Arab
قبل نصف قرن من اليوم، شكّل يوم الأرض الفلسطيني، وإضراب الـ30 من مارس/آذار 1976، مرحلة مفصلية هامة على مستوى نضال فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948، والانتفاض في وجه الخوف وسياسات مصادرة الأراضي، ومخططات التهويد والاقتلاع، فيما يتأكد أنّ النشاطات المرتبطة به في كل عام، ومنذ 50 عاماً، تتجاوز مجرد إحياء ذكرى، إلى تعزيز الوعي الجمعي والهوية الوطنية والتمسّك بالأرض والوجود بجميع أبعاده.
تجاوزت شرارة يوم الأرض التي انطلقت من دير حنا وعرابة وسخنين في الجليل، شمالي فلسطين، ومنها إلى كل فلسطين، التصدّي لمخطط إسرائيلي بمصادرة 21 ألف دونم، حينها، إلى تأكيد فلسطينيي الداخل المحتل جذورَهم، وعلاقتَهم بأرضهم ووطنهم وسائر شعبهم، بل وترسيخ ذلك أكثر. لم تستطع المؤسسة الإسرائيلية في حينه كسر إضرابهم وإرادتهم رغم قمعها العزّل بالرصاص ومواجهتهم بالمصفحات العسكرية، لكنها في الوقت ذاته لم تكفّ أبداً عن محاولة تحقيق ذلك حتى اليوم، من خلال تكريس منطق القوة، والمخططات والقوانين الاستيطانية، إلى جانب أدوات مختلفة.
يوم الأرض في الذكرى الخمسين، يحلّ اليوم الاثنين، في ظروف عصيبة جداً على الفلسطينيين الذين يخوضون معركة وجودية. في الداخل المحتل تمعن إسرائيل في محاولات المصادرة وهدم المنازل والقمع والترهيب والملاحقة السياسية والاعتقالات الإدارية وغيرها من الممارسات الفاشية، فيما تواصل حرب الإبادة على غزة، وتغرق الضفة الغربية المحتلة بالاستيطان وتطلق اليد لإرهاب المستوطنين، كما تستهدف المسجد الأقصى في القدس المحتلة وتغلقه منذ أكثر من شهر، وتستبيحه إلى جانب المقدسات المسيحية في المدينة، بذريعة فرض حالة الطوارئ على خلفية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
"بفضل التضحيات حافظنا على الأرض"
"كان ذلك اليوم واحداً من أهم أيام شعبنا. سأذكره ودماء الشهداء والجرحى التي سالت دفاعاً عن الأرض حتى آخر يوم في عمري وحتى يغطيني ترابها"، يقول جريح يوم الأرض علي شلاعطة، من سخنين، في حديث لـ"العربي الجديد"، مستذكراً إصابته وأحداثاً كان شاهداً عليها. كان شلاعطة البالغ من العمر 72 عاماً اليوم، بعمر 22 عاماً عندما اندلعت الأحداث ليل 29 مارس 1976 وهشم رصاص الاحتلال ساقه. يصف ألم الإصابة بالقول عن "الوجع يشتد كل يوم ويصبح أصعب كلما تقدّمت بالسن، لكن هذا لا شيء في سبيل يوم شرف وعزة لا يُنسى، حافظ على أرضنا ووجودنا".
علي شلاعطة: خلال الأحداث أصبت بجانب شابَين آخرَين، أحدهما استشهد في المكان
يستذكر شلاعطة شرارة يوم الأرض قبل خمسين عاماً، ويضيف: "عدت من عملي بعد أن أعلنت القيادات العربية المجتمعة في شفاعمرو عن إضراب في الثلاثين من مارس، عندها كنت سائقاً أعمل في نقل العمال، توجّهت إلى مركز البلدة، وتحديداً إلى المنطقة التي تُعرف اليوم بدوار الشهداء. انطلقت شرارة الأحداث من قرية دير حنا ثم امتدت إلى عرابة وسخنين"، يقول شلاعطة: "أذكر تماماً مشهد الشهيد خير ياسين. جاء سائق سيارة أجرة من عرابة، وفتح باب سيارته وهو يصيح في الناس: يا إخوان، نحتاج همتكم، ومتحدّثاً عن الأحداث في عرابة المجاورة: رأيت الشهيد بعيني في السيارة وكان قد فارق الحياة".
يروى شلاعطة أنّ المصفّحات ومركبات الجيش اقتحمت سخنين من كل جانب: "أذكر أنّ شاباً من البلدة أصاب جندياً في عينه، فارتطمت العربة العسكرية بعبّارة وتوقفت، ثم رداً على الاقتحام بدأ الشباب برشق الحجارة والزجاجات، وفي حوالى الساعة الواحدة ليلاً، بدأت قوات غولاني باقتحام سخنين أيضاً بعد استدعاء تعزيزات"، أما عن إصابته فيشرح أنه "في لحظة وجدت نفسي مطوقاً من الجهات الشرقية والشمالية والجنوبية، ولم يبقَ لي مفرّ إلا جهة الغرب، حاولت الاحتماء في منطقة سكنية، ثم شعرت وكأن لغماً انفجر في جسدي، بعد رصدي وإطلاق الرصاص عليّ، سحبت نفسي بصعوبة نحو شرفة منزل. في تلك اللحظة لم أكن قد استوعبت بعد موضع إصابتي. سقطت على الأرض بجانب شابَين آخرَين، أحدهما استشهد في المكان، هو الشهيد خضر خلايلة".
ويستذكر أنه نزف لفترة طويلة وأنه طلب نقله إلى أحد مستشفيات الناصرة؛ لأنه أراد مستشفى عربياً، وأنه شاهد في الطريق أرتالاً من المركبات العسكرية قرب قرية دير حنا، مضيفاً أنه بدأ يفقد الوعي، وفي لحظة ظن أنه يفارق الحياة. يقول: "في البداية قرّر الأطباء في المستشفى الإنكليزي في الناصرة بتر ساقي، لكن أخي رفض بشدة، ثم وجدوا أنّ الشرايين ما زالت حيّة رغم تفتت ساقي. خضعت لعدة عمليات جراحية صعبة. لقد وُلدت من جديد في ذلك اليوم".
لا يغيب عن شلاعطة ما يصفه بـ"التضحيات" حينها، فيقول: "اليوم نستذكر ما قدّمه أهالي المنطقة العزّل من تضحيات مقابل الرصاص والمركبات العسكرية، وبالتأكيد لا ننسى الشهداء الستة"، في إشارة إلى كل من خضر خلايلة، وخديجة شواهنة، ورجا أبو ريا وثلاثتهم من سخنين، وخير ياسين من عرابة البطوف، ومحسن طه من كفر كنّا، ورأفت زهدي من مخيم نور شمس (طولكرم) واستشهد في الطيبة، بمنطقة المثلث (منطقة المثلث الجنوبي داخل الخط الأخضر).
إحدى أهم المبادرات
يصف المؤرخ الفلسطيني مصطفى كبها، رئيس دائرة تاريخ الشرق الأوسط في الجامعة المفتوحة ورئيس مجمع اللغة العربية في الداخل، يوم الأرض بأنه "أحد أهم المناسبات والمبادرات التي قام بها الفلسطينيون العرب في إسرائيل منذ 1948 حتى اليوم، وذلك لأنه يتعلق بإحدى أهم قضيتَين بين القضايا التي تشكّل محوراً من محاور الصراع الفلسطيني الصهيوني منذ بداية المشروع عام 1882 حتى اليوم، وهما قضية الأرض وقضية المقدّسات". ويرى في حديث لـ"العربي الجديد"، أنّ "أي محاولة للمس في إحدى هاتَين القضيتَين، من شأنها أن تشعل الصراع وترفعه إلى درجة أخرى من درجات الاشتعال".
يضيف كبها أنّ "قضية الأرض هي القضية المركزية، خصوصاً أنه منذ عام 1882، أي منذ أكثر من 140 عاماً، لدينا دلالة واضحة متصاعدة لمحاولات السيطرة على المزيد من الأراضي"، ويوضح أنّ "الصراع بدأ عندما كانت معظم الأراضي في أيدي العرب، والآن إذا تحدّثنا عن أرض ملكية شخصية، فإنّ النسبة لا تتعدى في حدود دولة إسرائيل 2% من مساحة الأراضي، بينما على سبيل المثال عام 1948 كان في أيدي المواطنين العرب الذين بقوا، وعددهم نحو 156 ألف مواطن، 18% من الأرض ذات الملكية الشخصية".
ويرى أن "ما قبل يوم الأرض يختلف كثيراً عمّا بعده، فصرخة ذلك اليوم ساهمت إلى حد كبير في تقليص عملية المصادرات تحت غطاء قوانين متعدّدة، منها قوانين من فترة الانتداب البريطاني، وقوانين الطوارئ وغيرها، ومنها قوانين ولوائح قانونية سنّتها إسرائيل بعد عام 1948، أشهرها قانون أراضي البور وقانون المصادرة من أجل الصالح العام، وقوانين أخرى كثيرة". يسوق كبها أمثلة على أحداث انتفض فيها فلسطينيو الداخل، رفضاً للمساس بالأرض أو المقدّسات، قائلاً: "في عام 1976 أراضي منطقة الجليل، شرارة يوم الأرض حينها، لاحقاً كانت قضية أم السحالي في شفاعمرو (1998)، وأراضي الروحة، وبعدها قضية المصادرات المستمرة في النقب". وبالمقابل أيضاً كانت هناك هبات على خلفية محاولات المسّ بالأماكن المقدّسة "في الأعوام 1990 و1994، وعام 2000، أي أحداث الانتفاضة الثانية، والتي بدأت في محاولة المسّ بمكانة المسجد الأقصى".
مصطفى كبها: الأرض والمقدسات خطان متوازيان وما يجري في غزة والضفة ينعكس على الداخل المحتل
هذان الخطان المتوازيان، الأرض والمقدسات، يتقاطعان بين الفينة والأخرى، وفق كبها، وبطبيعة الحال "ما يجري في الضفة الغربية وقطاع غزة انعكس دائماً على العلاقات في الداخل هنا، من الانتفاضة الأولى والانتفاضة الثانية وبعد ذلك"، وفي رأيه "مهم جداً أنّ يوم الأرض يشكّل مرحلة انعطاف في كل ما يتعلّق بعودة تأكيد الهوية، فمحاولة بناء عربي فلسطيني آخر منقطع عن أوليات الهوية لم يُكتب لها النجاح، وكانت العلاقة الشعورية دائماً موجودة، الهوية وأوّلياتها لم تنعدم العلاقة (علاقة الفلسطينيين) فيها رغم كل ما حصل". ويلفت إلى أنّ "هذه القضية بدأت بوصفها قضية تخصّ المواطنين الفلسطينيين العرب في إسرائيل، ولكنها أضحت يوماً رمزياً يخصّ الفلسطينيين كافّة في كل أماكن وجودهم، بل أستطيع القول إنّ بعض الشعوب العربية أيضاً تحيي هذه المناسبة وتتعاطف معها".
ويؤكد كبها أنّ "قرار الإضراب في يوم الأرض لم يكن سهلاً، قبل خمسين عاماً، إذ "كان هناك انقسام شديد بين رؤساء السلطات المحلية، الذين اجتمعوا في شفاعمرو، وكان اجتماعاً صاخباً"، ومن الضروري في رأيه التأكيد أنّ "هذا القرار بادر ودعا وعمل عليه، ليس أكثر من 11 رئيس سلطة محلية، وفي النهاية قادوا (الإضراب) بهذا الاتجاه مع أنه كانت هناك معارضة". ويشرح أنه "كان الذهاب للإضراب، كسراً لحاجز الخوف، وسعياً إلى المساواة وإلى وقف الإجحاف، والأهم التخلّص من الوصاية"، معتبراً أنّ "السعي إلى المساواة والمواطنة التامة هو سعي شرعي يجب أن يكون ضمن المنظومة الشرعية، ولكنّه حق يجب أن يُعمل من أجله، بطرق مهنية وسليمة". والأهم من ذلك، وفق كبها، مع رؤية مستقبلية "تتعلق في كل القضايا الحارقة (الساخنة) التي لها علاقة بحياتنا ووجودنا على هذه الأرض، قضية الأرض وقضية المسكن وقضية تنشئة الأجيال الجديدة، وقضية الحفاظ على الهوية، وكل هذه الأمور بحاجة إلى تخطيط وبحاجة إلى من يقود هذه المسيرة".
دور خارج مثلث يوم الأرض
عادة ما يجري التركيز على مثلث يوم الأرض (سخنين وعرابة ودير حنا)، في هذه المناسبة، في حين كان هناك حراك قبل وبعد يوم الأرض في حيفا، وعدة بلدات عربية. يذكر كبها في هذا السياق أنّ "التركيز على مثلث يوم الأرض؛ لأنّ سبب الصرخة كان محاولات المصادرة لأراضٍ شاسعة في منطقة البطوف، والتي عُرفت بمنطقة المناورات رقم تسعة، ولما تحمله هذه المناسبة عام 1976 من رمزية، بما يشمل الصدام المباشر وسقوط شهداء". ولكن وفي السنة التالية، عام 1977، يقول كبها: "أذكره جيداً، كانت صدامات في الطيبة، وفي باقة الغربية، وفي أم الفحم وفي مناطق أخرى، وكي نكون منصفين، سبق يوم الأرض مناسبات تتعلق بالخلفية نفسها، منها كفرمندا عام 1954 وكوكب أبو الهيجاء عام 1955، بمعنى أنّ الصراع على قضية المصادرات ومحاولة منعها والتصدي لها، بدأت قبل يوم الأرض".
وفي رده على سؤال حول أهمية صون الذاكرة الجمعية وتناقلها عبر الأجيال وما يحتاجه فلسطينيو الداخل لترسيخها وتطويرها، خصوصاً في ظل التحديات الكثيرة التي تواجههم، يجيب كبها: "أولاً التثقيف، هناك جانب الرمزية وجانب التثقيف، لا نريد أن نصل إلى وضع يجري الحديث فيه عن مناسبة لا تعرف تفاصيلها وسياقاتها الأجيال الجديدة"، ويوضح أن "هذا التثقيف يجب أن يكون تثقيفاً واعياً بعيداً عن التهويل والبكائيات وما إلى ذلك، معتبراً أنّ "عملية صياغة الذاكرة الجمعية تعاني، للأسف الشديد، الكثير من أعمال الهواة والفهلوية وعدم الرؤية الصحيحة، فكيف لنا أن نصون ذاكرتنا الجمعية على نحوٍ سليم؟ هذا أمر من الضروري أن يُعهد به إلى مهنيين يعرفون كيف يعملون على صياغة الذاكرة بدقة ومهنيّة، بعيداً عن أنواع التهويل والفبركة".
ويشدد على أنّ "هذا أمر من المفروض أن يُعهد به إلى مؤسسات تمثيلية عليا، كلجنة المتابعة (لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل)، والتي عليها أن تقوم بهذا الدور، وكذلك وكلاء التربية على مختلف مواقعهم"، مضيفاً أنّ "صياغة الذاكرة الجمعية تأتي من خلال المنظومات التعليمية وتأتي من خلال المبدعين والفنانين، والذين جرت تهيئتهم وتثقيفهم للقيام بهذا الدور". ويضرب مثالاً على ذلك، أنه "لا يستطيع إنسان أن يكتب عن مثلث يوم الأرض ولا يعرف أين يقع هذا المثلث". ويشير إلى أنه سبق أن أجرى بحثاً مستفيضاً عن قضية صياغة الذاكرة الجمعية واكتشف أن "الكثير من وكلاء التربية، خصوصاً جمهور المعلمين والعاملين في التربية، لديهم نقص هائل في كل ما يتعلق بدقائق هذه الأمور، والتي هي مواد البناء الأساسية، التي يجب أن تكون في بناء أي ذاكرة جمعية لأي شعب كان".
علاء محاجنة: هناك تقليص للهامش القانوني في مجابهة سياسات الهدم، سواءً في الاعتراض أو في التنفيذ
بعد خمسين عاماً تتصاعد التحديات والأزمات التي تواجه فلسطينيي الداخل، وتنال من مختلف مجالات حياتهم، بل تتعمق أكثر بفعل سياسات المؤسسة الإسرائيلية المعادية لهم، وهو ما يؤكده لـ"العربي الجديد"، المحامي الفلسطيني، علاء محاجنة، الخبير في الشؤون القانونية والحقوقية وقضايا الأرض والحريات. يقول محاجنة إنّ "هذه التحديات لطالما كانت موجودة، لكنها تزايدت على نحوٍ ملحوظ بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، سواء من حيث حدّتها أو اتساع رقعتها وتعدد جوانبها"، ويضيف أنّ "مخططات المصادرة مستمرة حتى اليوم بطرق مختلفة، بذرائع مدّ خطوط مياه، وشق شوارع مثل شارع عابر إسرائيل (شارع 6 أو طريق إسحق رابين، يهدف إلى ربط شمال إسرائيل بجنوبها)، وإقامة مستوطنات وتجمّعات إسرائيلية جديدة، وكلها تُعنى بتوسّع العمران الإسرائيلي اليهودي مقابل تقليصه للمواطنين العرب (الفلسطينيين)".
يضيف محاجنة، أنّه بعد خمسة عقود على يوم الأرض "هناك تعميق لسياسات تضييق الحيز الوجودي لفلسطينيي الداخل عن طريق المصادرة، ومن جهة أخرى نرى تصاعداً في هدم البيوت، خصوصاً في النقب"، معتبراً أنّ ذلك "تصعيد خطير جداً يتمثل أيضاً في تقليص الهامش القانوني أو هامش العمل القانوني في مجابهة سياسات الهدم، سواء في الاعتراض أو في التنفيذ". ويوضح أنه في السابق كان تنفيذ أوامر الهدم منوطاً باعتبارات سياسية واجتماعية، وكانت السلطات تأخذ بعين الاعتبار تبعات التنفيذ على العلاقات بين المجتمعَين العربي واليهودي، أما اليوم، فقد نُقلت مهمة التنفيذ إلى وزارة يديرها أكثر الشخصيات عنصرية وفاشية تجاه المواطنين العرب، (وزير الأمن القومي إيتمار) بن غفير ما جعل السياسات أكثر عمقاً وعداءً، وأصبح تنفيذ الهدم يُسوّق على أنه "حوكمة"، رغم أنه موجّه ضد الوجود العربي.
وفي رأيه، فمنذ السابع من أكتوبر "تغيّر توجه إسرائيل كلياً"، موضحاً أنه "رغم أنّ التوجه السابق لم يكن ليبرالياً أو ديمقراطياً، إلا أنه كان يسمح ببعض حرية التعبير والاعتراض، أما اليوم فتغيّر التعامل مع المواطنين العرب من مواطنين درجة ثالثة أو رابعة إلى أعداء للدولة، فيما اليهودي يُسمح له بانتقاد سياسات الحرب أو أي سياسات أخرى، بينما يُعتبر أي نقد من العرب تهديداً أمنياً وقومياً". ويشير في هذا السياق إلى أن "الاعتقالات الإدارية تجري يومياً داخل الخط الأخضر، بعدما كانت مقتصرة غالباً على الضفة الغربية، وهذه الاعتقالات تأتي حين تفشل الشرطة والنيابة في إثبات ادعاءاتها، ما يعكس ترجمة قانونية لحالة العداء".
ويلفت محاجنة إلى أنّ "الفلسطيني في الداخل يشعر اليوم بالخوف في كل مكان في بلاده، هناك تهجّم على عائلات ونساء في المتنزهات من عنصريين يهود، وتوقيف سائقي حافلات عرب وضربهم، وعلى مواقع التواصل يوجد تحريض دموي، بل أصبح التحريض مصدر فخر". الأسوأ بنظره أنّ "وزراء مثل بن غفير يدعمون حالات التطرّف والتحريض ضد العرب، سعياً لكسب أصوات انتخابية، كما أنّ الشرطة تتلقى دعماً في حالات إعدامات ميدانية بحق العرب، والمجتمع المدني الإسرائيلي نفسه أصبح في حالة عداء مع الفلسطينيين، حتى في ظل الحرب مع إيران التي لا علاقة للفلسطينيين بها"، كما أن السياسات الحالية تتجه، وفق محاجنة، نحو "إباحة وإهدار دم العرب، بحيث يمكن التحريض عليهم واعتقالهم وحتى قتلهم، وكأنّ لليهودي أن يأخذ حقه بيده حين يزعم أنّ عربياً هدّده"، فيما يتعزّز ذلك أيضاً "بسياسة توزيع السلاح، وبالتواطؤ مع الجريمة المنظمة في المجتمع العربي، عبر غضّ الطرف أو المساعدة أو تزويد العصابات بالسلاح، طالما يقتل العرب بعضهم بعضاً، ويقول إنه "في الوضع الطبيعي تحمي الشرطة المجتمع، لكن في حالتنا الشرطة تعادينا، وترى إسرائيل أن عدم كبح الجريمة المنظمة يضعف المجتمع العربي ويفككه".
وفي رأيه تؤكد إسرائيل، في العامين الأخيرين بخاصّة، وجهها الحقيقي بصفتها نظاماً استعماراً استيطانياً، وتكشف القناع عن تفاصيل إضافية من هذا الوجه، "في غزة عبر الإبادة الجماعية، وفي الضفة الغربية عبر الاستيطان والتهجير والتطهير العرقي، وفي الداخل عبر تفكيك المجتمع وسلبه الأمان، وبالتالي "لا يمكن للمجتمع العربي أن يبني مقولة سياسية أو معارضة فعالة، كما سقطت الأقنعة عن المحكمة العليا، التي كانت تشرعن السياسات عبر الإيحاء بوجود منظومة عادلة لتبييض وجه إسرائيل، والتي لم تعد تصدر أحكاماً لصالح الفلسطينيين منذ أكثر من سنتين، ولم تعد تكترث بذلك، بل ونجد قضاة يجاهرون بأنهم مستوطنون"، ويشدد على أنّ "الشرطة والنيابة والمحاكم كلها في خدمة السياسة نفسها، وهذا يظهر في محاكمات وملاحقة الشباب والصحافيين والناشطين والمتظاهرين وغيرهم، حتى الجامعات، التي كانت آخر مظاهر الهامش السياسي، تشهد ملاحقة للمحاضرين والطلاب والناشطين العرب".
عودة الحكم العسكري
في ظل تزايد القمع والملاحقات وتشديد الرقابة على الفلسطينيين في الداخل واستباحة دمائهم والتجسس عليهم، يقول محاجنة: "نحن أمام عودة للحكم العسكري ولكن بأدوات مختلفة، سواء إزاء حرية التعبير أو الاحتجاج أو التمثيل السياسي"، مضيفاً أنه "من المتوقع سنّ قوانين جديدة لتقييد التعبير السياسي، حتى لأعضاء الكنيست العرب والتنظيمات السياسية، كما أنّ هناك وسائل خطيرة تمكّن الشرطة من مراقبة المواطن العربي، تتجاوز التجسس على الهاتف، تحت مسميات مكافحة الإرهاب والجريمة"، ويقول إنه "مع انعدام الثقة بالقضاء، يمتنع الكثيرون عن التعبير حتى في قضايا تتعلق بالأمان الشخصي، فالدولة تستعمل منطق القوة وتضعه بيد أشخاص خطرين"، ويشير إلى أنه "حتى في التظاهرات ضد العنف والجريمة، احتاج العرب إلى قوى يهودية للحصول على غطاء، وجرى التنازل عن رفع الأعلام وعن الربط بين السياسة والجريمة المنظمة من أجل مشاركة نشطاء يهود". وفي رأيه فإنه بعد خمسين عاماً على يوم الأرض "نحن أمام تعميق السياسات التي انتفض ضدها الشارع العربي، بل وتوسيعها، حتى حق التظاهر بدون إذن، الذي انتزعناه سابقاً، عاد للتراجع، نحن لا نتعامل مع عنصرية فقط، بل مع حالة عداء دائم تتعمق أكثر".
ويخلص محاجنة، إلى أنّ على المجتمع الفلسطيني في الداخل "فهم الأرضية القانونية والواقع الذي نعيشه، لرسم كيفية التعامل مع التحديات"، مستدركاً أنّ "تعميق السياسات لا يعني الرضوخ لها، فالتاريخ أثبت أنّ كل تعمّق في الاضطهاد يقابله ردّة فعل أقوى، لذلك يجب دراسة التغيرات لتحديد كيفية مواجهة السياسات وانعكاساتها على سلامتنا وقضايانا وتمثيلنا وسلوكنا السياسي".

Related News
تدوين المجون: سخرية المهمشين من القوالب الجماعية
alaraby ALjadeed
15 minutes ago
الكنيست يقر ميزانية 2026.. زيادة هائلة في الإنفاق العسكري
al-ain
16 minutes ago