دول تدخل سباق تسلّح وترفع الإنفاق العسكري
Arab
1 hour ago
share
تتجه موازنات الدفاع لدول كبرى نحو إعادة تشكيل غير مسبوقة، مدفوعة بتداعيات الحرب في المنطقة وتصاعد التوترات الجيوسياسية، حيث تشير تقارير دولية إلى أن العالم يدخل مرحلة جديدة من سباق التسلّح يتسم بتباين واضح في الوتيرة بين القوى الكبرى. فبينما تتسارع الدول الأوروبية في رفع إنفاقها العسكري وتعزيز قدراتها الدفاعية، تتجه الولايات المتحدة إلى إعادة توزيع أعبائها الاستراتيجية، في مشهد يعكس انتقال مركز الثقل في الإنفاق العسكري عبر الأطلسي. وساهم اندلاع الحرب في إعادة ترتيب أولويات الإنفاق لدى الحكومات، بعد أن كشفت هشاشة سلاسل الإمداد وعمق الترابط بين الأمن والطاقة والاقتصاد. وتشير التقارير إلى أن اضطراب تدفقات النفط، وارتفاع مستويات المخاطر الجيوسياسية، دفعا الدول إلى تسريع خطط تعزيز قدراتها العسكرية، تحسباً لاتساع نطاق الصراع أو امتداده إلى مناطق أخرى، وهو ما انعكس في زيادة واضحة في الإنفاق الدفاعي، وإعادة توجيه الموارد نحو الأمن. أوروبا تتصدر موجة إعادة التسلّح وفي هذا السياق، برزت أوروبا بوصفها المحرك الرئيسي لموجة التسلّح الجديدة، كما أظهرت بيانات حلف شمال الأطلسي. وقال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، الخميس الماضي، إن الحلفاء الأوروبيين وكندا زادوا إنفاقهم الدفاعي بنسبة 20% في عام 2025 مقارنة بالعام السابق بالقيمة الحقيقية، داعياً الدول الأعضاء إلى الحفاظ على هذا الزخم.  وأضاف روته، في التقرير السنوي للحلف: "أتوقع أن يُظهر الحلفاء في القمة المقبلة للناتو في أنقرة أنهم يسيرون على مسار واضح وموثوق نحو هدف 5%"، مؤكداً أن "الرابطة عبر الأطلسي تظل ضرورية في عصر يتسم بعدم اليقين العالمي". وأوضح أن "جميع الحلفاء أبلغوا العام الماضي عن مستويات إنفاق دفاعي تفي أو تتجاوز هدف 2% الذي جرى تحديده لأول مرة في عام 2014، مع قيام العديد منهم بزيادات كبيرة في الإنفاق".  وفي المقابل، واصل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الضغط على شركاء الناتو لزيادة إنفاقهم الدفاعي بشكل كبير، معتبراً أن الحلفاء الأوروبيين يجب أن يتحملوا المسؤولية الأساسية عن الدفاع التقليدي للقارة. وانتقد ترامب دول الناتو، قائلاً في منشور عبر منصة تروث سوشيال إن دول الحلف لم تفعل "أي شيء على الإطلاق" للمساعدة في أزمة إيران، مضيفاً: "الولايات المتحدة لا تحتاج شيئاً من الناتو، لكن لا تنسوا هذه اللحظة المهمة للغاية". وكان قادة الناتو قد اتفقوا في قمة العام الماضي على رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، بحيث يجري تخصيص 3.5% للإنفاق العسكري الأساسي مثل القوات والأسلحة، و1.5% لإجراءات مرتبطة بالدفاع مثل الأمن السيبراني وحماية البنية التحتية وتحديث الطرق والجسور لتناسب المعدات العسكرية الثقيلة. ووفقاً للتقرير السنوي لحلف شمال الأطلسي، تجاوزت ثلاث دول أعضاء في الناتو (بولندا وليتوانيا ولاتفيا) بالفعل هدف 3.5% العام الماضي، بينما وصلت دول أخرى مثل إسبانيا وكندا وبلجيكا إلى مستوى 2%. وبشكل إجمالي، بلغ متوسط إنفاق دول الحلف البالغ عددها 32 دولة نحو 2.77% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع في عام 2025. كما شكّلت الولايات المتحدة نحو 60% من إجمالي الإنفاق الدفاعي للحلف خلال العام نفسه، ما يعكس استمرار اعتماد الناتو الكبير على القدرات الأميركية في تمويل المنظومة الدفاعية.  عودة الدفاع ضرورة وبحسب بيانات نشرها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في تقريره السنوي "التوازن العسكري 2026"، بلغ الإنفاق الدفاعي العالمي مستوى قياسياً عند 2.63 تريليون دولار العام الماضي. إلا أن هذا الرقم يخفي تبايناً متزايداً، إذ تتراجع واشنطن نسبياً بينما تواصل العواصم الأوروبية زيادة إنفاقها، بحسب "فاينانشال تايمز". وارتفع الإنفاق الدفاعي العالمي بنسبة 2.5% فقط بالقيمة الحقيقية في عام 2025، وهو تباطؤ حاد مقارنة بمعدلات نمو قاربت 10% سنوياً في السنوات التي تلت الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022. ولا تزال الولايات المتحدة أكبر منفق عسكري في العالم بفارق كبير، إذ تمثل 36% من إجمالي الإنفاق الدفاعي العالمي في 2025. إلا أن خفضاً بنسبة 7.1% في إنفاقها بالقيمة الحقيقية ساهم في كبح النمو الإجمالي. وفي المقابل، تواصل أوروبا طفرة التسلح، حيث أصبحت تمثل أكثر من 21% من الإنفاق الدفاعي العالمي، مقارنة بـ17% في عام 2022. ويعزى جزء كبير من هذا الارتفاع إلى ألمانيا، وفق التقرير. وقالت "فاينانشال تايمز" إن الحرب في المنطقة، والغزو الروسي لأوكرانيا، والتحديث العسكري الصيني، أعاد الدفاع إلى صدارة الأولويات، بعد أن كان خياراً في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. صدمة طلب عسكرية وأشار تحليل نشره موقع شيناري إكونوميشي الإيطالي، إلى أن العالم يواجه صدمة طلب عسكرية واسعة، مع ارتفاع غير مسبوق في احتياجات الذخائر والأنظمة الدفاعية نتيجة الحروب الجارية. غير أن التحدي لا يكمن في التمويل، بل في القدرة على الإنتاج، حيث تواجه الصناعة الدفاعية صعوبات في تلبية الطلب المتزايد، بعد سنوات من تقليص القدرات الإنتاجية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. وأوضح التحليل أن حلف الناتو يواجه مشكلة إنفاق، أو بشكل أدق، مشكلة تحويل السيولة المالية الكبيرة إلى قوة ردع فعلية. قائلاً: "هذه هي المرة الأولى في التاريخ الحديث للحلف التي تحقق فيها جميع الدول الأعضاء -بل وتتجاوز- الهدف المتمثل في تخصيص 2% من الناتج المحلي الإجمالي للدفاع. وهو إنجاز سياسي واضح، احتفى به الأمين العام للحلف مارك روته خلال تقديم التقرير السنوي لعام 2025 في بروكسل الأسبوع الماضي. لكن خلف الاحتفالات الدبلوماسية والتطمينات الرسمية، يظهر تحد صناعي واقتصادي جوهري: لدينا الأموال، لكن من سيقوم فعلياً بإنتاج أنظمة التسليح التي يحتاجها الغرب بشكل عاجل؟". وتابع: "من منظور الاقتصاد الكلي، يشهد العالم ما يمكن وصفه بصدمة طلب واسعة النطاق في قطاع الدفاع. فقد تحولت الإنفاقات العسكرية من التركيز على الرواتب والعمليات الجارية، إلى الاستثمار في المشتريات العسكرية والبحث والتطوير، خاصة في مجالات الحرب الحديثة القائمة على الشبكات".  ووفقاً لآلية تنسيق الطلب الدفاعي، التابعة لحلف شمال الأطلسي (REPEAD)، فإن الاحتياجات المشتركة من الصواريخ والقنابل والطائرات المسيرة وأنظمة الضربات الدقيقة تصل إلى 145 مليار دولار، وهو رقم ضخم يعكس حجم التحول الجاري في بنية الإنفاق العسكري. وحذر أرمين بابيرغر، الرئيس التنفيذي لشركة راينميتا الألمانية، من أن مخزونات الذخيرة في أوروبا والولايات المتحدة والشرق الأوسط باتت شبه فارغة، نتيجة الاستنزاف المستمر لدعم النزاعات الحالية، بحسب الموقع.  فجوة حقيقية وقال الموقع: "المعضلة الأساسية تعود إلى تراجع القاعدة الصناعية الدفاعية خلال العقود الماضية، حيث تم تفكيك أو تقليص أو نقل العديد من القدرات الإنتاجية خلال فترة ما بعد الحرب الباردة. واليوم، تجد هذه الصناعة نفسها غير قادرة على تلبية الطلب المتفجر الناتج عن موجة إعادة التسلح، ما يخلق فجوة حقيقية بين ما تطلبه الحكومات وما يمكن إنتاجه فعلياً". وأضاف: "رغم ضخ المليارات في القطاع، فإن المشكلة لا تتعلق بالتمويل فقط. فإقامة مصانع جديدة، وتدريب العمالة، وتأمين المكونات الأساسية مثل أشباه الموصلات والمواد المتفجرة، تتطلب وقتاً واستثمارات طويلة الأجل". وفي ظل هذه القيود، يحذر محللون من أن ضخ السيولة قد يؤدي إلى تضخم في أسعار الأسلحة، بدلاً من زيادة حقيقية في الإنتاج، ما قد يقلل من فعالية الردع العسكري.  وترتبط هذه التحولات بشكل مباشر بالحرب في المنطقة، التي لم ترفع فقط أسعار الطاقة، بل دفعت الدول إلى إعادة تقييم أولوياتها الأمنية. فحالة عدم اليقين الناتجة عن اضطراب الإمدادات وارتفاع التكاليف دفعت الحكومات إلى تسريع برامج التسلح، وتعزيز قدراتها الدفاعية. وفي هذا السياق، لم تعد الحرب مجرد صراع عسكري، بل أصبحت محركاً اقتصادياً يعيد توجيه الاستثمارات نحو الصناعات الدفاعية، في تحول يعكس عودة مفهوم "اقتصاد الحرب" إلى الواجهة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows