Arab
تلك هي طبيعة الحروب، مصائب قوم عند قوم فوائد، تقع بثقلها وآثارها الوخيمة على بلد أو منطقة، وتوفر فرصاً سياسية أو تعزز الأهمية الاقتصادية لبلدان أو مناطق أخرى. لم تكن الجزائر في تاريخها السياسي الحديث، معنية بتبنّي اقتصاد الحروب لزيادة أرصدتها السياسية والاقتصادية، وهي بوصفها بلداً ذا ثقل في شمال أفريقيا وعلى الضفة الجنوبية من المتوسط، ليست بصدد توظيف ظرفية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، أو استغلال التداعيات الصعبة على دول المنطقة القريبة ضمن نطاق الحرب، لصالح مجالها الخاص، إلا أنها وجدت نفسها محل تركيز إقليمي ومتوسطي واستقطاب طاقوي على وجه الخصوص بالنسبة لأوروبا ولأسواق أخرى.
ثمة أمر واقع، وسواء رغبت الجزائر، أو لم ترغب في أن تحوّل ذلك إلى فرصة على أصعدة مختلفة، فإنها تبقى فرصة قائمة لإعادة ضبط بعض التوازنات الإقليمية، وإقحام المتغيرات التي فرضت نفسها على المجالين السياسي والاقتصادي الدولي، في صلب النقاشات القائمة لحلّ القضايا والمسائل العالقة مع الإقليم المتوسطي. يريد شطر مهم من أوروبا الحصول على الطاقة من الجزائر، في ظل حالة اللايقين القائمة في منطقة الشرق الأوسط، وتأثر الإمدادات وغموض الأفق المستقبلي، ويتعيّن على الجزائر أن يكون لديها ما تريد من أوروبا، تطلعات واشتراطات تحصل من خلالها على استعادة توازن المصالح، بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، ذلك أنّ المسألة لا تتعلق بتعامل تجاري في سوق الطاقة فحسب، لكنّها مرتبطة بالمسألة السياسية أيضاً.
هذا الانزال السياسي اللافت لكبار المسؤولين الأوروبيين إلى البلد، رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني، ووزير الخارجية الإسباني مانويل ألباريس، ورئيس وزراء صربيا جورو ماتسوت، ومنتظر وصول الرئيس البرتغالي أنطونيو خوسيه سيغورو وغيره، يجب ألا يكون من دون عوائد بالنسبة للجزائر. هناك ملف أساسي ومركزي ظل لفترة طويلة عالقاً بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، وهو ملف اتفاق الشراكة الموقّع في إبريل/نيسان 2002، والذي لم يراعِ حينها مصالح الجزائر، وقد حانت ظرفية حسمه ودفع الجانب الأوروبي للقبول بمراجعة بنوده الـ110، بعد قرار الجزائر تجميد العمل به، وإلزام الاتحاد بالتراجع عن تهديد الجزائر بإجراءات التحكيم الدولي.
هناك إمكانية لأنسنة ملف الطاقة، وتتوفر فرصة مهمة للجزائر لمناقشة صريحة مع الجانب الأوروبي بشأن ملف الهجرة وحركة تنقّل الأشخاص، فلن يكون هناك أي معنى لأن تقدّم الجزائر نفسها إلى السوق الأوروبية بلداً شريكاً وموثوقاً وذا مصداقية على صعيد الاحتياجات الأوروبية للطاقة، من دون أن تفرض في المقابل احتياجاتها الخاصة على صعيد تسهيل تنقّل الأشخاص والحصول على التأشيرة، (خصوصاً في ظل الأزمة المعقّدة بين الجزائر وفرنسا)، ومعالجة حكيمة لملف الهجرة، بعيداً عن المقاربات الأوروبية الانفرادية.
هناك الكثير مما يمكن مناقشته مع أوروبا، في هذه الظرفية القلقة إقليمياً ودولياً، من نقل والحصول على التكنولوجيا في مجالات متعددة، إلى جلب استثمارات في قطاعات حيوية وغير تقليدية بالنسبة للاقتصاد الجزائري، في ظل توجّه محلي نحو إعادة بناء اقتصاد جزائري غير ريعي لا يعتمد على مداخيل الطاقة بالضرورة (تمثل في حدود 90% من مداخيل الجزائر). ما هو ضروري بالنسبة لصانع القرار في الجزائر، ألا تدفع الحاجة الأوروبية للطاقة الجزائر بأي شكل من الأشكال، للعودة إلى التركيز بشكل أساسي على هذا القطاع، رغم أهميته، أو إغراق الاقتصاد الجزائري مجدداً في الريع النفطي، ذلك أنّ الفرصة جزائرية ويجب أن توظف على النحو الصحيح والسليم.

Related News
متى يستيقظ المجتمع الأميركي؟
alaraby ALjadeed
5 minutes ago
المخاض السوري... الثورة المغدورة
alaraby ALjadeed
5 minutes ago
حرب ترامب الحقيقية والمتخيَّلة وتداعياتها
alaraby ALjadeed
5 minutes ago
حسابات أميركية إسرائيلية خاطئة
alaraby ALjadeed
6 minutes ago
الأقليات لا تُسقط أنظمة... تُسقط دولاً
alaraby ALjadeed
6 minutes ago