Arab
حين ورد الخبر بصيغته العاجلة على الشاشات، لم أُفاجأ. بل غمرني حزن من كان يتوجّس من خبرٍ كهذا منذ فترة طويلة. علي شعيب شهيداً، وأكاد أقول أخيراً. فحياته كانت دائماً على تماس مع خطر وجود العدو على جبهة الجنوب، بما يتجاوز مجرّد تغطية مراسل للأحداث، كان عمله أقرب إلى تحدي ابن الأرض لعدوّه.
وإن كان صحيحاً أنّ شريط حياة الانسان يمرّ في باله حين تحلّ ساعته كما يُقال، فإنّ شريطاً مُشابهاً من الذكريات المُشتركة يمرّ في بالك حين يكون الراحل شخصاً تعرفه. فتعود لحظات بعينها لتبرز كما لو كانت مُلّخصاً لأكثر تلك الذكريات تعبيراً عنه أو عن علاقتكما.
هكذا، ودوناً عن كلّ الذكريات "العادية" التي جمعتنا، الزميل علي شعيب وأنا، في الميدان، خلال تغطيتنا الحروب الكثيرة التي توالت على بلادنا، ذكرى واحدة برزت دون غيرها من بين كلّ تلك اللحظات، مُعبّرة عن شخصية هذا المراسل الشجاع على تواضع وخجل، والمُتفاني في عمله بما يشبه الالتزام الديني بصدق التغطية الإعلامية.
كان عمل الشهيد الراحل علي شعيب أقرب إلى تحدي ابن الأرض لعدوّه
كان ذلك في عام 2002. وكنت يومها مسؤولة عن صفحة "صوت وصورة" في جريدة السفير، وهي صفحة كانت تُعنى بمتابعة وسائل الإعلام ومدى التزامها المهني. وصلني يومها خبر عن فوز الزميل مراسل قناة المنار في الجنوب علي شعيب بالميدالية الذهبية لمهرجان "إيبونا" في مدينة كابورغ الفرنسية للأفلام الوثائقية. وحين اتصلت به مُستفسرة عن تفاصيل إضافية عن فيلمه الفائز، رحّب بأسئلتي، لكنّه تردّد في طلبٍ لم يلبث أن أفصح عنه ببعض التأتأة الخجولة ولكن المرحة. قال: "هل من الممكن، أقصد.. لو كان ذلك ممكناً، أن تغفلي في تغطيتك للخبر ذكر موضوع الفيلم؟".
لم أفهم. وسألت علي عن سبب طلبه الغريب ذاك؟ فصمت قليلاً ليعود فيحسم الموضوع مُتراجعاً: "خلص، اكتبي ما تريدين".
وبما أنّي "شريرة"، بالمعنى المهني، فقد استرعى طلبه ذاك حشريتي لمعرفه أسبابه. ودعوته لمقابلة، ذكّرني بها منذ أيام أحد الأصدقاء بعد استشهاد علي.
كان موضوع فيلمه الوثائقي الفائز "حمار عالق في حقل ألغام". ويصوّر الفيلم، كما نفهم من عنوانه، حماراً دخل حقلاً كان قد فخّخه العدو الإسرائيلي خلال احتلاله لجنوب لبنان.
علق الحیوان الشارد من صاحبه في ذلك الحقل الذي قفز إلیه من فوق لافتة تحذيرية، تقول بالعبرية وبترجمة عربیة وأجنبیة: "لا تلمس، لا تقترب، خطر الموت".
سبق لعلي شعيب أن فاز بجائزة عن فيلم وثائقي حمل عنوان "حمار عالق في حقل ألغام".
وبما أنّ الحمار لا يعرف القراءة ولا الكتابة "ولا يمیّز لون مثلث الخطر الأحمر" كما يقول علي في تقريره، فقد دخل الحقل وعلق ھناك خمسة عشر يوماً!
والمدھش أنّ أيّ لغم لم ينفجر فیه، على الرغم من تجواله المُتكرّر، قاضماً العشب الطري الذي لم يجرؤ أحد منذ احتلال إسرائیل ذلك المكان على جزّه.
ھكذا، حاول صاحب الحمار والشهيد علي إنقاذ الحیوان لإخراجه من دائرة الخطر بإغرائه بالحشائش تارة وباستدراجه إلى السیاج تارة أخرى، إلا أنّ دخول الحمام ليس كالخروج منه: فقد حاول الحمار القفز من فوق السیاج إلا أنّه لم يستطع، كما تشھد المشاهد الرائعة في الفيلم الوثائقي القصير، والتي تبدو فیھا كتل من وبره عالقة في السیاج الشوكي.
يومها، ضحكت كثيراً. فقد فهمت سبب تردّده. كما ضحك هو أيضاً متواطئاً، فعلي وأنا أبناء قرى، ونفهم كيف يتماهى أهل قرانا مع الناجح أو المشهور من بين أولادهم. لذا فإنّ ميدالية ذهبية فرنسية من أجل.. حمار، ستجعله موضوعاً لنكتة أبدية في القرية تتوارثها الأجيال!
وفهمت أنّ البعض أصلاً كانوا يُضايقونه بالسخرية من أنّ عمله في تغطية الاعتداءات الإسرائيلية التي كان يخاطر فيها بحياته، والقصص الإنسانية التي كان يصوّرها، لم تفز بأيّ تنويه، لكن قصة الحمار فازت وبجائزة عالمية.
اعترف علي في هذه المقابلة بأنّه هو الآخر محتار في فوز فيلمه المتواضع، برأيه، من بين ثلاثمئة وسبعة عشر وثائقياً آخر من إنتاج قنوات عملاقة لیس أقلّھا "ديسكفري". لكنه كان محتاراً لسبب أهمّ: فكيف يفوز التقرير إن كان يدين إسرائیل من دون جائزة موازية لعمل إسرائيلي، على ما درجت عليه العادة المُنافقة بزعم تحقيق "توازن" موضوعي؟
تغطية الاعتداءات الإسرائيلية التي كان يخاطر فيها بحياته، والقصص الإنسانية التي كان يصوّرها، لم تفز بأيّ تنويه، لكن قصة الحمار فازت وبجائزة عالمية!
كما أنّ إهمال هذا الغرب عذابات الجنوبيين والفلسطينيين، كما كان يراه ويلاحظه كإعلامي، مقابل تعاطفهم كما رآه مع "حماره"، جعله يفكّر: ما هو كود الأخلاق والقيم الغربي؟
يروي لنا وھو يبتسم أنّه: "عندما اقتربت المذيعة في المھرجان مني بعد فوزي بالجائزة ونزولي عن المسرح لتسألني عن مصیر الحمار، لم أكن أعلم أنھا ستعود وترتقي الخشبة لتقول للحضور: بأسف شديد أخبركم أنّ الحمار اللطیف الذي رأيتموه في التقرير الفائز قتل في نھاية المطاف!"، ثم یضیف بعد أن أشرك الحاضرين بابتسامة متواطئة: "لقد وضعوا أيضاً موسیقى حزينة".
لكن علي لا ينفي بالمقابل أنّ الحيرة اعترته بدوره لحظة اكتشافه الحمار العالق. ومع أنّه قرّر في النھاية، إنسانياً ومهنياً، أنّ ھذه الزاوية لطرح قضیة الألغام جديرة "بالمغامرة"، إلا أنّ كثيرين حاولوا ثنیه: "قالوا ستؤذي مشاعر الناس الذين تعرّضوا لحوادث ألغام ولم يأت أحد على ذكرھم. لكن إحساسي الإنساني بورطة ھذا المخلوق البريء، والذي لا يدرك الخطر الذي يتھدّده، وإحساسي المھني بأنّھا زاوية استثنائية لإثارة الاھتمام بالموضوع، جعلتني أصوّر".
ذكّرني فيلم الزميل وقتها بمشهد من فيلم "عرس في الجليل" للمخرج الفلسطیني میشیل خلیفي. وهو مشهد عبقري نرى فیه حصاناً عالقاً في حقل ألغام هو الآخر، حیث يحاول الفلسطيني أن يخرجه بطريقة تحفظ حیاته، في حین يقترح إسرائیلي إخراجه بالرصاص، في تلخيص لجوهر العقليتين. لكن المشهد بالطبع لم يكن وثائقياً.
سألت علي إن كان قد شاهد الفيلم، فنفى. ثم سألته إن كانت نظرته تجاه الغرب تغیّرت بعد إعطائه ھذه الجائزة؟ خصوصاً أنّ فيلمه يدين إسرائیل. ففكّر قليلاً ثم قال: "لو كان التقرير يتحدّث عن مأساة طفل مصاب بلغم، لم يكن لیفوز".
كم كان محقّاً!
Related News
فولكسفاغن تطلق «أطلس 2027».. جيل رياضي عصري جديد
al-ain
4 minutes ago
جمال ساحر.. ابنة أنجلينا جولي تخطف الأنظار
al-ain
8 minutes ago