وجوه مزيفة... كيف يغزو الذكاء الاصطناعي انتخابات أميركا 2026؟
Arab
1 hour ago
share
في الأشهر التي تسبق الانتخابات النصفية الأميركية لعام 2026، شهد الفضاء الرقمي تحولاً جذرياً في آليات التأثير السياسي؛ إذ لم يعد المتلقي يواجه مجرد نصوص دعائية، بل اصطدم بمئات الشخصيات الافتراضية المولدة كاملةً عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي وأدواته. هذه الشخصيات، التي انتشرت بكثافة على منصات "تيك توك" و"إنستغرام" و"فيسبوك" و"يوتيوب"، تظهر كأنها أشخاص عاديون وجذابون يتحدثون بنبرة مغرية أمام الكاميرا حول قضايا شائكة مثل الحرب في إيران، والإجهاض، والتوجهات السياسية للمحافظين. تهدف هذه الشبكة الواسعة إلى اصطياد الناخبين من خلال خلق انطباع زائف بوجود إجماع شعبي حول الرئيس دونالد ترامب وأجندة "أميركا أولاً" والهجوم على ما يوصف بـ"اليسار الراديكالي". بدأت صحيفة نيويورك تايمز بتتبع هذه الحسابات منذ يناير/كانون الثاني 2026، إذ رصدت في البداية ما لا يقل عن 304 حسابات على منصة تيك توك وحدها. توازياً مع هذا التتبع، حدد باحثون في مختبر الحوكمة والذكاء الاصطناعي المسؤول في جامعة بوردو، والمعروف اختصاراً بـ"غرايل" (GRAIL)، مجموعة أخرى من الحسابات عبر منصات شركة ميتا، بينما رصد محللون من شركة أليثيا (Alethea) المتخصصة في تخفيف التهديدات الرقمية حسابات إضافية على "يوتيوب". لم يكن هذا النشاط هامشياً؛ إذ تمكنت بعض هذه الحسابات من جمع أكثر من 35 ألف متابع، في حين حصدت بعض الفيديوهات أكثر من نصف مليون مشاهدة، من دون أن يُكشف للجمهور عن أن هذه الشخصيات ليست سوى نتاج خوارزميات الذكاء الاصطناعي. تعتمد هذه الاستراتيجية على ما يصفه الخبراء بـ"وضع الرش" (Spray Mode) بدلاً من الاستهداف الدقيق؛ إذ يُغرق الفضاء الرقمي بكميات هائلة من المحتوى لخلق وهم بالأغلبية الساحقة. ويرى العضو في منظمة سيف إيه آي (CivAI)، أندرو يون، أن الهدف هو إعطاء شعور زائف بأن هذه الآراء تمثل الإرادة الشعبية العامة. وما يجعل هذه الظاهرة مثيرة للقلق هو سيولة الهوية التي تتيحها التقنية؛ فقد رصدت التقارير حساباً بدأ بشخصية امرأة سمراء العينين في سيارة، ليتطور لاحقاً ويغير ملامحه ست مرات، محولاً لون الشعر إلى الأشقر والعينين إلى الأزرق، في محاولة واضحة لاختبار مدى استجابة الجمهور واستهداف فئات ديموغرافية محددة. تتسم هذه الشخصيات الافتراضية بأنها تظهر في سياقات مدروسة بعناية؛ فغالباً ما يظهرون في أجواء ريفية، أو بملابس عسكرية، أو أفراداً في وكالات الهجرة، لاستغلال النزاعات الحالية وتعزيز الرسائل السياسية. ومن الأمثلة الصارخة التي وثقها التقرير، مقاطع فيديو لثلاث نساء بملامح مختلفة (شقراء، سمراء، صهباء) في مواقع مختلفة، لكنهن يرددن الجملة نفسها حرفياً: "إذا كنت تدعم ترامب، فقد كسبت صديقة للتو"، مع تعليق نصي موحد يعاني من ركاكة لغوية. هذه الركاكة اللغوية والأخطاء النحوية، مثل وصف ترامب بـ "الرئيس المفصل" (Presidont) أو استخدام لكنات أجنبية ثقيلة تتحول فجأة إلى لكنة أميركية متقنة، تعد من أبرز العلامات الدالة على أصل هذه المحتويات. من الناحية الاقتصادية، أصبح إنشاء هذه "المصانع الافتراضية" أرخص وأسهل من أي وقت مضى؛ إذ تبلغ تكلفة إنتاج المنشور الواحد ما بين دولار إلى ثلاثة دولارات. وتفاخر شركات مثل "دبل سبيد" (Doublespeed) المدعومة من استثمارات كبرى، بأن شخصاً واحداً يمكنه الآن إدارة ما كان يتطلب فريقاً من 30 صانع محتوى وميزانية قدرها 40 ألف دولار، وبنسبة 10% فقط من التكلفة الأصلية. ورغم أن بعض هذه الشركات تدعي التزامها بـ "بوصلة أخلاقية" تمنعها من التعاقد مع حملات سياسية، إلا أنها تقر بوجود طلب هائل وعقود مغرية تنهال عليها من مختلف الأطراف السياسية. في المقابل، تبدو ردات فعل المنصات الرقمية متباينة؛ فبينما أكدت "تيك توك" أنها لم تجد دليلاً على "عمليات نفوذ سرية" واصفة الحسابات بأنها مجرد محاولات لجمع التفاعل (Spammers)، بدأت بالفعل في إزالتها. أما شركة ميتا، فقد شددت على ضرورة إفصاح المستخدمين عن المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي تحت طائلة العقوبات، معترفة في الوقت نفسه بصعوبة كشف هذا المحتوى مع تطور التقنية. من جهته، نفى الحزب الجمهوري عبر مدير اتصالاته، زاك باركينسون، أي تورط للجنة الوطنية الجمهورية في هذه الحسابات، مؤكداً أن "الأصالة" لا تزال هي العنصر الحاسم في الرسائل السياسية الناجحة، وأن التكنولوجيا ليست "رصاصة سحرية". خطورة هذه الظاهرة تكمن في قدرتها على تغيير قناعات الناخبين تدريجياً من خلال الدمج بين المحتوى الافتراضي والمحتوى البشري الحقيقي في "تغذية" إخبارية سريعة الوتيرة. ومع رصد تزايد في التعليقات التي تظهر أن العديد من المستخدمين يصدقون بالفعل أن هذه الشخصيات حقيقية، يبرز التحدي الأكبر أمام الديمقراطية الرقمية: كيف يمكن حماية الوعي العام في عالم بات فيه "الوجه" مجرد كود، و"الإجماع" مجرد خوارزمية مدفوعة الأجر؟ إن هذا التغلغل للذكاء الاصطناعي في السياسة لا يهدف إلى نشر رسائل معينة وحسب، بل إلى بناء "سراب" لحركة سياسية كاملة، ما يجعل من الصعب على المواطن العادي التمييز بين الحقيقة والتزييف الممنهج.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows