Arab
سجلت محافظة كركوك العراقية تحولاً سياسياً لافتاً، مع انتخاب رئيس الجبهة التركمانية محمد سمعان محافظاً جديداً، في خطوة تعكس تغيراً ملموساً في خريطة النفوذ داخل واحدة من أكثر المدن العراقية حساسية وتعقيداً من حيث التوازنات القومية والسياسية. وصوّت مجلس محافظة كركوك، مساء الخميس، لصالح سمعان، وهو رئيس الجبهة التركمانية، خلال جلسة حضرها 14 عضواً، في حين قاطعها أعضاء الحزب الديمقراطي الكردستاني.
وجاءت عملية الانتخاب في إطار اتفاق سياسي قائم على مبدأ "تدوير المنصب" بين مكونات المحافظة، وهو الاتفاق الذي تبلور في اجتماعات سابقة عُقدت في بغداد، وأثار جدلاً واسعاً حول شرعيته وتمثيله لإرادة الناخبين. ويُعدّ هذا التطور سابقة سياسية، إذ يمثل سمعان أول محافظ من المكون التركماني منذ الغزو الأميركي للبلاد عام 2003، في خطوة وصفها سمعان بأنها "استحقاق تاريخي" لمكونه. وقال في مؤتمر صحافي بعد انتخابه، إنه سيكون "خادماً لجميع أبناء كركوك دون تمييز"، متعهداً بـ"معالجة ملفات خدمية ملحة، من بينها أزمة الوقود، وتحسين تجهيز الكهرباء، وضمان حقوق الفلاحين، فضلاً عن السعي لتأمين حصة المحافظة من عائدات البترودولار".
صفقة أوسع خلف الكواليس
ولا ينفصل هذا التحول المحلي عن سياق سياسي أوسع على المستوى الاتحادي، إذ تشير معطيات إلى تفاهمات غير معلنة جرت مع الاتحاد الوطني الكردستاني، تضمنت دعم مرشحه لرئاسة الجمهورية نزار آميدي مقابل تخلي الحزب عن منصب محافظ كركوك لصالح المكون التركماني، ويبدو أن هذه الترتيبات جاءت في إطار إعادة توزيع المناصب بين القوى الرئيسية، بما يضمن توازناً سياسياً في مرحلة حساسة.
هذا المسار أعاد تسليط الضوء على طبيعة "الصفقات السياسية" التي تحكم إدارة كركوك، وهي المدينة التي ظلت، منذ 2003، ساحة مفتوحة للتنافس بين العرب والكرد والتركمان، دون التوصل إلى صيغة مستقرة لتقاسم السلطة.
رفض وتصعيد من حزب البارزاني
في المقابل، صعّد الحزب الديمقراطي الكردستاني من موقفه الرافض لما جرى، معتبراً أن انتخاب المحافظ تم خارج الأطر القانونية والتوافقات الحقيقية، وأكد زعيم الحزب مسعود البارزاني، رفضه لما سماه "التلاعب بإدارة ناخبي كركوك عبر صفقات غير مشبوهة"، مشدداً على أن "المحافظة يجب أن تكون نموذجاً للتعايش، لا ساحة لتفاهمات مغلقة". ويستند هذا الرفض إلى سياق سابق من الخلافات، تعود إلى جلسة عُقدت في فندق الرشيد ببغداد في أغسطس/آب 2024، جرى خلالها انتخاب إدارة محلية دون مشاركة أطراف سياسية، ما أبقى شرعية تلك الإدارة موضع نزاع مستمر حتى اليوم.
ويرى سياسيون من كركوك، أن مبدأ تدوير المناصب يتعارض مع مبدأ الانتخابات، ويرسخ لفكرة التحاصص القومي والمذهبي، ليس في كركوك فقط، بل في كل العراق بوصفه نهجاً سياسياً بعد عام 2003. وقال عضو تحالف "النصر"، في المحافظة رائد العبيدي، لـ"العربي الجديد"، إن "نقل المنصب إلى التركمان جاء ضمن توافقات سياسية، لا أكثر"، متسائلاً عن "جدوى الانتخابات، إذا كانت الأمور تدار بصفقات وتفاهمات سياسية". لكن المختص في الشأن السياسي، سالم البياتي، أكد أن كركوك تمثل نموذجاً معقداً من التداخل القومي، وتقاطع الهويات والانتماءات، يجعل أي تغيير في مواقع السلطة فيها محكوماً بحسابات دقيقة.
وبيّن لـ"العربي الجديد"، أن "الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بمنصب المحافظ، بل بطبيعة النظام السياسي المحلي، الذي لم يتمكن حتى الآن من إنتاج صيغة مستقرة لتقاسم السلطة"، مشيراً إلى أن "غياب الثقة بين القوى الرئيسية يعمّق من صعوبات التوصل إلى حلول دائمة". وحذر من "أي اتفاق لا يحظى بقبول واسع، قد يؤدي إلى تصعيد سياسي أو حتى ميداني، خاصة مع وجود تاريخ من التوترات في المحافظة، ما يجعل من الضروري أن تكون أي تسوية شاملة، وأن تراعي توازنات المكونات كافة".
وتعود جذور الخلافات السياسية في كركوك إلى ما بعد العام 2003، حيث تحولت المحافظة إلى ساحة تنافس بين القوى العربية والكردية والتركمانية، في ظل غياب تسوية نهائية لوضعها القانوني والإداري، وقد فشلت محاولات عدة لفرض صيغ تقاسم السلطة، خاصة مع النتائج المتقاربة للمكونات الثلاث في كل انتخابات، ما أبقى على الملف مفتوحاً أمام الأزمات المتكررة.
