Arab
في لحظة تتسم بتصاعد الأزمات الدولية وتزايد الضغوط على وحدة القرار الأوروبي، أعاد وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، أول من أمس السبت، فتح نقاش قديم داخل الاتحاد الأوروبي بشأن قراراته، ويتمحور حول جدوى استمرار مبدأ التصويت بالإجماع في اتخاذ القرارات، خصوصاً في مجالات السياسة الخارجية والأمن.
وجاءت الدعوة خلال تصريحات صحافية في ألمانيا، قال فيها فاديفول، المنتمي إلى حزب المستشار فريدريش ميرز، الحزب المسيحي الديمقراطي، إنه "لكي نكون (الاتحاد الأوروبي) فاعلاً قادراً على التحرك على الساحة الدولية، ولكي نصبح ناضجين حقاً، ينبغي لنا في الاتحاد الأوروبي إلغاء مبدأ الإجماع في السياسة الخارجية والأمنية قبل نهاية هذه الدورة التشريعية (عام 2029)". وأضاف الوزير الألماني: "أنا أؤيد العمل داخل الاتحاد الأوروبي بنظام الأغلبية المؤهلة. كل التجارب التي مررنا بها خلال الأسابيع الماضية في ما يتعلق بالمساعدات لأوكرانيا والعقوبات ضد روسيا تؤكد فعالية هذا النظام (الأغلبية)".
برزت المجر بشكل لافت أحدَ أبرز مستخدمي حق الفيتو داخل الاتحاد
هذه الدعوة الصادرة عن برلين ليست معزولة، بل تعكس شعوراً متنامياً لدى عدد من العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها ألمانيا، بأن آليات اتخاذ القرار الحالية داخل الاتحاد الأوروبي لم تعد كافية لمواكبة التحديات الجيوسياسية المتسارعة، من الحرب في أوكرانيا إلى التوتر مع روسيا، مروراً بأزمات مثل غرينلاند والعلاقات مع الحليف الأميركي، وصولاً إلى ملفات الهجرة والأمن والدفاع.
ويرتبط النقاش حول إصلاح مبدأ الإجماع أيضاً بالبعد الإقليمي والدولي، لا سيما العلاقة مع الولايات المتحدة. فبرلين ترى أن الاعتماد على الإجماع الكامل يُبطئ قدرة الاتحاد على الاستجابة السريعة للأزمات الدولية، بما في ذلك أي تصعيد إضافي محتمل في الشرق الأوسط، مثل توسع الحرب على إيران وتداعياتها.
الفيتو المجري بالمرصاد في الاتحاد الأوروبي
يقوم نظام الإجماع داخل الاتحاد الأوروبي على قاعدة بسيطة، لكنها ذات تأثير بالغ: لا يُعتمد أي قرار إلا بموافقة جميع الدول الأعضاء. هذه القاعدة، التي صُمّمت أساساً لحماية سيادة الدول ومنع فرض سياسات عليها، تحولت مع مرور الوقت إلى أداة سياسية تستغلها بعض الحكومات لتعطيل القرارات الجماعية أو لانتزاع تنازلات في ملفات أخرى. وقد برزت المجر بشكل لافت أحدَ أبرز مستخدمي هذا الحق، إذ عرقلت في مناسبات عدة قرارات تتعلق بالعقوبات على روسيا أو الدعم المالي والعسكري المخصص لأوكرانيا، ما أثار استياء دول كبرى اعتبرت أن هذا الأمر يهدّد مصداقية الاتحاد ويضعف قدرته على التحرك قوةً موحدةً.
تحت قيادة القومي المحافظ فيكتور أوربان، أصبحت بودابست نموذجاً صارخاً لكيفية استخدام "الفيتو" (حق النقض) ورقةَ ضغط سياسية. فقد لجأت الحكومة المجرية مراراً إلى تعطيل القرارات الأوروبية، ليس دفاعاً عن مصالحها الوطنية فقط، بل وسيلة لابتزاز بروكسل وانتزاع تنازلات في ملفات مختلفة، من بينها تجميد أموال أوروبية مخصصة للمجر بسبب مخاوف مرتبطة بسيادة القانون وفصل السلطات. ويؤكد منتقدو الحكومة المجرية أن هذه الممارسات تقوض مبدأ التضامن الأوروبي وتعطّل قدرة الاتحاد على الاستجابة للأزمات الطارئة. في المقابل، ترد بودابست بأن مواقفها تعكس أولوياتها السيادية ورفضها سياسات لا تتوافق مع مصالحها الوطنية، معتبرة أن حق النقض هو أداة مشروعة لضمان حماية الدولة من قرارات قد تضرها.
انطلاقاً من ذلك، يدعو فاديفول إلى الانتقال نحو نظام "الأغلبية المؤهلة"، الذي يسمح بتمرير القرارات من دون الحاجة إلى إجماع كامل، ما يُسهم في تسريع عملية اتخاذ القرار وتعزيز قدرة الاتحاد على التصرف فاعلاً دولياً موحداً، وفقاً للرأي الألماني. وفي نظر برلين، لا يمكن لاتحاد يضم 27 دولة أن يبقى رهينة اعتراض دولة واحدة، خصوصاً في قضايا تمسّ الأمن الأوروبي المباشر.
فكرة أوروبا القوية بالنسبة إلى فرنسا تستلزم التحرر من قيود الإجماع
وتتقاطع فرنسا مع هذا الطرح، إذ ترى أن تعزيز "السيادة الأوروبية" يتطلب أدوات قرار أكثر مرونة وفعالية. ولا تكتفي باريس بالتقاطع مع الموقف الألماني، بل تدفع في أحيان كثيرة نحو مواقف أكثر تقدماً. ففكرة "أوروبا القوية" القادرة على اتخاذ قرارات مستقلة عن الضغوط الخارجية تشكّل ركيزة أساسية في رؤيتها، وهو ما يستلزم، برأيها، تجاوز قيود الإجماع، خصوصاً في مجالات الدفاع والسياسة الخارجية. مع ذلك، تظل فرنسا حريصة على إبقاء بعض الضوابط في القضايا الحسّاسة، بما يحفظ توازن الاتحاد.
أما إيطاليا، بقيادة القومية اليمينية جيورجيا ميلوني، فتتبنى مقاربة أكثر براغماتية وحذراً. فهي تدرك الحاجة إلى تسريع القرار الأوروبي، خصوصاً في ملفات ملحة مثل الهجرة والاقتصاد، لكنها في الوقت نفسه، لا تميل إلى التخلي الكامل عن الإجماع. لذلك تفضل روما دعم إصلاحات جزئية، تسمح بتوسيع نطاق التصويت بالأغلبية في مجالات محددة، من دون المساس الجوهري بحق الدول في الاعتراض، في محاولة لتحقيق توازن بين الفعالية والحفاظ على النفوذ الوطني.
هذا التوجه يواجه معارضة واضحة من عدد من الدول التي ترى في الإجماع ضمانة أساسية لحماية مصالحها. فبالنسبة لدول مثل المجر، أو حتى بولندا في بعض المراحل، فإن التخلي عن هذا المبدأ يعني فقدان أداة سيادية مؤثرة قد تحول دون فرض سياسات لا تنسجم مع توجهاتها. وفي شرق القارة، فإن سلوفاكيا وجمهورية التشيك تتخذان موقفاً وسطياً، داعمتين الإصلاحات الجزئية التي توسع التصويت بالأغلبية في مجالات محددة، مع الحفاظ على حق الاعتراض في القضايا الحسّاسة لضمان حماية مصالحهما الوطنية أيضاً. ولا يقتصر هذا الحذر على دول الشرق والوسط في أوروبا، بل يمتد بدرجات متفاوتة إلى دول شمال القارة وغربها.
ترى بعض الدول أن قضايا السياسة الخارجية والدفاع تحتاج إلى مرونة أكثر في التصويت
في هذا السياق، تتبنى الدنمارك موقفاً وسطياً يعكس توازناً بين الحاجة إلى الفعالية والحفاظ على السيادة. فهي لا تؤيد إلغاء الإجماع بشكل كامل، لكنها منفتحة على إدخال إصلاحات محدودة تسمح باستخدام التصويت بالأغلبية في بعض المجالات، خصوصاً إذا كان ذلك يعزز قدرة الاتحاد على التحرك في أوقات الأزمات. ويعكس هذا الموقف إدراكاً لأهمية العمل الأوروبي المشترك، مقابل حرص تقليدي على عدم نقل صلاحيات واسعة إلى بروكسل من دون رقابة.
أما السويد، فتبدو أكثر تحفظاً، حيث تميل إلى الإبقاء على مبدأ الإجماع، خصوصاً في القضايا الحسّاسة مثل السياسة الخارجية والدفاع. ويعكس ذلك إرثاً طويلاً من الحذر في الانخراط في الترتيبات الأمنية، رغم التحولات الأخيرة التي شهدتها البلاد، بما في ذلك الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو) بعد الغزو الروسي لأوكرانيا. وبالنسبة لاستوكهولم، فإن أي تخلٍ عن الإجماع يجب أن يتم بحذر شديد، وبضمانات واضحة تحول دون تهميش الدول الصغيرة. وهو تقريباً الموقف نفسه الذي تذهب إليه فنلندا التي تتبنى موقفاً حذراً مفضلة الحفاظ على مبدأ الإجماع في القضايا الحسّاسة، مع الانفتاح المحدود على الإصلاحات تدريجياً لتعزيز فعالية المعسكر الأوروبي.
أما هولندا، فتبدو أكثر انفتاحاً على فكرة تقليص نطاق الإجماع انطلاقاً من قناعة بأن كفاءة الاتحاد وسرعة قراره أصبحتا شرطين أساسيين للحفاظ على نفوذه العالمي. ومع ذلك، لا تدعو أمستردام إلى إلغاء شامل، بل تفضل نهجاً تدريجياً يستهدف مجالات محددة، مع الإبقاء على الإجماع في القضايا الأكثر حساسية. وغير بعيدة عنها، فإن بلجيكا التي تحتضن عاصمتها مقار الاتحاد الأوروبي، تميل إلى دعم إصلاحات تدريجية لتوسيع التصويت بالأغلبية في بعض المجالات، مع الحفاظ على الإجماع في القضايا الحسّاسة، موازنةً بين الكفاءة الأوروبية وحماية مصالح الدول الصغيرة. وتشترك هذه الدول مجتمعة في هاجس أساسي، يتمثل في الخشية من أن يؤدي إلغاء الإجماع إلى تهميش الدول الصغيرة ومنح نفوذ أكبر للدول الكبرى.
بدائل دونها عقبات
يُعد مبدأ الإجماع سيفاً ذا حدين: يضمن حماية المصالح الوطنية، لكنه يمنح أي دولة القدرة على تعطيل القرارات، كما جسّدت المجر باستخدامها المتكرر للفيتو. ومع أن تعديل آليات التصويت في معاهدة لشبونة (2007، نافذة منذ 2009) يتطلب إجماع جميع الدول، فإن الاتحاد يمكنه اللجوء إلى بدائل مثل "البند الجسري" Passerelle Clause، وهو آلية في معاهدات الاتحاد الأوروبي تسمح بالانتقال من التصويت بالإجماع إلى الأغلبية المؤهلة في مجالات محددة، لتسريع اتخاذ القرار من دون تعديل شامل للمعاهدات. يتطلب استخدامه غالباً موافقة جميع الدول الأعضاء مسبقاً، ما يحافظ على توازن القوى بين الدول الكبيرة والصغيرة. ويمكن للاتحاد أيضاً الذهاب إلى "تحالف الراغبين" حيث تتعاون مجموعة من الدول من دون انتظار موافقة الجميع. وقد أثبتت هذه الأدوات فاعليتها في بعض المجالات، مثل الدفاع والتكامل المالي.
في حال توسيع استخدام التصويت بالأغلبية، فقد يصبح الاتحاد أكثر قدرة على اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة، خصوصاً في أوقات الأزمات، بحسب مؤيدي هذه الآلية. لكنه في المقابل يواجه خطر تعميق الانقسامات الداخلية إذا شعرت بعض الدول بأنها مُهمشة أو مُجبرة على تبني سياسات لا تتوافق مع مصالحها. وقد يفتح ذلك الباب أمام توترات سياسية، أو حتى إعادة طرح أسئلة وجودية حول طبيعة الاتحاد، كما حدث خلال "بريكست" بخروج بريطانيا من النادي الأوروبي في استفتاء 2016.
في المحصلة، لا يبدو أن الاتحاد الأوروبي يتجه نحو تغيير جذري وسريع في آليات اتخاذ القرار، بقدر ما يسير نحو مسار تدريجي من الإصلاحات المحدودة، التي تحاول التوفيق بين متطلبات الفعالية ومقتضيات السيادة. وبينما تدفع دول كبرى نحو مزيد من المركزية، تتمسك أخرى بحقها في الاعتراض، في معادلة تعكس جوهر المشروع الأوروبي: اتحاد بين دول ذات سيادة، يعيد باستمرار تعريف توازناته في عالم سريع التغير.

Related News
«أوبك بلس» يحذر من تعطيل ممرات الملاحة
aawsat
5 minutes ago
إيران توسع «حرب الطاقة» في الخليج
aawsat
8 minutes ago
«المصنع» يختبر ضمانات أميركا للبنان
aawsat
13 minutes ago
«شمس» السعودي لسبر أغوار الطقس الفضائي
aawsat
14 minutes ago
مقتل 17 شخصاً في هجوم لمسلحين على قرية في وسط نيجيريا
aawsat
24 minutes ago