Arab
لا يزال تطبيق إيران آلية فرض رسوم مرور على السفن في مضيق هرمز يثير جدلاً واسعاً بين خبراء الطاقة والشحن حول مدى استدامة هذا الإجراء وتأثيره على التجارة العالمية.
وبينما يقيّم الخبراء مكاسب إيران من هذه الرسوم بأنها محدودة مالياً في الوقت الحالي، إذ لا تتجاوز الإيرادات المباشرة مئات الملايين من الدولارات، بسبب التضييق شبه الكامل على حركة الملاحة في المضيق، فإن ترسيخ وضع تحصيل رسوم المرور يعني، لاحقاً، توفير مورد دولاري بمليارات الدولارات.
وكان نائب وزير الخارجية الإيرانية للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي قال، الخميس الماضي، إن الآلية المقترحة بين إيران وعُمان لمراقبة حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز لن تهدف إلى تقييد الملاحة البحرية، بل إلى تسهيل المرور الآمن عبر الممر المائي الاستراتيجي.
صفقات خاصة مع إيران
وأصبح عبور المضيق خاضعاً لموافقة طهران في ظل انخفاض حركة الملاحة إلى أقل من 10 سفن يومياً مقارنة بنحو 135 سفينة سابقاً، مع فرض رسوم تصل إلى مليوني دولار للسفينة الواحدة، ما يشير إلى سيطرة إيرانية أقوى على المضيق بعد شهر من الحرب، حسب تقدير نشرته وكالة "بلومبيرغ" في 31 مارس/ آذار الماضي.
يعزز من آفاق استمرار هذا الوضع أن بعض الدول والشركات بدأ تتكيف مع الحالة الراهنة لمضيق هرمز، عبر عقد صفقات خاصة مع إيران أو دفع رسوم لها، كما حدث مع سفن صينية وهندية وماليزية وباكستانية، من خلال رموز سرية ودفعات باليوان الصيني، وهو ما يشجع إيران على التمسك بهذا النهج، حسب التقدير نفسه. غير أن الرفض الدولي والتهديدات الأميركية تمثل عامل ضغط قد يحد من بقاء الوضع الراهن، خاصة مع ارتفاع كلفة التأمين التي تضاعفت أربع مرات، حسب تقرير نشرته "جابان تايمز" في الأول من إبريل/ نيسان الجاري.
ويرجح خبراء أن يكون ذلك مقدمة لتحول المضيق إلى ممر غير حر بالكامل في المستقبل، حيث أقر البرلمان الإيراني مشروع قانون يرسخ فرض الرسوم ويحظر السفن الأميركية والإسرائيلية، ما يحول الممر إلى منطقة سيادة إيرانية مشروطة، وهو ما يعني أن العودة إلى حرية الملاحة الكاملة ستظل مرهونة بتسوية سياسية، مع استمرار مخاوف التصعيد العسكري ولو بشكل متقطع في المستقبل.
ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى قفزات في أسعار النفط، وزيادة تكاليف الشحن إلى نحو 10 ملايين دولار للسفينة الواحدة، ما يضغط على الاقتصادات العالمية ويرفع معدلات التضخم، في وقت تعاني فيه دول الخليج من تراجع الإيرادات، حسب ما أورده تقرير نشره موقع شبكة "سي بي إس نيوز" في 27 مارس الماضي.
تحول في أنماط الاقتصاد
في هذا الإطار، يشير الخبير في الاقتصاد السياسي رائد المصري، في حديثه لـ"العربي الجديد"، إلى أن الساحة الدولية باتت تشهد تحولاً جوهرياً في أنماط الاقتصاد العالمي وعلاقات الإنتاج، لا سيما في ما يتعلق بقطاع الطاقة وأمن الملاحة البحرية، نتيجة الحرب التي شنتها الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب وبدفع إسرائيلي ضد إيران. ويضيف أن الحرب أخفقت في تحقيق أهدافها الأساسية المتمثلة في إسقاط النظام الإيراني أو السيطرة على مصادر ثرواته، ما أدى إلى انخفاض سقوف التوقعات لدى الطرفين الأميركي والإسرائيلي، بينما رسخت، في المقابل، معادلات دولية جديدة تعيد تشكيل خريطة أمن الطاقة العالمي.
وترتبط أولى هذه المعادلات الجديدة بارتفاع أسعار النفط والغاز عالمياً، وهو ما ينعكس سلباً على المستهلك الأميركي ويشكل عبئاً سياسياً على إدارة ترامب قبيل الانتخابات النصفية المقبلة، بحسب المصري، لافتاً إلى أن التحول الأبرز يتمثل في إحكام إيران سيطرتها على مضيق هرمز الذي كان يمر عبره نحو 20% من تجارة الطاقة العالمية، لتتحكم الآن في المرور الجزئي وفق إرادتها، بما يؤسس لواقع دولي جديد تُقبل فيه الإدارة الإيرانية للمضيق مقابل فرض رسوم وضرائب على العبور.
وتتضافر هذه التطورات مع معطيات أخرى لا تصب في صالح الإدارة الأميركية ولا حلفائها في الاتحاد الأوروبي، بحسب المصري، من أبرزها نجاح روسيا في بيع نفطها وغازها بأسعار مرتفعة متجاهلة العقوبات الغربية المفروضة عليها من جراء الحرب في أوكرانيا، مضيفاً أن انخراط الحوثيين في المعادلة عبر تهديدات إغلاق باب المندب يعطل أمن الملاحة العالمية ويرفع كلفة الأزمة على الولايات المتحدة والعالم أجمع، في وقت تتزايد فيه التباينات داخل حلف ناتو وتظهر انفكاكات أوروبية عن الموقف الأميركي، حيث امتنعت العديد من العواصم الأوروبية عن الانخراط الكامل في الحرب، ما عزز من موقف إيران وأضعف قوة الدفع الأميركية.
ورغم الفارق الاستراتيجي الكبير بين إيران والولايات المتحدة، فإن استمرار التصعيد وارتفاع الكلفة السياسية والاقتصادية أسقطا مفهوم الهيمنة الأحادية الأميركية وصناعة القرارات الطاقوية بشكل منفرد، حسب المصري، الذي قارن بين مفاعيل هذه الحرب وأزمة تأميم قناة السويس عام 1956.
ويوضح المصري أن حرب 1956 أنهت هيمنة فرنسا وبريطانيا ومهدت لصعود القطبية الثنائية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وهو ما يتكرر اليوم، حيث تسقط الحرب الدائرة هيبة "التفرد الأميركي"، تماماً كما حدث لبريطانيا وفرنسا في عدوانهما مع إسرائيل على مصر، ما يعيد إنتاج علاقات دولية جديدة تقوم على تعددية الأقطاب وفقدان الثقة المطلقة في القدرة الأميركية على التحكم بمجرى الأحداث.
وبناءً على ذلك، لم يعد مضيق هرمز ممراً حرًا مفتوحاً للجميع بالمعنى التقليدي، بل يتجه نحو نموذج إدارة مشتركة تفرض هيكلاً جديداً للرسوم والضرائب وتوزيع العوائد، حسب تقدير المصري، الذي يخلص إلى أن الظروف والمعطيات الحالية قد تختلف تاريخياً عن سابقاتها، إلا أن التشابه في نتائج "الانحناء الأميركي" والتحول في المواقف الدولية للعرب والروس والصينيين يرسخ واقعاً جديداً يفقد الولايات المتحدة مركزيتها، ويؤسس لعصر جديد من الشراكة القسرية في إدارة الممرات الحيوية وإعادة صياغة قواعد الاقتصاد الدولي.
تعويض محتمل عن الخسائر
في السياق، يؤكد الباحث في الاقتصاد السياسي مصطفى يوسف، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن خطوة إيران بفرض رسوم على عبور الناقلات عبر مضيق هرمز تعد ردة فعل متوقعة، وليس مجرد إجراء انتقامي، خاصة في ظل سيطرتها الفعلية على ممر الملاحة الحيوي.
ويعتبر أن هذه الرسوم تمثل تعويضاً محتملاً عن الخسائر الناجمة عن العدوان الأميركي الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه، رسالة لترسيخ موقف قوة إيراني في مواجهة الهيمنة الأميركية، ما يجبر الدول لاحقاً على التعامل مع طهران بوصفها شريكاً لا غنى عنه في معادلة الطاقة العالمية.
غير أن تداعيات هذا الإجراء يتجاوز أثرها إيران لتطاول الاقتصاد العالمي بأسره، حسب يوسف، حيث ستتحمل شركات الشحن والنقل تكاليف رسوم المرور، لتقوم بنقلها في النهاية إلى المستهلك النهائي عبر رفع أسعار السلع المستوردة، موضحاً أن تأثير ذلك سيشمل قطاعات حيوية متنوعة تتراوح بين الغاز المسال والهيليوم والنفط الموجه إلى الصين، وصولاً إلى المواد الغذائية، ما يعني أن العالم أجمع سيتأثر بارتفاع تكاليف المعيشة والإنتاج، بينما تجني إيران إيرادات مالية وتثبت قدرتها على فرض واقع جديد.
إزاء ذلك، يرى يوسف أن المشهد الدولي يبدو معقداً في ظل التفاهمات المحتملة حول إعادة إعمار إيران، حيث ترفض طهران تحمل تكاليف الدمار الذي لحق بها، وتصر على الحصول على حقوقها المالية مقابل فتح الممرات.
ويخلص إلى أن الموقف المستقبلي العام لمضيق هرمز لا يصب اقتصادياً في مصلحة أحد سوى إيران حتى الآن، ما يعني أن استمرار الحرب بوضعها الحالي يضعف دول المنطقة كما يضر بالاقتصادين الأميركي والعالمي.

Related News
مباشر: ترامب يوجه شتائم إلى إيران بعد إنقاذ طيار أمريكي
france24
29 minutes ago
أوروبا تواجه جشع شركات الطاقة العالمية
alaraby ALjadeed
29 minutes ago