كيف وقعنا في فخّ الأبيض والأسود؟
Arab
1 hour ago
share
في فضاء الأفكار والمواقف، ثمّة بون شاسع بين ضفّتين: الأولى يقف فيها العوام، وهم الغالبية، فيميلون إلى اتخاذ مواقف حدّية، وإلى التسطيح وإطلاق الأحكام القيمية (خير/ شر، إيمان/ كفر، جيد/ سيئ). وفي الضفة الثانية يقف أصحاب التفكير المركَّب، المدركون للتعقيد وتعدّد الزوايا والأبعاد والمستويات في كلّ حالة، والقادرون على رؤية الفروق الدقيقة في المباني والمعاني والأحداث والمواقف. باختصار، هناك غالبية لا ترى في الحياة وتفاصيلها سوى لونَين: أبيض وأسود، في حين تبصر النُّخب تدرّجات الظلّ بين اللونَين النقيضَين، وترى منطقة رمادية واسعة بينهما، من دون أن يعني ذلك غياب إدراكها وجود الأبيض والأسود. هذه الفكرة تُعرف باللغة الإنجليزية بـ"nuanced thinking"، وكلمة "nuance" هنا مفتاحية، إذ تختزل ما سبق كلَّه من معانٍ، ويمكن تلخيصها بالقدرة على استبصار الفروق الدقيقة وتدرّج الألوان في أيّ معنى أو حالة أو واقعة أو قضية، وامتلاك حساسية عالية تجاه تلك الظلال، والقدرة على تأطيرها والتعبير عنها. ويقدّم القرآن الكريم أحد أبعاد هذا المبنى والمعنى في قوله تعالى: "وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ" (النساء: 83). ثمّة من يُعدّون نُخباً لكنّهم يميلون، في أحيان كثيرة، إلى التسطيح أو إطلاق الأحكام المسبقة والقيمية وهنا ينبغي التنبيه إلى فارق مهمّ بين ما سبق والتحيّز الواعي إلى مواقف مسبقة. فثمّة من يُعدّون نُخباً لكنّهم يميلون، في أحيان كثيرة، إلى التسطيح أو إطلاق الأحكام المسبقة والقيمية، لا غفلةً بل تقصّداً، سواء بدافع حبّ أو كراهية أو مصلحة أو انتماء فكري أو حزبي أو قُطري. وإنك لتعجب حين تتابع بعض من تفترض فيهم وعياً وتفكيراً مركَّباً، فإذا بهم ينحدرون إلى الشعبويات طمعاً برضى الدهماء، وربّما برضى السلطان، حتى لا تعود قادراً على التمييز بينهم وبين العوام. غير أن الأخطر في حالتهم أنهم يمارسون دوراً تضليلياً لمن يروْن فيهم نُخباً يُؤخذ عنها العلم والتحليل. على أيّ حال، تلك قضية أخرى لا مجال للتوسّع فيها هنا. تبرز مسألة التفكير المركَّب وتعدّد درجات الظلال بين الأبيض والأسود في سياق الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وما ترتّب عليها من تداعيات جيوسياسية إقليمياً ودولياً. لا يسعى هذا المقال إلى مناقشة العدوان ذاته، وتعبير "العدوان" هنا مقصود بذاته، إذ إنها حربٌ غير مشروعة تشنّها دولتان مارقتان، بغضّ النظر عن مقاربتنا لسياسات إيران الإقليمية وجرائمها هي الأخرى. كثيرون من العرب، عوامّ ونُخباً، سقطوا في مصيدة التسطيح والمواقف القيمية والمنحازة، سواء لناحية اتخاذ موقف مطلق ضدّ إيران والتشفي بها، أو موقفٍ مطلق معها واعتبارها قوّةً خيّرة. لم تشنّ الولايات المتحدة ولا إسرائيل هذه الحرب انتقاماً لضحايا إيران في العراق أو سورية أو اليمن أو لبنان، ولا هما تسعيان إلى إضعاف خصم جيوسياسي لنا لمصلحتنا. هذه حربٌ هدفها الأول والأخير خدمة مصالح واشنطن وتل أبيب، والعرب لن يكونوا منتصرين فيها بأيّ حال، إذ لا يوجد محور عربي قائم ومستقل وفاعل قادر على ملء الفراغات التي ستنشأ من استنزاف أيٍّ من الجبهتَين أو كليهما. انتصار إيران ليس نصراً للعرب، لكن صمودها يكبح إسرائيل المتابع للنقاشات العامة حول الحرب القائمة اليوم يلحظ غياباً كبيراً للتفكير المركَّب والمساحات الرمادية، فأنت مطالبٌ بأن تختار بين جبهتَين، أو أن تنتمي إلى كتيبة الكسالى الواهمين من جماعة "اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين". ومن تجرّأ على تفكيك تشابك الخطوط وجد هجوماً من كلّ جانب. التفكير المركَّب، المُدرِك للتعقيد وتعدّد الزوايا والمآلات والفروق الدقيقة في سياق العدوان على إيران، يتيح لك أن تبقى وفياً لدماء العراقيين والسوريين واليمنيين التي سفكتها إيران وحلفاؤها، وأن تبقى تقارب إيران، ضمن استراتيجياتها التوسّعية، خصماً جيوسياسياً، وفي الوقت نفسه، تدرك أنّ هزيمتها تعني إفساح المجال أمام سطوة إسرائيلية مطلقة، شرسة وعدوانية، على المنطقة، وكسر نقاط الممانعة كلّها فيها. إذن، المسألة ليست اختياراً بين أبيض وأسود، ولا هي محاولة لتبييض جرائم إيران كما يتهم بعضهم، كما أن انتصار إيران ليس نصراً للعرب، غير أن صمودها سيكبح، ولو قليلاً، إسرائيل المدعومة بطغيان أميركي كاسح. المشكلة الحقيقية أن معظم العرب يراوحون اليوم بين ثلاث فرق: تتمنّى الأولى نجاح الولايات المتحدة وإسرائيل في تدمير إيران، حتى لو كان الثمن أن تدوس إسرائيل الجميع بعدها، فالحذاء العبري في لاوعيهم أفخم من الحذاء الإيراني. وينسى هؤلاء أن نظاماً إيرانياً على شاكلة نظام الشاه الذي سقط عام 1979 يعني حليفاً أميركياً إسرائيلياً جديداً ضدّ العرب. الثانية، فرقة ترى في إيران قوة خيّرة ومعبّرة عن الضمير الجمعي للأمة الإسلامية، رغم أن سياساتها عقوداً كانت تمزيقية وتدميرية في جسد هذه الأمة، من دون أن نبرّئ هنا النظام الرسمي العربي. أمّا الثالثة فهي جماعة "اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين"، الذين لا يفهمون ويصرّون على ألا يفهموا، أنّ "الأخيار"، كما يرون أنفسهم، هم وقود الصراع ومادته، والمتاع الذي يُتصارع عليه لامتلاكه ونهبه واستعباده. لكن من يفهم!

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows