودية
لا يدور الحديث عن سياسات الطاقة بقدر ما يدور حول سؤال بسيط ومباشر: ماذا سيحدث حين يبدأ تطبيق الأسعار الجديدة؟ وفي جولة ميدانية بإحدى ضواحي الإسكندرية، بدا واضحًا أن الأثر الفعلي للقرار لم يظهر بعد في فواتير الناس، لكنه حاضر بقوة في توقعاتهم. "عم محمد"، وهو صاحب ورشة نجارة صغيرة، كان يقف أمام ماكينة قديمة توقفت للحظات، بينما يشرح لـ"العربي الجديد" بهدوء حذر أنه لا يعرف بعد كم سيدفع تحديدًا، لكنه يدرك أن طريقة الحساب تغيّرت، ويقول إن الفرق ليس في رقم محدد بقدر ما هو في فقدان القدرة على التوقع، وهو ما كان يتيحه نظام الشرائح، حيث كان بالإمكان تقدير الاستهلاك وحدود الكلفة بشكل تقريبي.
هذه المعاناة أصبحت شائعة بين مستخدمي العدادات الكودية، كما يقول سعد إبراهيم، فـ"كل الأسعار في زيادة والمعاش الذي أتقاضاه بعد عشرات السنين في الخدمة ثابت ولا يكفي أسرتي لآخر الشهر". كان مجلس الوزراء المصري قد وافق عام 2024 على قيام شركات توزيع الكهرباء بتركيب عداد كودي لأي منشأة أو مبنى يحصل على التيار الكهربائي بطريقة غير قانونية، أو التي لا يمكنها استصدار التراخيص والموافقات اللازمة لتوصيل المرافق.
في منطقة أخرى، تجلس "أم حسن" في شرفة منزلها، تراقب أطفالها وتتابع الحديث ذاته من زاوية مختلفة. لم تتلقَّ بعد فاتورة تعكس الأسعار الجديدة، لكنها بدأت بالفعل في إعادة التفكير في استخدام الأجهزة المنزلية بعد الزيادة الكبيرة التي فرضتها الحكومة على الأسعار دون سابق إنذار. تشير السيدة الأربعينية إلى أن المسألة لا تتعلق فقط بصدمة الارتفاع الكبير في فاتورة الكهرباء، بل بكيفية إدارة الضروريات اليومية وعدم القدرة على ملاحقة أسعار السلع التي ترتفع بشكل مضطرد وكأنه استنزاف مستمر دون حلول واضحة.
قرارات تثقل كاهل المواطنين
وفى هذا السياق، انتقدت الجبهة الشعبية للعدالة الاجتماعية ما وصفته بـ"القرارات الحكومية العبثية المتتالية" التي قالت إنها تثقل كاهل المواطنين وتهدد السلم الاجتماعي، مطالبة بزيادة الأجور والمعاشات وربطها بمعدلات الأسعار. ودعت الجبهة التي تتشكل من أحزاب معارضة في بيان لها إلى إلغاء قرار رفع أسعار الكهرباء لنظام العداد الكودي، ووقف ما وصفته بمحاسبة الفقراء على شرائح مرتفعة، إضافة إلى إلغاء قرار الإغلاق المبكر للمحال. وحمّلت الجبهة في بيان، السبت الماضي، الحكومة المسؤولية عما وصفته بتدهور الأوضاع المعيشية، منتقدة انخفاض نسب الإنفاق على الصحة والتعليم مقارنة بالنسب الدستورية، ومشيرة إلى تداعيات اجتماعية خطيرة، من بينها ارتفاع معدلات الحوادث المرتبطة بظروف العمل.
أشار البيان إلى تراجع قيمة الجنيه المصري وارتفاع معدلات التضخم إلى نحو 13.5% في مارس/ آذار، ما انعكس على أسعار السلع الأساسية ومستوى المعيشة، محذرًا من أن استمرار تحميل الفئات الأكثر فقرًا أعباء السياسات الاقتصادية قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الاجتماعية وزيادة الغضب الشعبي. وطالبت الجبهة بوقف زيادات الأسعار، ورفع الحد الأدنى للأجور إلى عشرة آلاف جنيه مع تطبيقه على جميع العاملين، وزيادة المعاشات بما يضمن حياة كريمة، إلى جانب ربط الأجور والمعاشات بمعدلات التضخم، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، وتسريع تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل.
وينبّه محمد علي، المحامي والخبير القانوني، إلى أن الظروف الاقتصادية الصعبة وتسجيل زيادات كبيرة في كلفة الشحن الشهري ليست المشكلة الوحيدة في الزيادات الجديدة التي تثقل كاهل المتعاقدين، ويرى أن طريقة محاسبة مستخدمي العدادات الكودية بسعر موحد أعلى من نظرائهم مستخدمي العدادات التقليدية تطرح شبهة عدم الدستورية، موضحًا أن الدستور المصري ينص على مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات دون تمييز غير مبرر.
ويضيف فى حديثه لـ"العربي الجديد" أن الاختلاف في تسعير خدمة أساسية كالكهرباء، بناءً على الوضع القانوني للعقار وليس على حجم الاستهلاك أو القدرة الفعلية على الدفع، قد تُفسر باعتبارها تمييزا اقتصاديا يمس جوهر هذا المبدأ، خاصة إذا لم تقترن بسياسات انتقالية عادلة تتيح للمواطنين فرصة حقيقية لتقنين أوضاعهم دون أعباء تفوق طاقتهم.
انتقادات نيابية
من ناحية أخرى، تقدم إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، بطلب إحاطة للحكومة للمطالبة بوقف تنفيذ قرار إلغاء نظام الشرائح بالعدادات الكودية ومناقشته داخل البرلمان، وأشار إلى أن قرار إلغاء نظام الشرائح وتطبيق سعر موحد لا يحقق العدالة بين المواطنين والفروق بين محدودي الدخل وبقية الشرائح لضمان توزيع عادل للأعباء المالية، مؤكدا أن الدستور المصري في مادته الثامنة يلزم الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية وضمان حياة كريمة للمواطنين، معتبراً أن السياسات الحالية تحتاج إلى مراجعة لضمان توافقها مع هذا الالتزام.
كما تقدم النائب محمود سامي الإمام، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بسؤال برلماني موجّه إلى وزير الكهرباء والطاقة المتجددة بشأن ما وصفه بـ"التغيير المفاجئ" في نظام محاسبة العدادات الكودية. وقال النائب في سؤاله إنه لوحظ أخيرًا قيام الوزارة بتحويل محاسبة العدادات الكودية التي تم تركيبها خلال الفترة من 2011 حتى 2024، إلى نظام الشريحة الموحدة بأعلى سعر استهلاك، بعد أن كانت تخضع لنظام الشرائح المتدرجة، وأكد أن القرار أثار حالة من الاستياء بين المواطنين، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، ما يتطلب تدخلًا عاجلًا لإعادة الأمور إلى نصابها القانوني.
واعتبر أن هذا التغيير يثير تساؤلات حول الأساس القانوني للقرار، ومدى توافقه مع مبادئ العدالة الاجتماعية، خاصة في ظل تطبيقه على فئات سبق التعاقد معها وفق نظام مختلف. ويتفق معه بسام الصواف، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، مطالبا بوضع آلية واضحة وشفافة لتنفيذ قرارات إنهاء نظام الممارسة، بما يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية وعدم إجبار المواطنين عمليًا على البقاء في هذا النظام مع اعادة النظر في الأسعار التي يتم تطبيقها حاليا في هذا النظام بما يشكل عبئا كبيرا علي المواطن، خاصة في الاماكن الريفية.
وأضاف الصواف أن الهدف الأساسي من نظام العدادات الكودية هو تسهيل حصول المواطنين على الخدمة الكهربائية بصورة قانونية ومنظمة، خاصة في المناطق التي تحتاج إلى تقنين أوضاع الكهرباء بالمنازل، إلا أن ارتفاع أسعار العدادات الكودية قد يدفع بعض المواطنين إلى التراجع عن تقديم طلبات التركيب بسبب عدم قدرتهم على تحمل الكلفة، وأشار إلى أن الكثير من الأسر من محدودي ومتوسطي الدخل تسعى إلى تقنين الكهرباء في المنازل وفق الإجراءات الرسمية، لكن ارتفاع كلفة تركيب العداد الكودي يمثل عائقًا أمام هذه الخطوة.
تبريرات حكومية
في المقابل، كشف منصور عبد الغني، المتحدث باسم وزارة الكهرباء، أن العداد الكودي يتم تركيبه للوحدات المخالفة التي تحصل على التيار الكهربائي بصورة غير قانونية أو التي لا يمكنها استصدار التراخيص والموافقات اللازمة لتوصيل المرافق، بهدف قياس الاستهلاك الفعلي وضمان حصول المواطن على حقه، وأشار في تصريحات صحافية إلى أن تحريك السعر إلى 2.74 جنيه حاليًا يعكس التغير في كلفة إنتاج الطاقة ضمن خطة الدولة لإعادة هيكلة أسعار الكهرباء، وتقليل الفاقد التجاري الناتج عن سرقات التيار الكهربائي، فضلًا عن تحسين كفاءة التحصيل وضبط منظومة الاستهلاك.
وأوضح أن قانون التصالح رقم 187 لسنة 2023 نص على محاسبة العقارات المخالفة التي سبق إمدادها بالمرافق بسعر الكلفة دون تطبيق أي أوجه للدعم، وهو ما استند إليه جهاز تنظيم مرفق الكهرباء في تحديد قيمة استهلاك التيار الكهربائي للعدادات الكودية اعتبارًا من شهر إبريل 2026 فقط، دون أي محاسبة بأثر رجعي عن الفترات السابقة، وأكد أن العداد الكودي يسهم في الحد من سرقات الكهرباء ويظل استخدامه مؤقتًا لحين قيام المواطن بتقنين أوضاعه مع الجهات المحلية دون أن يمنح أي وضع قانوني لتلك المباني.
(الدولار = 52 جنيها مصريا تقريبا)
