Arab
يصعب أن نضع المجون في التراث العربي داخل خانة تصنيف واحدة لنَصِفه بالانحراف الأخلاقي أو اللغوي العابر. ولا يبدو المجون في ظاهره نقيضاً للوقار الأخلاقي كما درجت بعض القراءات المحافظة على تصويره. إننا، حين نتأمله في سياقاته المتعددة، نجد أنفسنا إزاء ظاهرة مركبة، تتشابك فيها اللغة بالسلطة، والضحك بالاحتجاج، والهامش بالمركز. بهذا التركيب يسعى الباحث السعودي، عبد الله بن سليم الرشيد، في كتابه "تدوين المجون في التراث العربي: عرض وكشف وتأويل"، الحائز جائزة الكتاب العربي العام الجاري عن فئة الكتاب المفرد بمجال الدراسات اللغوية والأدبية، إلى تحرير هذا المفهوم من اختزاله الأخلاقي، وقراءته بوصفه وثيقة ثقافية تكشف عن توترات المجتمع العربي في لحظات تحوله.
يبدأ الكتاب (دار كنوز المعرفة، 2021) من ملاحظة تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها ذات دلالة بعيدة؛ إذ يجد ندرة لما دون من المجون في الشعر الجاهلي مقارنة بما سيشهده العصر العباسي لاحقاً. لم يَمِل العربي القديم، في بيئته البدوية، إلى إطلاق العنان للفظ البذيء إلا في سياقات محددة، أبرزها الهجاء، حين يتحول الفحش إلى أداة صراع قبلي، وإلى وسيلة للنيل من الخصم في ميدان رمزي لا يقل خطورة عن ميدان القتال. ومع ذلك، ظل هذا الاستخدام مقيّداً بحدود الجماعة، ومحكوماً بمنظومة من القيم التي ترى في نجاسة اللسان خروجاً عن المروءة.
تحوّل المجون إلى ظاهرة مع توسّع الحياة الحضرية
غير أن هذا التوازن بدأ يتصدع مع انتقال المجتمع العربي من فضاء البداوة إلى فضاء الحواضر الكبرى، مثل بغداد والبصرة والكوفة. هنا، لم يعد المجون مجرد أداة هجاء، بل تحول إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية قائمة بذاتها. لقد أفرزت المدينة، بما تنطوي عليه من تنوع طبقي واحتكاك ثقافي، أنماطاً جديدة من التعبير، كان من بينها هذا الانفلات اللغوي الذي لا يخلو من دلالة. ويبدو أن المجون شكلٌ من أشكال إعادة ترتيب العالم رمزياً، حيث تختلط الحدود بين الجاد والهزلي، ويتعرض المقدس ذاته لنوع من التدنيس المؤقت.
الكرنفال العربي
يمكن فهم المجون العباسي بوصفه ما يشبه الفضاء الكرنفالي، حيث تُعلّق القيم الرسمية، وتُتاح للإنسان فرصة قول ما لا يُقال في الظروف العادية. ولا تُبنى أهمية هذا الفضاء على لحظة انفلات إنما على ما يكشفه من توتر كامن بين الخطاب الرسمي، الذي يسعى إلى ضبط اللغة والسلوك، وبين خطاب شعبي يقاوم هذا الضبط عبر السخرية والمبالغة والتجريح.
أما المفارقة التي يلح عليها الرشيد، والتي تستحق التوقف عندها، هي أن هذا الخطاب المنفلت لم يبق حبيس التداول الشفهي، إذ وجد طريقه إلى كتب العلماء والفقهاء واللغويين. كيف يمكن تفسير هذه الظاهرة؟ كيف ساغ لرجال عُرفوا بالتحفظ والصرامة أن يُضمِّنوا مؤلفاتهم نصوصاً تُعدّ، وفق المعايير الأخلاقية، خادشة أو مبتذلة؟
ملوحة البذاءة علاجاً لملل اليقين
يستدعي الرشيد هنا مفهوم "الإحماض"، تلك الشهوة القديمة لتبديل طعم الجد بملوحة الهزل بقصد الترويح عن النفس. كان العرب يرون أن النفس، مثل الجسد، تحتاج إلى تنويع غذائها، وأن الإفراط في الجدية يؤدي إلى الملل. يتجاوز الإحماض، في سياق التدوين، كونه مجرد استراحة أسلوبية؛ إذ يتحول إلى جزء من بنية الكتابة ذاتها، وإلى آلية لاستيعاب أنماط مختلفة من الخطاب.
قَبِله اللغويون بوصفه مادة معرفية رغم رفضه أخلاقياً
لكن الأمر لم يقف عند المدوّنين عند حدود التسلية. فاللغوي، على سبيل المثال، لا يستطيع أن يتجاهل نصاً لمجرد أنه فاحش، إذا كان هذا النص يحتوي على مادة لغوية غنية. وهنا يتجلى أحد أوجه المفارقة في الثقافة العربية الكلاسيكية، فما يُرفض أخلاقياً قد يُقبل معرفياً. لقد وجد اللغويون أنفسهم مضطرين إلى نقل أشعار أبي نواس، لا إعجاباً بمضامينها بالضرورة، بل لأن اللغة التي تحملها تمثل جزءاً لا يمكن إقصاؤه من المعجم الحي. ويمكن القول إن المجون يكسر القيد في اللحظة التي يسكب فيها مادة اللغة داخل المعجم. إن هذا التوتر بين الرفض والاحتضان يكشف عن مرونة في الذهنية التراثية، تسمح باستيعاب التناقض بدل السعي إلى حسمه.
التشنيع الرمزي وتعرية السلطة
يتخذ المجون بُعداً آخر حين نضعه في سياق الصراع السياسي. فالنصوص التي تتضمن سخرية من الخلفاء أو الولاة، أو التي تصور بعض الشخصيات العامة في صورة هزلية، لا يمكن قراءتها على أنها مجرد طرائف. إنها، في كثير من الأحيان، تمارس نوعاً من التشنيع الرمزي، حيث يُستخدم الضحك لتقويض الهيبة، ويُستدعى الفحش لتعرية السلطة. إن تدوين مثل هذه الأخبار لا يخلو من دلالة؛ فهو يشير إلى وجود مساحة، ولو محدودة، يمكن من خلالها تداول خطاب نقدي لا يصرح بنفسه مباشرة.
ولا يبتعد هذا الاستخدام عن ظواهر مماثلة في ثقافات أُخرى، حيث تلجأ الفئات المهمشة إلى السخرية لمواجهة البنى الصلبة للسلطة. وتبرز خصوصية المجون العربي في اندماجه داخل بنية الثقافة المدوَّنة نفسها، بدلاً من أن يبقى خارجها. فالنص الماجن لا يُقصى، بل يُدرج، ويُعلّق عليه، ويُستفاد منه، في حركة تكشف عن دينامية داخلية في الثقافة.
أرشيف الظل وحكايات من لا سلطة لهم على التدوين
يمكن الانتقال إلى دور الهامش في تشكيل المعرفة؛ فالمجون، بما يتضمنه من حكايات عن المجَّان والمعربدين وأصحاب الحيل، يفتح نافذة على عوالم لا تحضر عادة في كتب التاريخ الرسمي. إنه يتيح لنا رؤية تفاصيل الحياة اليومية، وأنماط العيش، واللغة المتداولة بين فئات لا تملك سلطة التدوين. يغدو المجون أرشيفاً غير رسمي للمجتمع، يحتفظ بما تسقطه السرديات الكبرى.
ولعل هذا ما يفسر حضور هذا النوع من المواد في كتب الأدب عند الجاحظ، الذي لم ير حرجاً في نقل نوادر العامة وبذاءاتهم، ليس بدافع الإثارة، بل بدافع الفهم، لقد أدرك الجاحظ أن اللغة لا تُختزل في خطاب النخبة، وأن الحيوية الحقيقية تكمن في تعدد مستوياتها. ومن ثم، فإن تدوين المجون يصبح، في أحد وجوهه، محاولة لالتقاط هذه الحيوية، وتوسيعاً لأفق الكتابة الأدبية.
امتد حضوره من الحكاية إلى النقد الأدبي وأحكامه
يشير الرشيد إلى عامل "شهوة التصنيف" بوصفه أحد الدوافع التي أسهمت في انتشار المجون داخل الكتب. فالمصنِّف القديم لم يسعَ إلى الاقتصاد، بل إلى الاستقصاء. لقد ارتأى أن قيمة كتابه تقاس بقدر ما يجمع من مواد، وبقدر ما يحيط بالموضوع من جوانبه كلها. ولا يُستبعد أن يدرج أخباراً أو أشعاراً تبدو هامشية، لكنها، في نظره، تكمل الصورة. هذا الميل إلى الاستطراد جزءاً من منطق الكتابة في ذلك العصر، حيث تتجاور الموضوعات، وتتداخل الحكايات، ويُفسح المجال للقارئ كي ينتقل بين مستويات مختلفة من الخطاب. يؤدي المجون وظيفة جمالية أيضاً، إذ يكسر رتابة السرد، ويضخ قدراً من المفارقة داخل النص.
ولم يقتصر حضور المجون على السرد والحكاية، إنما امتد إلى مجال النقد الأدبي نفسه. فبعض الأحكام التي أطلقها النقاد القدماء على الشعراء لا تخلو من حدة لفظية تصل إلى حد الفحش. لكن هذه الحدة تفهم في سياق التعبير عن ذائقة نقدية تحتفي بالجرأة والصدق، حتى لو تجلت في صورة صادمة. أما المفاضلة بين شاعر وآخر فقد تُصاغ بلغة جارحة، تكشف عن معايير جمالية مختلفة، ترى في القدرة على التأثير معياراً يتقدم على الاعتبارات المجتمعية الرسمية أو الأخلاقية.
تُلمِّح الدراسة إلى إعادة النظر في العلاقة بين الأدب والأخلاق في التراث العربي. فالمجون لا يُقصي النص من دائرة الأدب، بل قد يكون، في بعض الحالات، عنصراً من عناصر قوته. فالجرأة اللغوية حين تقترن بمهارة التعبير، قد تُنتج أثراً لا يمكن تجاهله، حتى لو أثارت حرجاً لدى المتلقي، وفي كشف الوجه الآخر، قد تظهر منطقة تتخفى فيها التوترات، وتظهر فيها الأصوات التي لا تجد مكانها في الخطاب الرسمي. أما قراءة المجون بوصفه احتجاجاً فلا تعني بالضرورة أنه كان مشروعاً واعياً للتغيير، وهذا ما يؤكده المدونون، إذ قد يصير في أحيان كثيرة تعبيراً عفوياً عن ضيق أو سخرية أو رغبة في اللعب باللغة. لكن هذا لا ينفي أنه يؤدي وظيفة نقدية، من خلال زعزعة اليقين، وكشف الهشاشة الكامنة في البنى الصلبة.
يبدو تاريخ المجون ظلّاً طويلاً يتبع الوقار العربي أينما حل، فلا يكتمل بياض الثوب إلا بسواد هذا الظل. إنَّ ما كشفه عبد الله بن سليم الرشيد رصدٌ للحظة حرجة يرتدي فيها إنسانُ الهامش لغته كي يواجه بها قوالب الجماعة. قد يقرأ تدوين المجون على أنه بحثٌ عن مسافاتٍ للمناورة داخل نظامٍ قيمي شديد الصرامة. وقد يصير تذكيراً بأنَّ الثقافة لا تُبنى فقط بالهتافات والخطب العصماء التي تُقال بصوتٍ عالٍ، إنما تكتمل بما تهمس به الصدور، أو تضحك منه الأفواه في الخفاء، أو حتى بما نخجل من الاعتراف به، ونحن ننظر في المرآة.
* ناقدة ومترجمة مصرية
