Arab
يحيي الفلسطينيون، اليوم الاثنين، ذكرى يوم الأرض الـ50، وسط تحديات غير مسبوقة. وتبدو ذكرى العام الحالي مختلفة كثيراً عن الحقبة التي سبقت الحرب الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت قطاع غزة، نظراً لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي على نحو 53% من مساحة القطاع الذي أصبح ركاماً بعد عامين من الحرب. وسعى الاحتلال خلال الإبادة لتطبيق سلسلة من الخطط المرتبطة بالأرض، لعل من أبرزها "خطة الجنرالات" شمالي القطاع، الرامية إلى تهجير سكان المنطقة، والفقاعات الإنسانية التي تعتمد على عصابات متعاونة ووجود للعائلات بعد عمليات فحص أمني. وإلى جانب ذلك، حضر نموذج "ريفييرا غزة" المطروح من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرامي إلى نزع سلاح غزة، والسيطرة عليها وإنشاء مشاريع اقتصادية بالمليارات من خلال "مجلس السلام" الذي يشرف عليه.
على الرغم من طرح هذه المشاريع والتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أن أياً منها لم يرَ النور وسط رفض الفلسطينيين الخروج من أرضهم وتمسكهم بإعادة إعمار ما دمرته الحرب، على الرغم من التهديدات الإسرائيلية المتكررة بشأن العودة للحرب حال عدم نزع السلاح. وبالتوازي مع ذلك، تحضر بعض المشاريع والنداءات التي أطلقها بعض الوزراء المتطرفين في الحكومة الإسرائيلية مثل إيتمار بن غفير وبتسئليل سموتريتش، الداعين إلى عودة الاستيطان وتهجير الفلسطينيين إلى الخارج.
حازم قاسم: التاريخ أثبت عجز الاحتلال عن اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم
ذكرى يوم الأرض الـ50
وبمناسبة يوم الأرض الـ50، قال المتحدث باسم حركة حماس حازم قاسم، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن ما يجري في قطاع غزة "لم يعد يحتمل التأويل"، مشيراً إلى أن الاحتلال الإسرائيلي نفّذ عمليات تدمير شاملة طاولت مدناً بأكملها، ضمن مخطط واضح يهدف إلى تهجير الفلسطينيين من القطاع. وأوضح قاسم أن سياسات التجويع الممنهجة، إلى جانب القتل المستمر وتدمير ما تبقّى من المنازل، تعكس توجهاً منظماً لفرض واقع جديد في غزة، مضيفاً أن "هذه المرة نحن أمام واحدة من أخطر مراحل الصراع على الأرض الفلسطينية"، في ظل دعم أميركي واضح، مقابل حالة ضعف وتشتت غير مسبوقة في الموقف العربي، ما يهيئ الظروف لإنفاذ "المشروع الصهيوني". وأكد قاسم، بمناسبة يوم الأرض الـ50، أن التاريخ أثبت عجز الاحتلال عن اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، على الرغم مما تحقق من تهجير خلال نكبة عام 1948 وبعض محطاته اللاحقة، مشدداً على أن الشعب الفلسطيني بات أكثر تمسكاً بأرضه، إدراكاً لتداعيات اللجوء على هويته ومستقبل قضيته. وقال: "نحن على يقين بأن نهاية هذه المعركة ستكون انتصار شعبنا ببقائه وصموده على أرضه".
ولفت قاسم إلى أهمية الموقف العربي، وخصوصاً المصري، في مواجهة هذه المخططات، معتبراً أن الموقف المصري "كان واضحاً وحاسماً في رفض التهجير"، وأسهم إلى جانب صمود الفلسطينيين في عرقلة هذا المشروع. ونبّه كذلك إلى أن الاحتلال يعمل بشكل ممنهج على إعادة تشكيل قطاع غزة ديمغرافياً وجغرافياً، بل وحتى على مستوى التضاريس، من خلال تدمير المناطق الحدودية والشرقية بالكامل، وما يحدث في رفح من "تدمير للعمران وقتل للإنسان"، في محاولة لتحويل القطاع إلى أرض خالية من مظاهر الحياة. ووفق قاسم، يسعى الاحتلال لفرض واقع جديد عبر السيطرة على أجزاء واسعة من القطاع، مع إعلان عدم الانسحاب منها، بالتوازي مع سياسات التجويع لدفع السكان نحو الهجرة، مشيراً إلى أن ما يجري "عملية متكاملة لإعادة رسم غزة على مختلف المستويات، بهدف محو تاريخها وواقعها السكاني". وشدّد قاسم على أن الصراع الدائر في فلسطين، سواء في غزة أو الضفة الغربية أو القدس المحتلة، بات "صراعاً وجودياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى"، في ظل سياسات التهجير والضم والمصادرة، التي تمتد إلى مختلف المناطق الفلسطينية.
أما المتحدث باسم حركة الجهاد الإسلامي محمد الحاج موسى، فقال بمناسبة يوم الأرض الـ50 لـ"العربي الجديد"، إن الصراع على الأرض في فلسطين "كان ولا يزال معركة وجودية منذ بداية المشروع الصهيوني"، باعتباره مشروعاً استيطانياً إحلالياً يقوم على السيطرة على الأرض وطرد سكانها الأصليين بمختلف الوسائل، بما في ذلك المجازر وحروب الإبادة. وأوضح الحاج موسى أن هذا الطابع الوجودي لا يقتصر على قطاع غزة، بل يشمل الضفة الغربية والقدس المحتلة والمناطق المحتلة عام 1948، إضافة إلى أي مناطق يمكن أن يصل إليها جيش الاحتلال، مشيراً إلى أن الفكرة الصهيونية قامت أساساً على مقولة "أرض بلا شعب"، التي مهّدت لتهجير الفلسطينيين من أرضهم. وأضاف أن المرحلة الحالية تمثل امتداداً لمراحل الصراع السابقة، لكنها تتسم بمحاولة الاحتلال ترويج إمكانية تهجير سكان قطاع غزة إلى خارجها وخارج فلسطين، في مسعى لحسم الصراع على الأرض، وهو ما لم يتمكن من تحقيقه تاريخياً.
وأكد الحاج موسى أن توصيف الصراع كـ"معركة وجودية" يعكس جوهر الواقع، لافتاً إلى مؤشرات ميدانية، من بينها رفض حكومة الاحتلال الانسحاب من مناطق تصفها بخطوط حدودية جديدة، إضافة إلى سياسات مماثلة في مناطق أخرى كجنوب سورية وجنوب لبنان. وشدّد على أن الأرض تمثل جوهر الصراع، معتبراً أن "الوجود ذاته مرتبط بها، والسيطرة عليها تعني حسم الصراع"، وهو ما يجعلها أولوية تتقدم على باقي الملفات، رغم أهميتها. وفي ما يتعلق بإمكانية حسم الصراع، قال الحاج موسى إن الاحتلال فشل في تكرار تجربة التهجير الواسع التي وقعت عام 1948، بفضل صمود الفلسطينيين وتمسكهم بأرضهم، مشيراً إلى أن العوامل الدولية، سواء القانونية أو السياسية، لم تنجح في إلزام الاحتلال أو توفير الحماية للفلسطينيين.
من جانبه، قال الكاتب مصطفى إبراهيم بمناسبة يوم الأرض الـ50 إن إسرائيل لم تتراجع يوماً عن أهدافها منذ النكبة، بل إن هذه الأهداف تعود إلى نشأة الحركة الصهيونية ذاتها، التي قامت على فكرة الهجرة باعتبارها أداة للسيطرة على الأرض وتهجير الفلسطينيين. وأضاف إبراهيم لـ"العربي الجديد" أن ما جرى عام 1948 شكّل التطبيق الأبرز لهذه الرؤية، من خلال الطرد والتهجير ومحو القرى الفلسطينية، لافتاً إلى أن إسرائيل عبّرت لاحقاً عن "ندمها" لعدم استكمال تهجير من تبقّى من الفلسطينيين داخل أراضي 1948، وهو ما يفسر استمرار سياساتها حتى اليوم في قضم الأرض والتوسع الاستيطاني.
وأشار إبراهيم إلى أن المشاريع الاستيطانية لم تتوقف يوماً، وهي ليست مرتبطة بأسماء وزراء بعينهم مثل إيتمار بن غفير أو بتسلئيل سموتريتش، بل تمثل نهجاً ثابتاً تتبناه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بما فيها حكومات حزب العمل سابقاً، وصولاً إلى حكومات اليمين والليكود، مؤكداً أن جميعها "حكومات استيطان" تسابق الزمن للسيطرة على الأرض.
إلى ذلك، قال الكاتب إياد القرا، إن عملية "طوفان الأقصى" أعادت طرح الصراع في صورته الجوهرية بوصفه صراعاً حقيقياً على الأرض، وربما للمرة الأولى منذ سنوات طويلة يظهر بهذا الوضوح والحدة، بعيداً عن أي تقييمات سياسية متباينة للعملية ذاتها. وأوضح القرا في حديث لـ"العربي الجديد" أن ما ميّز هذه المرحلة، بروز فعل مقاوم فلسطيني قائم، ولو بشكل جزئي ومؤقت، على فكرة السيطرة على أجزاء من الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1948، وهو ما يعكس حضوراً متجدداً لفكرة التحرر، على الرغم مما تشهده الساحة من استعلاء إسرائيلي متواصل في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس وأراضي الداخل.
محمد الحاج موسى: الاحتلال فشل في تكرار تجربة التهجير الواسع التي وقعت عام 1948
استيطان وتفتيت المجتمع الفلسطيني
وأشار القرا إلى أن السياسات الإسرائيلية، من استيطان متواصل في الضفة الغربية، وتفتيت المجتمع الفلسطيني في الداخل، وتسارع عمليات تهويد القدس، لم تتوقف يوماً، لكنها اليوم أصبحت أكثر انكشافاً أمام العالم، ما يجعل هذه المرحلة "مرحلة كاشفة" لطبيعة المشروع الإسرائيلي. وأضاف أن ما يجري حالياً، خصوصاً مع تزامنه مع ذكرى يوم الأرض الـ50، يعكس اشتعال بؤر الصراع الأساسية في غزة والضفة والقدس المحتلة، لافتاً إلى أن هذه الموجة قد تكون الأطول زمنياً، إذ دخلت عامها الثالث بأشكال مختلفة من المواجهة، مقارنة بانتفاضتي الأقصى والحجارة اللتين شهدتا تحولات زمنية محددة قبل أن تتخذا مسارات مختلفة.
وبيّن القرا أن إسرائيل تسعى لفرض وقائع ميدانية جديدة، خصوصاً في الضفة الغربية والقدس المحتلة وأراضي 1948، ويمتد ذلك إلى محيطها الإقليمي في لبنان وسورية، انطلاقاً من قناعة استراتيجية لديها بأن السيطرة على الأرض هي جوهر الهيمنة، بعد أن عززت تفوقها الجوي بدعم أميركي. ووفق القرا، فإن إسرائيل تنظر إلى هذه الحرب باعتبارها "حرباً وجودية"، وهو ما يفسر توظيفها لمفردات دينية وتاريخية في توصيفها، غير أن الواقع الميداني يظهر أنها تواجه تحديات متزايدة، حيث تتعرض لضربات متتالية، وتواجه عزلة دولية وإقليمية متنامية، ما يضعف قدرتها على تحقيق سيطرة مستدامة على الأرض.

Related News
الرئيس الصيني يدعو زعيمة المعارضة التايوانية لزيارة بكين
al-ain
22 minutes ago
تدوين المجون: سخرية المهمشين من القوالب الجماعية
alaraby ALjadeed
40 minutes ago
الكنيست يقر ميزانية 2026.. زيادة هائلة في الإنفاق العسكري
al-ain
41 minutes ago