مقصلة الغلاء تلتهم مداخيل المصريين... هدنة بلا فائدة للأسواق
Arab
2 hours ago
share
لم يعد حديث المصريين في المقاهي أو في وسائل النقل العام يدور حول الأحداث السياسية الكبرى أو مباريات كرة القدم، بل تحوّل الرأي العام بكامله إلى ما يشبه "غرفة عمليات" لمتابعة الأرقام المتصاعدة لأسعار السلع والخدمات التي لا تتوقف عن القفز رغم دخول الهدنة بين أميركا وإسرائيل ضد إيران يومها السادس. ومع حلول شهر إبريل/نيسان 2026، وجدت الأسر المصرية نفسها أمام حزمة جديدة من القرارات تعدها الحكومة لتعمق جراح ميزانياتها المنهكة أصلاً، منها التلويح الرسمي برفع أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت. يأتي ذلك في وقت كان الشارع يمني النفس فيه بانفراجة اقتصادية عقب دخول اتفاق وقف إطلاق النار وبدء المفاوضات بين الأطراف المتنازعة حيز التنفيذ يوم الأربعاء الماضي، أملاً في هدوء جبهات القتال التي أشعلت أسعار الطاقة عالمياً. إلا أن واقع السوق المصري جاء مخيباً لتوقعات "هدنة الأسعار"، وبدلاً من جني ثمار التهدئة الإقليمية، وجد المواطنون أنفسهم أمام ما يشبه "الإعادة القسرية" لصياغة نمط حياة ملايين الأسر التي باتت تصارع للبقاء فوق خط الفقر. ويرى مراقبون أن الحكومة سارعت إلى تمرير هذه الزيادات لتدارك الفجوات التمويلية الضخمة التي خلّفتها شهور الصراع الإقليمي، وتأثيرها على حركة الملاحة في البحر الأحمر وتكاليف التأمين والشحن. هذه الضغوط المتلاحقة لم تعد مجرد أرقام في موازنة الدولة، بل تحولت إلى حصار معيشي خانق يطارد المصريين في أدق تفاصيل حياتهم اليومية، بدءاً من وسيلة المواصلات وصولاً إلى فاتورة الإنترنت التي تربطهم بالعالم. وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الحكومي، أظهرت بيانات الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين لإجمالي الجمهورية ارتفاع التضخم الشهري على مستوى مدن مصر خلال مارس/آذار بنسبة 3.3% مقارنة بشهر فبراير/شباط 2026، ليسجل أعلى مستوى له منذ مايو/أيار 2025، بعد أن أدى رفع الحكومة أسعار البنزين والسولار بقيمة ثلاثة جنيهات للتر الواحد خلال مارس إلى ارتفاع أسعار مختلف السلع، خاصة السولار الذي يدخل في تحديد التكلفة النهائية للسلع. تبدأ القصة من تداعيات قرار لجنة تسعير المواد البترولية الأخير برفع أسعار المحروقات بنسبة تراوح بين 15% و22%، وهو ما لم يكن مجرد زيادة عابرة عند محطات الوقود، بل كان بمثابة زلزال ضرب عصب الحياة اليومية، وسبَّب موجة تضخمية امتدت إلى غالبية السلع والخدمات في مختلف القطاعات مع بداية إبريل الجاري. ولم تكد أصداء زيادة الوقود تهدأ حتى جاءت صدمة الكهرباء لتزيد المشهد قتامة، فمع تطبيق الزيادات الجديدة في شرائح الاستهلاك المنزلي والتجاري، دخلت البيوت المصرية في حالة من الطوارئ غير المعلنة. لم تعد الشكاوى تقتصر على محدودي الدخل، بل امتدت لتشمل الطبقة المتوسطة التي وجدت نفسها تنتقل قسراً إلى شرائح استهلاك أعلى، ليس بسبب زيادة الاستهلاك، بل نتيجة ارتفاع الأسعار. وشهد قطاع الكهرباء زيادات ملحوظة، إذ رفعت الحكومة أسعار الكهرباء للأنشطة التجارية بنسب بلغت 91% في بعض القطاعات، فيما ارتفعت تذاكر السكك الحديدية ومترو الأنفاق بنسب وصلت إلى 25%، في محاولة لمواجهة ارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة. في المقابل، يترقب المصريون بقلق الإعلان المرتقب عن زيادة أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت، إذ تشير تصريحات مسؤولين في وزارة الاتصالات إلى أن الشركات لم تعد قادرة على الاستمرار بالأسعار الحالية في ظل ارتفاع تكاليف تشغيل المحطات التي تعتمد على الوقود، إضافة إلى زيادة تكلفة استيراد المعدات التكنولوجية. في هذا السياق، يرى كريم حاتم، وهو شاب يعمل في مجال البرمجة عن بُعد، أن الإنترنت في مصر لم يعد رفاهية يمكن الاستغناء عنها، بل أصبح "أداة إنتاج" تمامًا مثل الفأس للفلاح. ويقول كريم إن زيادة أسعار الباقات ستؤثر مباشرة على دخل مئات الآلاف من الشباب العاملين في الاقتصاد الرقمي، معتبراً أن الحكومة، عبر رفع أسعار الاتصالات، "تطلق الرصاص على أقدام" جيل يحاول الهروب من البطالة من خلال العمل الحر. لكن هذا المنطق الرقمي يصطدم بواقع مرير يعيشه المواطن البسيط. فالحاج سيد، وهو سائق ميكروباص في الخمسين من عمره، يقف بجوار سيارته في أحد المواقف بالإسكندرية، ملوحاً بيديه في إشارة إلى اليأس، قائلاً إن زيادة السولار الأخيرة لم تترك له هامشاً للربح أو حتى لإصلاح أعطال سيارته. ويضيف سيد، بلهجة غاضبة، أن رفع الأجرة على الركاب لا يعوضه عن غلاء قطع الغيار والزيت والإطارات، فضلاً عن الصدامات اليومية مع الركاب الذين هم في الأصل موظفون وعمال "مطحونون". ويرى أن الحكومة تضع المواطن في مواجهة المواطن، بينما تكتفي بدور المراقب الذي يجمع الضرائب ويرفع الأسعار، متسائلاً بمرارة عن الحد الذي يمكن أن يصل إليه هذا الارتفاع الجنوني قبل أن تنفد قدرة الناس على الاحتمال. وفي أحد الأحياء السكنية غربي الإسكندرية، تعبر إلهام زيان، وهي معلمة متقاعدة، عن صدمتها من فاتورة الكهرباء الأخيرة التي التهمت جزءاً كبيراً من معاشها. وتقول إنها بدأت تتبع سياسة "الظلام الاختياري" في منزلها، حيث تغلق الأجهزة غير الضرورية وتكتفي بالحد الأدنى من الإضاءة، ومع ذلك تجد الفاتورة في ارتفاع مستمر. وتتساءل: كيف يمكن لأسرة لديها طلاب في المدارس والجامعات أن تعيش بلا كهرباء أو إنترنت، بينما تلتهم تكلفة هذه الخدمات نصف الدخل الشهري؟ وتشير إلى أن الجانب الأكثر خطورة في زيادة الكهرباء لا يقتصر على المواطنين فقط، إذ إن رفع أسعار الكهرباء للمحال والمصانع سينعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات. في المقابل، يؤكد عدد من الخبراء أن رد فعل المستهلكين على ارتفاع الأسعار سيتمثل في تعديل عادات الإنفاق، والتركيز على الاحتياجات الأساسية، واللجوء إلى بدائل مختلفة، وقد يصل الأمر إلى المقاطعة بسبب تراجع القدرة الشرائية. ويحلل الخبير الاقتصادي، علي الإدريسي، المشهد قائلاً إن التضخم في مصر دخل مرحلة "التضخم الهيكلي"، حيث تؤدي كل زيادة في مدخلات الإنتاج، مثل الطاقة والكهرباء والنقل، إلى موجة تضخمية مركبة تؤثر على شبكات الأمان الاجتماعي والفئات الأكثر هشاشة. ويشير الإدريسي، في حديثه لـ"العربي الجديد"، إلى أن التوقيت الحالي شديد الحساسية، إذ يعاني المواطن تآكل القوة الشرائية للجنيه، وأي ضغوط إضافية قد تقود إلى ركود تضخمي، حيث ترتفع الأسعار في الوقت الذي يتراجع فيه الطلب بسبب نقص السيولة. ويؤكد أن التهدئة بين إيران والولايات المتحدة من المفترض أن تخفف تدريجياً من حدة الأزمة، إلا أنه لا يمكن تحديد موعد دقيق لتراجع الأسعار في ظل استمرار حالة عدم اليقين وزيادة الطلب على النقد الأجنبي. ويضيف أن الارتفاع الأخير في أسعار النفط والغاز، إلى جانب اضطرابات سلاسل الإمداد عالمياً، أدى إلى زيادة حادة في فاتورة استيراد الطاقة في مصر، ما انعكس سلباً على الاقتصاد.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows