حسابات أميركية إسرائيلية خاطئة
Arab
1 hour ago
share
أفاقت منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي، في 28 فبراير/ شباط الماضي، على أزيز حرب ضارية، شاملة، شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في إطار ما تُعرف بعملية "الغضب الملحمي". ومع الأيّام، تتّضح بحسب مراقبين ملامح "مُجافاة للواقع" في غرف التخطيط لهذه الحرب والتفاعل معها في طهران، كما في واشنطن وتل أبيب؛ فقد بُنيت هذه الحرب على جملة من الحسابات الخاطئة التي لم تكتفِ بتجاوز القانون الدولي، بل تجاهلت مُعطيات التاريخ والجغرافيا وطبيعة الاجتماع السياسي في المنطقة. ولذلك تجلّيات عدّة وتداعيات جمّة. من الناحية الاستخبارية، قدّرت إيران أنّها قد تداركت أخطاء حرب الـ12 يوماً التي شنّتها عليها إسرائيل في الصيف الماضي، وأنّها أمّنت قياداتها، ومواقعها العسكرية والنووية بإحكام بعدما أعدمت عشراتٍ اتّهمتهم بالعمالة للخارج، فيما زجّت آلاف المحتجّين على سياسات النظام في السجون، وظنّت أنّ تعقّب المعارضين واعتماد بعض التدابير الوقائية كفيل بحماية قادتها، ويبدو أنّ ذلك التقدير لم يكن في محلّه. فقد تمكّنت الأجهزة الاستخبارية الأميركية والإسرائيلية من اختراق أحزمة التحصين الإيرانية واغتيال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي وقيادات عديدة وازنة في إيران في اليوم الأول للحرب، معوّلة في هذا على تقنيات الجوسسة الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي، وعلى معلومات من الداخل الإيراني. ما دلّ على فشل طهران نسبيّاً في تأمين فضاءيها السيبراني والميداني، ويفسّر مراقبون ذلك الارتخاء الأمني ـ الاستخباري باطمئنان بعض أصحاب القرار في إيران إلى تقدّم المفاوضات بشأن المشروع النووي واحتمال التوصّل إلى اتفاق شامل مع الولايات المتّحدة في هذا الخصوص، واستبعادهم حصول هجوم أميركي ـ إسرائيلي مشترك، وشيك، وهو ما جعل بعضهم يتصرّف بأريحية، على نحو سهّل رصد حركتهم واستهدافهم بغْتة. وفي سياق الرد، قصف الحرس الثوري الإيراني مواقع حيوية ومنشآت مدنية، وبُنى تحتية وقواعد عسكرية في بلدان الخليج العربي، وتعلّل بأنّه يستهدف المصالح الأميركية. وهذا التقدير لا يسلم لأصحابه، فما حصل انتهاك لسيادة تلك الدول، وتهديد لاستقرارها الأمني وازدهارها الاقتصادي. والثابت أنّ دول الجوار العربي قد دعت إلى حلّ تفاوضي لمسألة النووي الإيراني، وحثّت الحليف الأميركي على استبعاد أيّ تدخّل عسكري في المنطقة، وبذلت جهوداً بيّنة لتفعيل الدبلوماسية الناعمة في هذا الخصوص. لذلك يعتبر فتح جبهة مواجهة مع الخليج العربي من الجانب الإيراني خطوة غير محسوبة العواقب، ذلك أنّها تساهم في إشاعة مناخ عدم الثقة بين طهران وجيرانها العرب. كما تؤدّي عمليّاً إلى إثارة النعرات الطائفية، وخسارة إيران دعم الأغلبية السنية في المنطقة، وتزايد عزلتها الدبلوماسية إقليمياً ودولياً. وبدا واضحاً أنّ دول الخليج العربي لزمت سياسة ضبط النفس إزاء الهجمات الإيرانية، وهو خيار رشيد، يجنّب المنطقة مخاطر الوقوع في فخّ حرب دامية شاملة. التفاف طيْف معتبر من الإيرانيين حول الجماعة الحاكمة وخروج كثيرين للتظاهر تأييداً لها رغم تدهور الأوضاع المعيشية والحقوقية في البلاد على الجهة المقابلة، جرت العملية العسكرية التي شنّتها الإدارة الأميركية وحكومة نتنياهو ضدّ النظام في طهران خارج أُطر للقانون الدولي بحسب أهل الاختصاص. فاتّخاذ قرار الحرب جرى من دون تفويض من مجلس الأمن، ومن دون غطاء صريح من الأمم المتحدة. كما أنّ انخراط واشنطن في الحرب أثار جدلاً داخل الولايات المتحدة باعتباره حصل من دون مصادقة واضحة من الكونغرس، وألقى هذا بظلاله على مدى شرعية الحرب وطبيعة خلفياتها السياسية وأهدافها الاستراتيجية. والمرجّح أنّ بعض الفاعلين في دوائر صناعة القرار في إسرائيل والولايات المتحدة قد قدّروا أنّ ضربة عسكرية واسعة ضدّ إيران، يمكن أن تفرض واقعاً جديداً يدفع المجتمع الدولي إلى التكيّف مع مْخرجاته لاحقاً. غير أن هذا التقدير يتجاهل أنّ النظام الدولي اليوم أكثر تعدّدية مما كان عليه في عقود سابقة، فقُوى وازنة مثل الاتحاد الأوروبي، وبريطانيا، والصين وروسيا، ودول مجلس التعاون الخليجي، تميل إلى معارضة الحروب الأحادية التي تُشنّ خارج إطار الشرعية الدولية. وعلى صعيد متَصل، جرى استحضار نموذج فنزويلا، ومحاولة إسقاطه على الحالة الإيرانية، وذهب الظنّ إلى أنّ القضاء على المرشد خامنئي سيؤدّي إلى انفراط عقد المنظومة الحاكمة في إيران وحدوث فراغ في السلطة، يُمكن تداركه بظهور حكومة جديدة موالية لواشنطن كما حصل في كاراكاس بعد الإطاحة بنيكولاس مادورو. لكنّ الواقع خلاف ذلك في طهران. ذلك أنّ الدولة القائمة هناك ذات طبيعة عقائدية، فالنظام السياسي لا ينبني فقط على رموز قيادية ومؤسّسات بيروقراطية تقليدية، بل يرتكز أيضاً على منظومة أيديولوجية مغلقة، تتداخل فيها المرجعيات الدينية والقومية والعسكرية مع البنية السياسية للدولة، فالمؤسّسة العسكرية، بما فيها الحرس الثوري، ذات حضور وازن في المشهد العام وفي اقتصاد البلاد كما في جلّ المفاصل الحيوية للدولة، وهو قوّة مؤثّرة في دوائر صناعة القرار في البلاد. وبناء عليه، لم يؤدّ تغييب رأس النظام إلى سقوط النظام في إيران، بل جرى امتصاص تلك الصدمة سريعاً، وتصعيد وجوه جديدة لمواصلة قيادة البلاد على نهج الإمام الراحل مع تمام الولاء للمؤسّسة العسكرية. اتّخاذ قرار الحرب جرى من دون تفويض من مجلس الأمن، ومن دون غطاء صريح من الأمم المتحدة وكان الرهان من منظور أميركي ـ إسرائيلي على أنّ اغتيال خامنئي، وشخصيات قيادية بارزة، وتشديد القصف على مؤسسات حيوية وبُنى تحتية ومرافق مدنية وأمنية، سيُفضي إلى خروج الناس وانتفاضتهم ضدّ المنظومة الدينية الحاكمة. لكنّ هذا لم يتحقّق. والمشهود التفاف طيْف معتبر من الإيرانيين حول الجماعة الحاكمة وخروج كثيرين للتظاهر تأييداً لها رغم تدهور الأوضاع المعيشية والحقوقية في البلاد. ويمكن تفسير هذا من منظور أنثروبولوجي بأنّ خامنئي في اعتقاد الشيعة الإثني عشرية هو آية الله وبقيّة النبي، وأفضل الخلْق بعده، وهو مرجع التشريع والفتوى، الولاية له لازمة، وطاعته واجبة، والتمسك به أمان من الضياع. وفي مقتله استهداف لشخصية مقدّسة في الوعي الجمعي الشيعي، وتهديد لوجود الجماعة واستمرارها. لذلك انتفضوا لأجله وطالبوا بالثأر له. وجرى في هذا السياق استحضار صورة الشهيد وسردية المظلومية. فأصبح بذلك اغتياله عامل تحشيد وتعبئة لصالح النظام لا سبباً في انهياره. والثابت أنّه لا يمكن تحرير شعب من الاستبداد تحت وابل من القنابل. لذلك قدّر عدد معتبر من الإيرانيين أنّهم في مواجهة غزو خارجي، يروم تقسيم البلد والاستيلاء على ثرواته، وأنّ المطلوب الوحدة في زمن المحنة وتأجيل الخلافات مع النظام. عسكرياً، بنى الجانب الأميركي الإسرائيلي قياساته على "حرب الـ12 يوماً"، مفترضاً أن ضربات جوية خاطفة ستشلّ قدرات الخصم في ساعات. ولم يتوقّع ردة الفعل الفورية والواسعة التي انتقلت بمقتضاها إيران من "الصبر الاستراتيجي" و"الرد المنضبط" إلى الهجوم المباشر على جبهات متعددة، وفق بنك أهداف محدّد سلفاً، معتمدة استراتيجية الهجوم الموزَّع والدفاع المتنقّل، مستهدفة إسرائيل ودول الجوار والمصالح الأميركية في الإقليم، ولم ينحصر الصراع داخل حدودها الوطنية، بل امتدّ عبر شبكة من القوى المتحالفة معها في المنطقة، وهو ما ساهم في توسيع بؤر الاشتباك والتوتّر. بنى الجانب الأميركي الإسرائيلي قياساته على "حرب الـ12 يوماً"، مفترضاً أن ضربات جوية خاطفة ستشلّ قدرات الخصم في ساعات اقتصادياً، دخل العالم في حالة من عدم اليقين، فقد ارتفعت كلفة الحرب إلى مستويات فلكية، وبدا أنّ تهديد إيران "بحرب النفط والغاز" لم يكن مجرّد خطاب بلاغي، بل أصبح واقعاً فعلياً مع غلق مضيق هرمز، وتعطيل سلاسل الإمداد بالغذاء والدواء والطاقة، وهو ما جعل وضع الاقتصاد الدولي على حافّة الهاوية. ومعلوم أنّ الحروب الحديثة لا تُقاس فقط بعدد الطائرات أو الصواريخ، بل أيضاً بقدرة المجتمعات على تحمّل آثارها النفسية والاقتصادية. ومدار السؤال هنا حتّى متى تستمرّ معاناة المدنيين؟ حتى متى سيبقى الإسرائيليون في الملاجئ؟ وحتّى متى سيظلّ دافع الضرائب الأميركي والإسرائيلي يُموّل حرباً لم تتمّ استشارته بشأنها؟ وحتى متى ستبقى شركات الطيران في المنطقة مغلقة وحركة الملاحة الجوية والبحرية معطّلة؟ ختاماً، الحرب شرّ محض. فهي قد تبدأ بوعود النصر السريع، لكنّها كثيراً ما تنتهي بخسائر موزّعة بين جميع الأطراف المتنازعة. من هنا تبدو الحكمة في القدرة على النزول من فوق الشجرة قبل أن ينكسر الغصن بالجميع. فالتراجع التكتيكي أو القبول بتسوية سياسية لا يعني بالضرورة الهزيمة، بل قد يكون أحياناً التعبير الأكثر واقعية في فهم تعقيدات الحرب الحالية وتفادي تداعياتها الوخيمة. والمعوّل هنا على براغماتية الرئيس دونالد ترامب، وعلى جهود الدول الوسيطة لتأمين حلّ تفاوضي لهذه الجولة الجديدة من الصراع الدامي في الشرق الأوسط، ووضع حدّ لمعاناة المدنيين وفتح أفق لمرحلة أكثر استقراراً وازدهاراً. فشعوب المنطقة التي عاشت طويلاً ويلات حروب عبثية، تحتاج الآن إلى سلام عادل أكثر ممّا تحتاج انتصارات عسكرية وهمية عابرة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows