Arab
تعيش منطقة البقاع شرقي لبنان وبعلبك الهرمل، حالة من الترقّب المحفوف بالمخاوف، يقابلها إصرار على الصمود والبقاء، في ظلّ تسارع وتيرة التطورات العسكرية في الميدان. فبينما تتركّز الاعتداءات الإسرائيلية بوتيرة تصعيدية يومية في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، ارتكب جيش الاحتلال مجازرعدّة منذ تاريخ 2 مارس/آذار الجاري في البقاع، كما شنّ اعتداءات عنيفة خلفت دماراً وأضراراً مادية، خاصة في المناطق التي طاولتها إنذارات الإخلاء.
وتركّزت الغارات الإسرائيلية في البقاع وبعلبك الهرمل على مبانٍ سكنية، إلى جانب فروع لجمعية القرض الحسن، التابعة لحزب الله، ومناطق جبلية وعرة، ما أسفر عن سقوط عدد مرتفع من الشهداء في صفوف العائلات والأطفال والمدنيين. وسُجِّلت أعنف الضربات في بلدة شمسطار، حيث استُشهدت عائلة كاملة مؤلّفة من أب وأم وأربعة أطفال. كما استُشهد 8 مواطنين في بلدة شعت، و8 آخرون في بلدة تمنين التحتا، إضافة إلى 4 شهداء في تلال رأس العين، بينهم طفلان ووالدان. وفي بلدة النبي شيت، تجاوز عدد الشهداء 30 شخصاً جرّاء ضربات إسرائيلية وعمليات إنزال، من بينهم 3 عسكريين في الجيش اللبناني. كما استُشهدت سيدة حامل بتوءمين، في غارة استهدفت، أمس الجمعة، بلدة البزالية.
دفعت هذه الوقائع الميدانية العديد من السكان إلى ترك منازلهم، ولا سيما في مناطق بوداي، ويونين، وشمسطار، ودورس، واليمونة، وشعت، ومقنة، وغيرها، والتوجّه نحو مناطق أكثر أماناً داخل البقاع، سواء في بعلبك أو في محيطها، ولا سيما دير الأحمر، التي، على الرغم من كونها ذات أغلبية معارضة لحزب الله، تُعدّ من أكثر البلدات استقبالاً للعائلات النازحة.
وجال "العربي الجديد" في مدينة بعلبك، حيث تتصدّر مشهدية صمود الأهالي الواجهة؛ إذ يتحدّث معظمهم بلسان واحد: "سنبقى في أرضنا ولن نغادرها، خاصة أننا جرّبنا النزوح خلال حرب الـ66 يوماً (من سبتمبر/أيلول إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2024)، حين كان للبقاع نصيب كبير من الغارات والمجازر الإسرائيلية، ولن نكرّر ذلك، لا سيما في ظلّ الارتفاع الكبير في بدلات الإيجار، وتصاعد الخطاب التحريضي ضد النازحين".
ويتجلّى الصمود أكثر في الأسواق التي أبقت أبوابها مفتوحة رغم المخاطر والقصف المباغت، وإن تراجعت الحركة فيها. كما يظهر في مبادرات الشبّان والشابات الذين فضّلوا البقاء في بعلبك، وتطوّعوا لتقديم الدعم والمساعدة للعائلات والفئات الهشّة، وفي تمسّك كثيرين بالبقاء داخل منازلهم. في المقابل، لجأت عائلات إلى مراكز إيواء، من مدارس ودور عبادة، لكن داخل بعلبك، بحثاً عن سقفٍ آمنٍ لأطفالها.
في موازاة ذلك، لا يخفي كثيرون قلقهم من احتمال تحوّل البقاع إلى جبهة ثانية بعد الجنوب، ومن أن تُصعّد إسرائيل عملياتها فيه في مرحلة لاحقة، خصوصًا في ظلّ الأخبار والتحليلات والقراءات السياسية والعسكرية التي تتحدّث عن هذا السيناريو، بل تتطرّق إلى احتمالية اندلاع مواجهات على خطّي "حزب الله" وسورية.
ومع ذلك، يؤكد الأهالي أن الغالبية تختار البقاء والصمود والتمسّك بالأرض والدفاع عنها. ويجسّد هذا الموقف محمد، رجل ثمانيني وصاحب محل سمانة في سوق بعلبك، الذي يقول: "عشنا كلّ شيء؛ حروباً ومعارك وعدواناً، ولا نزال في بلدنا، ثابتين.. على الأقل هنا نعيش بكرامة".
ويشير محمد إلى أنّ "الوضع لا يزال مقبولاً حالياً. أحياناً يكون القصف الإسرائيلي عنيفاً، وأحياناً تُسجّل غارة أو غارتان. في بعض الفترات يعمّ الهدوء الحذر، لكن بالطبع تبقى كل الاحتمالات مفتوحة، والأهالي يترقّبون. معظمهم يفضّل البقاء أو النزوح ضمن دائرة البقاع، فهنا الناس لبعضها، أولاد ضيع، ويتكاتفون في اللحظات القاتمة والظروف الصعبة، بغض النظر عن الانتماءات الحزبية أو الطائفية، على عكس ما يحدث في مناطق أخرى، حيث يتعرّض النازحون لأسوأ الحملات وخطابات التحريض والكراهية".
بدورها، قررت عائلة العوطة، التي جرّبت النزوح سابقاً، البقاء اليوم في بعلبك وفتح بيتها لمبادرة إنسانية تقوم على استقبال التبرعات من الملابس والألعاب، وتنظيفها وتوضيبها تمهيداً لتوزيعها على النازحين. ويشارك في هذا المشروع عدد من المتطوعين من مختلف الفئات العمرية، بينهم أطفال.
من جهته، يقول رئيس بلدية بعلبك، أحمد الطفيلي، لـ"العربي الجديد"، إن نسبة النزوح حالياً أقلّ بكثير مقارنة بعام 2024، وتحديداً خلال فترة الـ66 يوماً من العدوان. ويشير إلى أن النزوح يُقدَّر بحوالي 20 في % من تعداد السكان، سواء من أهل بعلبك أو المقيمين من جنسيات سورية ولبنانية وفلسطينية. ولفت الطفيلي إلى أن النزوح داخل بعلبك يفوق النزوح إلى خارجها، تحديداً إلى مناطق أكثر أماناً نسبياً، إلى جانب نزوح قادم من الضاحية الجنوبية لبيروت ومن الجنوب وقرى محيط بعلبك.
ويشير الطفيلي إلى أن مدينة بعلبك كانت، منذ اليوم الأول للعدوان في 2 مارس/آذار، من بين المناطق المستهدفة، وتعرّضت لمجزرتين. لافتاً إلى أن الأماكن المستهدفة مدنية، وأن من استشهد وجرح هم من الآباء والأمهات والأطفال. ويضيف: الجو الذي نعيشه جو حرب، لكن بوتيرة أقل من أماكن أخرى، خاصة الضاحية والجنوب. فهناك تحليق يومي لطيران الاحتلال، وخروقات مستمرة، من غارات وهمية وخرق لجدار الصوت، واعتداءات تنفذ بين فترة وأخرى". مشدّداً على أن الناس حذرة، وأن هناك حالة توتر، لكن الأهالي محكومون بالصمود، وإرادة الحياة تبقى أقوى.
ويلفت الطفيلي إلى أن من أسباب تراجع نسبة النزوح مقارنة بعام 2024، الخطاب التحريضي ضد النازحين، إلى جانب ارتفاع فاتورة الإيجار بشكل كبير، إذ تصل في بعض الشقق إلى 1000–1500 دولار، ما يفوق قدرة الناس على الدفع. وفي المقابل، يشير إلى أن العديد من المواطنين فتحوا بيوتهم وقراهم، واهتموا بالنازحين، إلى جانب مركز الإيواء الذي تم فتحه في كنيسة "سيدة المعونات"، والذي يضم حوالي 85 شخصاً. ويرى الطفيلي أن الحديث عن جبهة البقاع، خصوصاً ما يُنشر في الإعلام، يؤثر بلا شك على السكان، ويزيد من حالة الترقّب والحذر والخوف لديهم.
من جانبه، يقول مختار بعلبك حسن نايف عباس لـ"العربي الجديد"، إن بعلبك مهمّشة تاريخياً من قبل الدولة، ولم تحصل على حقوقها. ويشير إلى أن القصف الإسرائيلي طاول أبرياء مدنيين، من أطفال ونساء، حتى في شهر رمضان، فكانت أشلاء الأطفال في الساحة. ورغم ذلك، لم يُسمع أي استنكار دولي للمجزرتين في المدينة أو للاعتداءات التي تحصل عموماً في لبنان. ويشير عباس إلى أن "الناس لا تزال ترفض النزوح من المدينة، وقرّرت البقاء والصمود فيها، أو حتى الاستشهاد دون التفريط في كرامتها".
على الصعيد الميداني، تؤكد مصادر نيابية في حزب الله لـ"العربي الجديد"، أنّ "هناك هجمات تنفذ على البقاع، لكن بوتيرة أقلّ مما مضى، في ظلّ انشغال الاحتلال على الجبهتين الجنوبية اللبنانية والإيرانية. وتعتبر المصادر أن كل الاحتمالات تبقى واردة، في حصول تصعيد بأي وقتٍ، لكن المقاومة جاهزة للدفاع عن الأرض ومواجهة العدو الإسرائيلي".
