فوز ماغيار بانتخابات المجر: بين تفكيك إرث أوربان وإعادة هندسة الدولة
Arab
1 day ago
share
بعد فوزه في انتخابات المجر، لم يقدم بيتر ماغيار خطاباً تقليدياً عن "تغيير الحكومة"، بل بدا وكأنه يعلن بداية مرحلة سياسية جديدة لإعادة تعريف شكل الدولة المجرية نفسها. فبحسب خطابه الأول بعد هزمه للقومي المحافظ فيكتور أوربان، كان واضحاً أن الذي انتهى ليس مجرد حكم حزب سياسي، بل نموذج كامل تشكل على مدى 16 عاماً في عهد حزب أوربان "فيدس"، أعاد صياغة العلاقة بين السلطة والمؤسسات والإعلام والاتحاد الأوروبي. وتحدث ماغيار عن "استعادة الدولة من الداخل"، في إشارة مباشرة إلى شبكات النفوذ التي ترسخت داخل الإدارة العامة والقضاء والإعلام خلال السنوات الماضية. وهو لا يطرح نفسه ثائراً على النظام، بقدر ما يقدم نفسه إصلاحياً يسعى إلى إعادة التوازن داخل مؤسسات الدولة، بحيث لا تبقى السلطة متمركزة في يد واحدة كما كان الحال خلال حكم أوربان. غير أن أكثر ملفات هذه المرحلة حساسية على مستوى الداخل يبقى ملف الحريات، خصوصاً الإعلام، الذي تحوّل في المجر خلال العقد الأخير إلى أحد أبرز ميادين الصراع السياسي، إلى جانب مسألة استعادة فصل السلطات. وعود بكسر "الهيمنة السياسية" وفي أولى ملامح برنامجه بعد الانتخابات، أعلن بيتر ماغيار حزمة إجراءات واسعة لإعادة تشكيل المشهد الإعلامي في المجر، تبدأ بتعليق مؤقت لبعض البث في وسائل الإعلام الحكومية لإعادة تنظيمها، مرورًا بإقرار قانون جديد للإعلام، وصولًا إلى إنشاء هيئة تنظيمية مستقلة تعنى بالقطاع. ويهدف هذا المسار، وفق خطابه، إلى تفكيك البنية التي يصفها بـ"الاحتكار السياسي" للمعلومة، وإعادة بناء منظومة إعلامية أكثر توازنًا وتعددية. كما تعهّد بإعادة هيكلة مؤسسات البث العامة لضمان استقلالها التحريري، وتوسيع هامش التعددية الإعلامية، ومراجعة التشريعات التي يرى منتقدون أنها قيدت الصحافة الاستقصائية خلال سنوات حكم أوربان. وقال في تصريح لإذاعة "كوسوث" الرسمية: "كل المجريين يستحقون إعلامًا عامًّا يعرض الحقيقة"، في إشارة مباشرة إلى معركته مع ما يعتبره هيمنة الرواية الحكومية على المجال العام. وتكتسب هذه الوعود ثقلًا سياسيًّا إضافيًّا في ظل امتلاك حزب "تيسا" أغلبية دستورية تفوق الثلثين، ما يمنحه القدرة على تعديل الدستور وإعادة صياغة قواعد الحوكمة الإعلامية والسياسية في البلاد. لكن هذا الملف لا ينفصل عن إرث ثقيل من المركزية الإعلامية. فخلال عهد أوربان، واجهت المجر انتقادات متكررة من منظمات دولية، بينها "مراسلون بلا حدود"، التي قدرت أن نحو 80 % من وسائل الإعلام باتت، بشكل مباشر أو غير مباشر، ضمن دائرة تأثير شبكات مرتبطة بالسلطة أو برجال أعمال مقربين منها، مع توجيه الإعلانات الحكومية نحو وسائل إعلام موالية، ما عزز اختلال التوازن في السوق الإعلامي. ويرى مراقبون أن أي محاولة لإعادة هيكلة هذا القطاع لن تكون مجرد إصلاح إداري، بل إعادة توزيع عميقة لمراكز النفوذ السياسي والاقتصادي التي ترسخت على مدى أكثر من عقد، ما يجعل المسار الإصلاحي محفوفًا بتوترات سياسية ومؤسساتية. ورغم أن ماغيار يقدَّم بوصفه خصماً مباشراً لأوربان، ينتمي إلى خلفية محافظة، وكان عضوًا سابقًا في حزب "فيدس" قبل أن ينشق عنه عام 2024 ويؤسس مشروعه السياسي تحت اسم "تيسا"، الذي يرفع شعارات مكافحة الفساد وتحسين الخدمات العامة، خصوصًا في الصحة والرفاه الاجتماعي، مع توجه أكثر براغماتية تجاه الاتحاد الأوروبي وسياسة هجرة أكثر صرامة. محليًّا أيضًا، يتجاوز مشروعه مسألة تغيير الحكومة إلى محاولة إعادة تشكيل بنية الدولة نفسها، عبر تعزيز استقلال القضاء، وإعادة ضبط العلاقة بين السلطة التنفيذية والإدارة العامة، وفتح ملفات الفساد المرتبطة بسنوات الحكم السابقة. غير أن هذا الطموح يصطدم بشبكات مصالح راسخة داخل مؤسسات الدولة والاقتصاد، ما يجعل أي تغيير سريع معقدًا ومليئًا بالمخاطر السياسية. وبينما لا يزال برنامج "تيسا" في طور التشكل، في ظل حداثة التجربة السياسية وغياب سجل حكومي فعلي، تبقى سياساته، خاصة في ملف الإعلام، محل متابعة دقيقة واختبار داخلي وخارجي، في مرحلة ينظر إليها على أنها اختبار حقيقي لحدود الإصلاح داخل نظام سياسي أُعيد تشكيله على مدى سنوات طويلة. من المواجهة مع بروكسل إلى إعادة الاندماج الأوروبي ويطرح ماغيار تحولًا في موقع المجر داخل الاتحاد الأوروبي بعد سنوات من التوتر مع بروكسل في عهد أوربان، عبر التخلي عن سياسة المواجهة وحق النقض لصالح العودة إلى آليات العمل المشترك، بما يشمل استعادة التمويل الأوروبي والإفراج عن نحو 90 مليار يورو مجمدة، والانخراط في أدوات مكافحة الفساد وتخفيف الخطاب التصادمي. ويعكس هذا التحول محاولة لإعادة تعريف هوية المجر من دولة معترضة داخل الاتحاد إلى دولة مندمجة في قراراته. أوكرانيا وروسيا ونتنياهو وفي السياسة الخارجية، يتجه ماغيار إلى مقاربة أقل حدّة تجاه روسيا، تقوم على إعادة ضبط العلاقات الاقتصادية وملف الطاقة من دون قطيعة مباشرة، وهو أيضًا الموقف الذي عبّر عنه الكرملين أول من أمس الاثنين. أما في ملف أوكرانيا، فيتبنى موقفًا وسطًا يجمع بين دعم سيادتها والاستمرار في دعمها الأوروبي، مقابل تحفظ على تسريع انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، بحجة استمرار الحرب وما قد يفرضه ذلك من أعباء مؤسساتية على الاتحاد. أما العلاقة مع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، فتبدو مرشحة لأن تكون أقل حميمية من إرث العلاقة بينه وبين أوربان، وأكثر براغماتية ومؤسساتية. فبينما قام تقارب أوربان مع نتنياهو على تحالفات سياسية أيديولوجية، يميل ماغيار إلى إعادة تموضع المجر داخل الإطار الأوروبي، ما يدفعه إلى علاقات أكثر تحفظًا وأقل رمزية، ضمن سياق دبلوماسي تقليدي. في المحصلة، لا يقدّم ماغيار مجرد تغيير في أسلوب الحكم، بل محاولة لإعادة ضبط موقع المجر داخل أوروبا والعالم، عبر الانتقال من سياسة المواجهة إلى منطق الاندماج، ومن التحالفات الأيديولوجية إلى البراغماتية المؤسساتية. لكن هذا التحول يظل اختبارًا مفتوحًا؛ فنجاحه لا يرتبط فقط بقدرته على تفكيك إرث أوربان، بل أيضًا بقدرته على تجنب إنتاج مركزية جديدة بأدوات مختلفة. وبين إعادة بناء العلاقة مع بروكسل وإعادة تعريف سياسة بودابست الخارجية، يبقى السؤال الأساسي معلقًا: هل تستطيع المجر أن تعيد تموضعها من دون أن تفقد توازنها الداخلي؟

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows