في ضرورة تنفيذ توصيات لجان التحقيق بأحداث الساحل والسويداء
Arab
1 hour ago
share
أصدرت لجنة التحقيق الأممية المستقلة المعنيّة بسورية في 27 مارس/ آذار الماضي (2026)، تقريرها حول أعمال العنف التي اجتاحت محافظة السويداء في يونيو/ تموز من العام الفائت (2025)، وأسفرت عن مقتل أكثر من 1700 شخص، وتهجير نحو مائتي ألف شخص. واعتبرت بشكل واضح أن ما جرى نزاع داخليّ معقد متعدد الأطراف، تخللته انتهاكات جسيمة من جميع القوى المشاركة، من القوى الحكومية، والبدو، والقبائل، والدروز، وإسرائيل. وفي 17 مارس/ آذار الفائت، نشرت لجنة التحقيق الوطنية تقريرها عن أحداث السويداء. وفي السياق، سبق أن أصدرت لجنة تحقيق وطنية وأخرى أممية تقريرهما عن أحداث العنف التي ضربت الساحل السوري بين 06 و10 مارس/ آذار 2025. تعكس هذه التقارير تضافر مسار التحقيق الأممي مع مسار التحقيق الوطني، وحجم المساعي التي بُذلت من أجل تقصي الحقائق، عبر تأمين الوصول إلى جميع الأماكن المتضرّرة التي شهدت الأحداث، والاستماع إلى شهادات الناجين، وجمع الأدلة المتعلقة بالانتهاكات والجرائم، وتقديم تقييم حقوقي محايد للوقائع، بغية تحديد المسؤوليات، والعمل بالتوصيات. يشير صدور تقارير لجان التحقيق إلى تسجيل سابقة أولى في تاريخ الدولة السورية، خصوصاً أن تشكيل لجان تحقيق وطنية يعدّ أول تجربة وطنية يكتسي تقرير اللجنة الأممية بخصوص أحداث السويداء أهمية في أنه يقطع مع النقاش الذي يميل إلى كيل التهم أحادياً، كونه ينحو بشكل حقوقي ومهني إلى توصيف واسع وصارم للنزاع متعدّد الأطراف المحلية، ارتكبت خلاله انتهاكات عديدة، ولم يغب عنه دور التدخل العسكري الإسرائيلي، الذي كان يهدف إلى زيادة لهيب الأحداث وتعقيدها، وتوظيفها خدمة لمصلحته. ليست غاية التقرير الأممي اختزال المأساة أو تخفيف معاناة الضحايا، ولا ممالأة أي طرفٍ تورّط فيها، أو محاولة تبرئته، حيث لم يتردّد واضعو التقرير في تأكيد أن الدولة تبقى صاحبة المسؤولية في حماية جميع مواطنيها، لأن هذه من أولى واجباتها، بغض النظر عن هوية الضحايا، وعن الجهة التي تورّطت في الانتهاكات، ويضع على كاهلها المسؤولية، باعتبارها الطرف الملزم قانوناً وأخلاقياً بمنع حدوث الانتهاكات والجرائم على أراضيها، وملاحقة مرتكبيها، والعمل صيانة السلم الاجتماعي. وتمتد مسؤوليتها إلى القيام بمساءلة قضائية فاعلة ومستقلة، وجبر الضرر، والعمل على استعادة ثقة السوريين بهيئات ومؤسسات الدولة. المؤسف محاولة بعضهم تحويل الألم والمعاناة إلى ورقة توظيف سياسي، بدل السعي إلى رأب الصدع، وترميم ما أصاب النسيج الاجتماعي السوري، وهذا يتطلب امتلاك الفاعلين الجرأة على الاعتراف بمسؤولية من دفع الناس إلى حالة من الخراب، وأوصلهم إلى حافة التصدع المجتمعي. لا يحجب ذلك كله التقاطعات بين التقريرين، الوطني والأممي، التي لا تتعلق فقط بالتوصيف العام، والإقرار بوقوع انتهاكات جسيمة من أطراف متعددة، واتساع موجات النزوح وحجم الدمار، بل يمكن تسجيل مدى التقارب بين ما ورد فيهما، سواء فيما يخص التأكيد على أن الأحداث تمثل انتهاكات لحقوق الإنسان، والتأكيد على تورّط أطراف عديدة، وبأعداد الضحايا، أم في تبيان أن مسار العنف لم يكن أحادي الجانب، بل تميز بتداخل قوى محلية، وبتعدّد مراكز القرار الميداني، ويطاول التقارب أيضاً معظم الخلاصات والتوصيات. يشير صدور تقارير لجان التحقيق إلى تسجيل سابقة أولى في تاريخ الدولة السورية، خصوصاً أن تشكيل لجان تحقيق وطنية يعدّ أول تجربة وطنية، إضافة إلى التسهيلات التي قدمتها الإدارة السورية بغية وصول المحققين الدوليين والمحليين إلى مناطق الأحداث، في خطوة عكست تعاونها مع الجهود الدولية الحقوقية لتوثيق الانتهاكات في الساحل والسويداء، ولإقرارها بالمسؤولية الكاملة عن حماية جميع المواطنين السوريين، والوصول إلى تحقيق العدالة. لذلك فإن التقاطعات بين التحقيقين تلقي الضوء على تنوع المنهجيات واختلاف الرؤية، لكنها تفتح المجال أمام تساؤلات جوهرية، تتعلق بضرورة الأخذ بالتوصيات، وتحويل نتائج التحقيقات إلى إجراءات ملموسة، بغية تحقيق العدالة المأمولة وإحقاق الحق. الجدل المغلق يظهر النقاش السوري بشأن تقريري أحداث السويداء، وقبلها أحداث الساحل، سواء في الخطاب العام أم وسائل التواصل، أنه تحوّل إلى جدل لا يُعنى بتناول الوقائع، بل بات محكوماً بمسبقات الموقف السياسي، وتحوّل إلى سجال مغلق، إذ إن معظم ما يُطرح لا يهدف إلى فهم ما جرى أو الاعتراف بتعقيداته، بل ينحو إلى إعادة إنتاج رواية أحادية متصلّبة، تنظر إلى ما حدث بوصفه ثأراً أو انقلاباً، وانتهاكات لفئة معينة من دون ذكر الأسباب والحيثيات، ومع عدم الاعتراف بضحايا الطرف الآخر. لقد اعترف أكثر من مسؤول في الإدارة السورية بأن ما حصل في الساحل أو السويداء وقع في عهد الدولة الجديدة، التي أعلنت أنها دولة قانون وعدالة، وبالتالي تتحمّل مسؤوليته، لذلك عليها المتابعة والمساءلة ومحاسبة جميع المتورّطين. وهو ما يضع المسؤولية في مكانها، باعتبار أن الدولة يحب أن تُحاسب على ما يجري في عهدها، بينما جرائم النظام السابق جزء من إرث ثقيل يحتاج إلى عدالة انتقالية حقيقية. وعلى الرغم من ذلك كله، هناك من يريد تجاوز الواقع والقفز فوقه، عبر إنكار المسؤولية، ومنع ذوي الضحايا من التعبير عن مأساتهم، أو تخوين أي محاولة لطرح روية أكثر اتساعاً وشمولاً، ولا تحصر المسؤولية في المكان الذي تريده. ولعل هذا يُظهر وجود عقليات أسيرة لروايات متقابلة ومتناقضة، تلجأ إلى استخدام لغة الإقصاء والرفض للنقاش العقلاني وإغلاقه بدل فتح آفاقه الرحبة، الأمر الذي يكرّس الانقسام بدل السعي إلى تجاوزه. ويتعامى بعضهم عن حقيقة مؤلمة تفيد بأن دماء سورية سالت، وأن أمهات سوريات انتظرن أبناءهن، لكنهم عادوا إليهن مضرجين بدمائهم، وليس مهماً التوقف عند هوية هؤلاء الضحايا، لأن الألم في قلوب الأمهات والآباء والأبناء واحد، ولا يتلون بلون طائفي. وبعيداً عن الغرق في تفاصيل الحوادث وأسبابها وسياقها الذي تطورت فيه، ربما تسمح العودة إلى الخلف قليلاً والابتعاد قدر المستطاع عن التفاصيل المؤلمة، للمرء أن ينظر إلى الأمور من زاوية متعدّدة ومختلفة. المسألة التي تطرح نفسها هنا، تطاول تسلسل الأحداث، بغية المساعدة على قراءة المشهد كاملاً، ليس من أجل تبرير الانتهاكات أو التخفيف من الجرائم المرتكبة، أو التقليل من حجم مسؤولية أي طرف، ولا بهدف استخدامها لإعادة إنتاج روايات أو إيجاد حجج تبريرية، بل تغيير ممكنات فهم الأحداث كما حصلت، بغية الوصول إلى الحقيقة والعمل على تحقيق العدالة. النقاش المغلق لا يفتح أفقاً لتحقيق العدالة وإنصاف الضحايا، كونه لا يصبّ في سياق فهم ما جرى، بل يعمل على إعادة إنتاج الانقسام ذاته الذي سبق أحداث العنف. ولعل ما يساعد على بناء مستقبل مختلف يطمح إليه كل السوريين هو الاعتراف بكل الضحايا، ونبذ جميع الانتهاكات بحق كل السوريين وإدانتها، والنظر إلى الألم بوصفه إنسانياً، سورياً لا طائفياً أو مذهبياً. تبرز هنا أهمية العمل على جمع السلاح المنفلت وضبطه وحصره بيد الدولة، وتفكيك الشبكات الإجرامية، وتعزيز التنسيق والرقابة الأمنية الأخذ بالتوصيات لا يحجب الجدل الدائر القيمة العملية سواء للتقرير الوطني أو التقرير الأممي، التي لا تقف عند تحديد المسؤولية المشتركة، بل تطاول أيضاً إصلاح ما خلفه النزاع، واستعادة الخدمات، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتهيئة شروط العودة الآمنة للنازحين من جميع المكونات الاجتماعية، ومتابعة التحقيقات في مصير المفقودين والمختطفين، وحماية الحقوق بواسطة القانون. وباتت السلطات السورية مطالبة بترجمة نتائج التحقيقات الواردة في التقارير، عبر اتخاذ إجراءات قانونية عملية تضمن محاسبة مرتكبي الانتهاكات وتحقيق العدالة للضحايا. والأهم الأخذ بالتوصيات التي قدمتها لجنة التحقيق الوطنية، التي ركزت فيها على مسارات المساءلة، وتعزيز الاستقرار، والحيلولة من دون تكرار الانتهاكات، حيث أوصت بإحالة جميع المشتبه بتورّطهم، سواء من المدنيين أو القوى التابعة للحكومة إلى القضاء المدني المختص، وضمان إجراء محاكمات عادلة وشفافة، والاستمرار في التحقيقات القضائية بغية كشف كل المسؤوليات المرتبطة بالأحداث. إضافة إلى التأكيد على ضرورة تعزيز قدرات الهيئات القضائية للتعامل مع الجرائم الخطيرة، والعمل على تسريع الإصلاحات التشريعية والمؤسّسية لضمان استقلال القضاء، إلى جانب اتخاذ تدابير لحماية الضحايا والشهود والحفاظ على الأدلة، وتحديد مواقع الدفن الجماعي والتحقيق فيها وفق المعايير الدولية. تكتسي التوصيات، التي يفترض بالحكومة السورية العمل بها، أهمية خاصة فيما يتعلق بحماية المدنيين، عبر العمل الجاد لتعزيز مهنية الأجهزة الأمنية وحيادها واعتماد آليات فعالة للمساءلة، وتوسيع التمثيل المجتمعي داخلها، وإنشاء هيئات رقابة مستقلة لضمان التزامها بالقانون، واتخاذ إجراءات عاجلة لتعزيز الأمن، ومنع أعمال الانتقام بين المجموعات المحلية، وضمان إعادة الممتلكات إلى أصحابها أو تعويضهم، مع تطوير استراتيجيات واضحة لحماية السكان في مناطق النزاع. وتبرز هنا أهمية العمل على جمع السلاح المنفلت وضبطه وحصره بيد الدولة، وتفكيك الشبكات الإجرامية، وتعزيز التنسيق والرقابة الأمنية. ولا يقل أهمية ملف خطاب الكراهية، الذي يتطلب من أصحاب القرار في الدولة اتخاذ إجراءات قانونية ومؤسساتية للحد من التحريض على العنف، ورصد المحتوى التحريضي، وتشجيع خطاب التسامح، ومكافحة المعلومات المضللة التي تسهم في تأجيج النزاعات. إضافة إلى الشروع بوضع خطة للمصالحة المجتمعية، تشمل السعي إلى عقد حوار بين المكونات المحلية. العدالة والمصالحة تبرز في هذا السياق ضرورة أن تعمل السلطات السورية على تحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، بوصفها شرطاً أساسياً لكسر دوامات العنف ومنع تكرارها، وتثبيت مبدأ سيادة القانون من أجل تحقيق الاستقرار في البلاد. ويتماشى ذلك مع تنفيذ جميع التوصيات التي تتطلب منها التزاماً متواصلاً من طرف مؤسسات الدولة، ومشاركة فاعلة من منظمات المجتمع المدني والقوى السياسية، وبما يعزز الثقة بين الناس ومؤسسات الدولة، ويرسخ مبادئ دولة القانون. ولا شك في أن محاكمات جزائية ستجرى قريباً على غرار محاكمات أحداث الساحل، في محاولة لإعادة الاعتبار للضحايا، ورفع الغبن عنهم، والاعتراف بمعاناتهم، وهو أمر مطلوب في أي عملية مصالحة وطنية، لكن السوريين باتوا ينظرون إليها بوصفها اختباراً حقيقياً للدولة وسلطاتها، كونها تمثل فرصة نادرة لكتابة صفحة جديدة في تاريخها. لا تكمن القيمة الحقيقية للمحاكمات الجنائية في العلنية، إنما في تحويل نتائج التحقيق إلى إجراءات قضائية حقيقية، وتمكين الدفاع والادعاء من ممارسة أدوارهما بما يتماشى مع أسس المحاكمة العادلة. ولا يعني إجراؤها صرف النظر عن العدالة الانتقالية، لأنها تتطلب حزمة أوسع من الأدوات، وبما يمكن الجهات القضائية المعنية من كشف الحقيقة، وذلك لأن تحقيق العدالة هدفه في إظهار حقيقة ما حدث من انتهاكات، وإثباتها بأدلة قاطعة، والاعتراف بمعاناة الضحايا وآلامهم، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات قانونياً، وجبر الضرر. لا يغيب عن التوصيات السعي إلى إنجاز مصالحة مجتمعية، تعمل على تضميد الجراح، وبما يسهم في إعادة الثقة بين مكونات المجتمع السوري، كونها تمثل حجر أساس في أية عملية للعدالة الانتقالية، ويفترض أن تنتهي في نهاية المطاف بمصالحة وطنية، لأنها الصيغة المثلى لمعالجة آثار الاستبداد والظلم، عبر وضع آليات قانونية مدروسة، وبالابتعاد عن نهج الانتقام والإقصاء والاستئصال، والقيام بخطوات كفيلة بإعادة بناء الهوية الوطنية السورية على أسس المواطنة والتعددية، وبما يتوافق مع تشييد دولة القانون.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows