الحسين المجاهد... حكمة الصمت وقوة الأثر
Arab
1 hour ago
share
في زمن يتسابق فيه كثيرون نحو الأضواء، اختار الحسين المجاهد الاشتغال في صمت، مبتعداً عن الواجهة، تاركاً لأثره أن يتحدث عنه، مؤمناً بأن القيمة الحقيقية تقاس بما يُنجز لا بما يُعلن. ويجسد، في عمقه، نموذجاً نادراً للمثقف الموسوعي الذي جمع بين الفكر والممارسة، وبين الإنتاج المعرفي والتدبير المؤسساتي. فقد راكم تجربة غنية ومتعددة الأبعاد، امتدت من الصحافة إلى الجامعة، ومن البحث العلمي إلى الإدارة. وُلد المجاهد ببلدة إيغرم بإقليم تارودانت، في بيئة أمازيغية أصيلة، حيث تشكلت ملامح شخصيته الأولى بين صرامة الجبال وروح الجماعة. بدأ تعليمه في كتاب القرية، فحفظ القرآن الكريم وتشرب أسس المعرفة التقليدية، قبل أن ينتقل في سن مبكرة إلى الرباط لمواصلة تعليمه العصري، دون أن ينفصل عن تكوينه الديني. هذا التوازن بين الأصالة والانفتاح ظل سمة بارزة في مساره، وشكّل أساس مشروعه الفكري والأكاديمي. في الرباط، تفتحت آفاقه العلمية، فالتحق بثانوية مولاي يوسف، ثم بجامعة محمد الخامس، حيث تخصص في اللغة الفرنسية وآدابها، قبل أن ينتقل إلى جامعة السوربون بفرنسا، حيث تعمق في علوم اللغة، محصلاً دكتوراه السلك الثالث، ثم دكتوراه الدولة في اللسانيات. هناك تبلورت رؤيته العلمية، وتأسست علاقته باللسانيات الحديثة، التي سيجعل منها مدخلاً لفهم اللغة الأمازيغية وتقعيدها. ينتمي المجاهد إلى جيل تشكل على روح النضال الثقافي، إذ انخرط مبكراً في العمل الجمعوي، خاصة ضمن الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي، مساهماً في بلورة تصورات استراتيجية للنهوض بالثقافة الأمازيغية. وكان هذا الانخراط امتداداً لمساره الأكاديمي، وتعبيراً عن وعي مبكر بأن الثقافة ليست موضوع بحث فقط، بل مجال فعل وتأثير. ينتمي المجاهد إلى جيل تشكل على روح النضال الثقافي، إذ انخرط مبكراً في العمل الجمعوي، مساهماً في بلورة تصورات استراتيجية للنهوض بالثقافة الأمازيغية بدأ مساره المهني من الصحافة، التي كانت عشقه الأول، حيث اشتغل في جريدة "الأنباء" مترجماً ومحرراً منذ سبعينيات القرن الماضي، وكتب مبكراً عن الثقافة الأمازيغية في زمن لم تكن تحظى فيه بالاهتمام الكافي. وقد صقلت هذه التجربة حسه اللغوي، ومنحته قدرة على تبسيط المعرفة ونقلها، ومهدت لانخراطه في مجالات الترجمة والعمل الموسوعي. وفي هذا الإطار، ساهم في ترجمة موسوعات كبرى ضمن منشورات عكاظ، وشارك في تحرير أعمال مرجعية مثل "موسوعة الحضارة المغربية" و"معلمة المغرب"، حيث كان له حضور بارز في التعريف بالثقافة الأمازيغية وإدماجها في الذاكرة الوطنية المكتوبة، في إطار مشروع فكري يروم إعادة الاعتبار لهذا المكون الأساسي من الهوية المغربية. أما في مجال تخصصه، أي اللسانيات الأمازيغية، فقد كان من بين الرواد الذين سعوا إلى مقاربة هذه اللغة بمناهج علمية حديثة، مستلهماً اللسانيات التوليدية كما نظّر لها Noam Chomsky. ومن خلال مؤلفاته، مثل "النحو التوليدي في الأمازيغية" و"النحو الجديد للغة الأمازيغية" و"النحو البنيوي" و"النحو الوظيفي"، أسهم في بناء أسس علمية متينة لتقعيد الأمازيغية، وجعلها لغة قابلة للتدريس والتداول داخل المؤسسات. ولا تقتصر أهمية تجربته على بعدها العلمي، بل تمتد إلى المجال العملي، حيث راكم خبرة واسعة في التدبير الأكاديمي والإداري. فقد اشتغل أستاذاً جامعياً وباحثاً وخبيراً، قبل أن يتولى مسؤوليات بارزة، من بينها الكتابة العامة لمعهد الدراسات الأفريقية، ثم الأمانة العامة للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية منذ تأسيسه سنة 2002. ومن هذا الموقع، أسهم في ترسيخ دعائم المؤسسة وضمان استمراريتها، موجهاً عملها وفق رؤية استراتيجية واضحة. وإلى جانب أحمد بوكوس، عميد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، شكّل المجاهد ثنائياً متكاملاً جمع بين الرؤية الفكرية والتدبير العملي، وقادا المؤسسة في سياق وطني وثقافي معقد، مليء بالتحديات. وقد أثمرت هذه التجربة إنجازات نوعية جعلت من المعهد فاعلاً مركزياً في ورش تهيئة الأمازيغية وتقعيدها وإدماجها في السياسات العمومية. يُعرف الحسين المجاهد بتعدد اهتماماته وتكامل تكوينه؛ فهو الصحافي والمترجم واللساني والمدبر الإداري. وهذا التعدد يعكس رؤية شمولية للثقافة باعتبارها فعلاً مركباً يجمع بين إنتاج المعرفة وتدبيرها وتثمينها، وهو ما مكنه من النجاح في مختلف المواقع التي شغلها. وعلى المستوى الإنساني، يتميز بهدوء الطبع، ورصانة التفكير، ودقة التحليل. يترك أثراً خاصاً لدى من يلتقيه؛ لا يميل إلى الاستعراض، ولا يتكلف في الحديث، لكنه يقدم معرفة عميقة بأسلوب سلس ومتزن، يقنع بالحجة لا بالصوت. وقد حظي مساره بتقدير وطني، تُوج بحصوله على وسام الاستحقاق الوطني من الدرجة الممتازة سنة 2019، كما يواصل حضوره في مؤسسات علمية مرموقة، مثل أكاديمية المملكة المغربية، مساهماً في قضايا الترجمة والثقافة والتعاون العلمي. في المحصلة، يظل الحسين المجاهد أكثر من مجرد باحث أو إداري؛ إنه مثقف متكامل، آمن بأن الثقافة مسؤولية، وأن النهوض باللغة الأمازيغية ورش حضاري يتطلب عملاً هادئاً ونَفَساً طويلاً. رجل جمع بين النضال والعلم والتدبير، وظل وفياً لأسلوبه الخاص: الاشتغال في صمت… وترك الأثر يتحدث.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows