لاوون في الجزائر: زيارة دينية بأبعاد سياسية وتاريخية
Arab
1 hour ago
share
يبدأ بابا الكاثوليك لاوون الرابع عشر، اليوم الاثنين، زيارة إلى الجزائر تدوم يومين، هي الأولى من نوعها منذ الاستقلال، من شأنها أن تعيد رسم العلاقة بين الجزائر والميراث الديني والتاريخي للمكوّن المسيحي، بعد فترة من الالتباس والمشكلات السياسية التي برزت نتيجة ظروف متعددة، وتسمح بتصحيح الصورة عن الجزائر بلداً يعاني من مشكلات الحريات الدينية، بينما تعمل السلطات السياسية في الجزائر على توفير كل الظروف المناسبة لأن تتم الزيارة بنجاح تام، وتحقق الغايات المرسومة. الجزائر وعنابة تستقبلان لاوون من كل الطرق التي يمكن الدخول منها إلى مدينة عنابة شرقي الجزائر، تتراءى كنيسة القديس أوغسطين، التي تعتلي تلة تجعلها في مرمى البصر لكل قادم إلى عنابة. يتعين قطع مسافة 11 كيلومتراً من وسط المدينة حتى الوصول إلى الكنيسة التي تستعد لاستقبال البابا لاوون الرابع عشر، الثلاثاء، وتعد أبرز المعالم السياحية في مدينة عنابة، وأكثرها زيارة من قبل الزوار الأجانب. من المتوقع أن يركز البابا في خطاباته الثلاثة بالجزائر، على مسألة السلم وتحقيق السلام في العالم وإسكات البنادق وبسبب زيارة البابا، عزّزت السلطات الإجراءات الأمنية في محيط الكنيسة والمدينة عموماً، وعلى كامل المسارات التي سيمر عبرها البابا، ونُشر الآلاف من رجال الشرطة، كما جُهزت الشوارع الرئيسية للمدينة على نحو يليق بهذه الزيارة التي اختار الفاتيكان لها "السلام معكم" ليكون الشعار المركزي للزيارة التي تتجاوز بعدها الديني، إلى العديد من السياقات والأبعاد السياسية، على الصعيد المحلي والإقليمي بالنسبة للجزائر، وعلى الصعيد الدولي في وقت تتسع فيه رقعة الحرب في الشرق الأوسط، والتوترات المتسارعة. ومن المتوقع أن يركز البابا في خطاباته الثلاثة التي سيلقيها في كل من العاصمة الجزائرية وعنابة شرقي الجزائر، على مسألة السلم وتحقيق السلام في العالم وإسكات البنادق. ويلتقي البابا خلال زيارته الرئيس عبد المجيد تبون، ويجتمع بالأسرة المسيحية في كنيسة السيدة الأفريقية في العاصمة الجزائرية وفي عنابة شرقي البلاد، ويزور مركزاً للراهبات وسط العاصمة. وتنظر تقديرات سياسية إلى هذه الزيارة أبعد من مضمونها الديني. يقول الباحث في الشؤون السياسية ميلود ولد الصديق، لـ"العربي الجديد"، إن "هناك ارتباطاً وثيقاً بين الديني والسياسي والاقتصادي، أعتقد أن زيارة البابا بالغة الأهمية بالنسبة لبلد مثل الجزائر، إذ تكرس أهميته وثقله في المنطقة سياسياً، وهو ما يفسر اختيار البابا للجزائر دون باقي دول المنطقة، كما يعني أن الجزائر تمثل أيضاً ثقلاً دينياً ومرجعياً بالنسبة للميراث المسيحي الذي يهم 1.3 مليار مسيحي سيركزون على الجزائر خلال الزيارة، وإعادة اكتشاف لميراث ديني محلي (الدوناتية) التي عرف بها القديس أوغسطين، وإعادة تصدير مساراته الدينية المتسامحة، لمواجهة التوظيف السياسي للمسيحية الإنجيلية من قبل المؤسسات الغربية، خصوصاً الولايات المتحدة في الوقت الحالي بفعل سياسات الرئيس دونالد ترامب". زيارة تصالحية بالنسبة للجزائر، البلد الذي تعافى من مشكلة أمنية حادة عصفت به في التسعينيات، مسّت أيضاً المكون المسيحي، فإن زيارة البابا لها أهميتها بوصفها زيارة تصالحية لإعادة بناء علاقة مميزة بين الجزائر والمؤسسة الدينية المسيحية، وهي علاقة ظلت قلقة لأسباب موضوعية، تاريخية وسياسية، ترتبط من الناحية التاريخية بدور غير إيجابي للكنيسة في دعم الاحتلال الفرنسي والسعي للتبشير وتحويل المساجد إلى كنائس، خصوصاً ما قام به الكاردينال شارل لافيجري في هذا السياق، وسياسي بحكم تحالف قام بين الكنيسة والمتشددين من التيار الأمازيغي البربري، منذ التسعينيات، حين كانت الجزائر تواجه الإرهاب والمعضلة الأمنية، حيث تم تأسيس عشرات الكنائس الصغيرة غير المرخصة، ما دفع الحكومة الجزائرية إلى إصدار قانون تنظيم الشعائر الدينية لغير المسلمين في فبراير/شباط 2005، والقيام بحملة إغلاق كل الكنائس غير المرخصة، وهو ما وضع الجزائر منذ تلك الفترة على لائحة الدول التي تتهم بالتضييق على الحريات الدينية، خصوصاً ضمن تقارير وزارة الخارجية الأميركية والاتحاد الأوروبي. وأقر رئيس أساقفة الجزائر الكاردينال فيسكو، بأن الزيارة ستعيد ترتيب العلاقة بين الجزائر وميراثها المسيحي، خصوصاً أنها تتضمن زيارة إلى جامع الجزائر، ثالث أكبر المساجد في العالم. وقال في مقال له نشر أول من أمس السبت في الموقع الرسمي للكنيسة، انه "بخطواته الأولى على أرض الجزائر، سيعيد البابا لاوون، الابن البار للقديس أوغسطينوس، ربط الجزائر بتاريخها الطويل، وفي هذا العمق التاريخي، نجد التاريخ المسيحي لشمال أفريقيا كان مركزاً حيوياً للمسيحية"، مشيراً إلى أن علاقة الكنيسة في الجزائر "شهدت تحولاً عميقاً خلال العقود الثلاثة الماضية منذ استشهاد الطوباويين الـ19، ومن بينهم رهبان دير تبحيرين السبعة الذين اغتيلوا عام 1996 في ذروة العشرية السوداء، حين حصد الإرهاب أرواح عشرات الآلاف من الجزائريين". دعت 3 منظمات حقوقية البابا إلى إثارة قضايا الحريات الدينية وحقوق الإنسان مع المسؤولين الجزائريين من خارج الجزائر، تنظر بعض الأطراف إلى الزيارة بحذر. الصحافة الفرنسية نشرت مقالات تطالب البابا بإثارة نقاش حول التضييق على الكنيسة والحريات في الجزائر. كما أن ثلاث منظمات دولية تعمل في مجال الحريات وحقوق الإنسان، هيومن رايتس ووتش، ومينا رايتش غروب، ويورميد رايتس، استبقت زيارة البابا بتوجيه رسالة مشتركة إليه الثلاثاء الماضي، لدعوته لإثارة قضايا الحريات الدينية وحقوق الإنسان مع المسؤولين الجزائريين، ودعوة الحكومة الجزائرية لـ"إنهاء التمييز ضد الأقليات الدينية واحترام حقها في حرية الدين أو المعتقد، ورفع قيود قانونية وإدارية تمييزية تقيّد ممارسة الأقليات الدينية لشعائرها". لكن الباحث المتخصص في الكنيسة وتاريخها في الجزائر، كريم كرار، يؤكد لـ"العربي الجديد"، أن "الانتقادات التي توجه إلى الجزائر في هذا الجانب، غير موضوعية، لأن نفس القيود تفرضها الحكومة الجزائرية على الأنشطة المسجدية، فهناك محاولة حكومية لتنظيم مجموع النشاط الديني، وكان هناك استغلال ظرفي من قبل مجموعات محسوبة على المسيحية، لم تكن غاياتها دينية بالضرورة"، مضيفا أن "من شأن زيارة البابا أن تحيد الجزائر من لائحة الدول التي تتعرض للانتقادات في الشأن الديني، وخطوة كهذه تؤكد أن هناك قدراً مهماً من التسامح الديني في الجزائر".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows