Arab
لن نخطئ الظنَّ حين نعتقد أنّ حملة قطع رؤوس النظام الإيراني غير معهودة في العلاقات بين الدول والحروب الحديثة. جرت، وستجري محاولات اغتيال، ناجحة وفاشلة، لكن أحداً لم يبلغ جلافة إسرائيل وصلافتها في تصفية قيادات دولة بهذا الشكل، على اعتبار أنّ هذا، حتى اللحظة الإيرانية، كان من المحظورات في الحروب، لحسابات استراتيجية ليست موضوعنا هنا.
في العقود الماضية، تبنّت الإدارات الأميركية المتعاقبة (إدارة أوباما خصوصاً)، استراتيجية "القتل المستهدِف" (Targeting killings) على الرغم ممّا لها وما عليها من مآخد قانونية وأخلاقية؛ لاغتيال قيادات التنظيمات المعادية شأن "القاعدة" وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وحركة طالبان، بشقّيها الأفغاني والباكستاني، لكنها (وغيرها) لم تقتل قادةَ دول خلال عمليات حربية مباشرة، ولو أنّها خطّطت سرّاً لاغتيالات، وشنّت حروباً لإسقاط أنظمة، وساقت قادة إلى المحاكمات والإعدامات. استهداف قادة الدول مثّل، بموجب العرف، خطّاً أحمرَ في الحروب، لما يتمتّع به هؤلاء من حصانةٍ متّفق عليها، ولما قد يستجلبه قتلهم من تداعياتٍ غير مرغوب فيها، وأقلّه كي لا يتحوّلوا بالاغتيال إلى أبطال؛ هذا وفق الحسابات السياسية، وليس القانونية، إذ يُعدّ قتل السياسيين انتهاكاً لقوانين الحرب، ما داموا غير منخرطين في العمليات الحربية.
أن تقطع رؤوس الدولة، وتمنح التفويض لجنودك في الحرب بقتل كلّ من في لائحة آلتك الذكيّة؛ مسألة لا يملك حقوقها الفكرية إلّا إسرائيل، ويشكّل ذروة مواجهتها المباشرة مع إيران التي بدأتها تقريباً قبل ثمانية أعوام، حين انتقلت من سياسة تصفية العلماء النوويين لإيران بحذر، إلى الاستهداف المباشر لقادتها العسكريين في سورية، وصولاً إلى ما نشهده اليوم.
ظهرت ملامح هذه الاستراتيجية في 2018. روّجها نفتالي بينيت (وكان وزيراً للتعليم)؛ عبر ما سمّاها "عقيدة الأخطبوط". وأُتيحت له فرصةُ تنفيذها عندما تولّى وزارة الأمن بعد عام، ثمّ رئاسة الحكومة (2021 – 2022). تتمثّل هذه العقيدة في قطع رأس العدوّ بدلاً من معاركة مخالبه، ويُقصد بها أذرع إيران في المنطقة، وفي مقدّمتهم حزب الله. وتنطلق هذه العقيدة من أنّ الأخطبوط الإيراني لا يحبّ الموت، ويسهل عليه إرسال غيره إلى الموت، ويُشغِل الإسرائيليين في مقاتلة مخالبه، فيما يجلس هو مرتاحاً يراقب المعركة عن بُعد، لهذا عليهم برأسه. بعد وضع تلك العقيدة على السكّة، بدأت المواجهة المباشرة بالفعل مع إيران من سورية عبر اغتيال قيادات الحرس الثوري و"فيلق القدس". وصحيحٌ أنّ اغتيال أرفع هؤلاء (قاسم سُليماني في 2020) جاء برصاصة أميركية، غير أنّ ما جاءنا من أخبار يفيد بأنّها كانت عملية مشتركة، إذا أخذنا في الاعتبار أنّ بيضة القبّان كانت المعلومات الاستخبارية التي قدّمها الإسرائيليون. ثمّ أتت الضربة الكبيرة على القنصلية في دمشق (2024)، وما لحق بها من ردّ صاروخي إيراني مباشر على إسرائيل، لتشكّل أوّلَ مواجهة عسكرية مباشرة بين العدوَّين.
استهداف قادة الدول مثّل، بموجب العرف، خطّاً أحمرَ في الحروب
مصادفة عجيبة أنّ الموساد نفّذ بالتزامن مع التحوّل نحو المواجهة المباشرة مع إيران (2018) عملية تسلّل نوعية في قلب طهران (يروي تفاصيلها الهوليوودية كتابٌ لصحافيين إسرائيليين حول العمليات السرّية لاختراق إيران، وتشكيل الشرق الأوسط الجديد، صادر عام 2023)، استولى خلالها على أرشيف البرنامج النووي الإيراني، وضمّ مائة ألف وثيقة، وعاد به إلى إسرائيل، ليدّعي أنّ في الأرشيف أدلّةً على خطط لإعداد قنبلة نووية، مفعّلاً بعدها عقيدة بيغن. وقبل التحوّل نحو المواجهة المباشرة، ركّزت إسرائيل في اغتيال العلماء الإيرانيين عبر عمليات نوعية نُفّذ بعضها في قلب طهران، وُجِّهت أوّل الضربات في عام 2007 (أردشير حسين بور)، وتصاعدت ما بين 2010 و2012، قبل أن تعود وتتراجع سنوات، وكأنّها هدنة غير معلَنة، عادت بعدها لتحصد رأس البرنامج النووي الإيراني محسن فخري زاده (2020)، أيْ بعد عامَين من عملية الموساد المذكورة. الملاحظ أنّ إسرائيل لم تتبنّ صراحةً تلك الاغتيالات، وكانت تقع في إطار السرّية؛ كان لا يزال بقية حياء من المجتمع الدولي. لم تكن قد بلغت من التجبّر بعد، وقد أفلتت من حرب إبادة، إلى حدّ المجاهرة بقصف الرؤوس. الضربة الأميركية الإسرائيلية في يونيو/ حزيران الماضي (2025)، نقلت اللعبة إلى مستوى آخر، عبر اغتيال فرقة رفيعة من القادة العسكريين والاستخباريين.
قبل هذا، كانت منشغلةً في مقاتلة حزب الله تحديداً، مصوّرة إيّاه غولاً يتربّص بها، ويهدّد وجودها عند الخاصرة الشمالية؛ ولا نستبعد، وقد شهدنا ما شهدناه من حروب أخيراً، أن ذلك التعظيم كلّه، والتفخيم، كان حرباً نفسيةً مقصودةً لزرع الوهم في ذهن عدوّها بأنّه يفزعها حقّاً، فيصدّق أنّه قادر عليها بقوّة قبضته، تماماً مثلما فعلت خلال حرب 67 حين أقنعت أعداءها والعالم، وشعبها نفسه، بأنّها تواجه خطراً وجودياً ماثلاً في الدول العربية المحيطة بها، قبل أن تنقضّ عليهم في ستّة أيّام.
الحقيقة توجع، لكن إذا أردنا لبلادنا أن تنهض فعلاً من نكساتها، فأوّل الدواء أن نحارب لعنتي الأوهام والانفعال؛ أن نرى، وأن نعقل. هذه ليست دعوة إلى الاستسلام، بل إلى التفكير؛ إلى التأمّل في كلّ ما أصابنا من خيبات ونكسات.
قطع رؤوس الدولة مسألة لا يملك حقوقها الفكرية إلّا إسرائيل
الاستطراد في نصّنا يأتي على قدر ما في نفوسنا من ألم. ما علينا... فضلاً عن شكل الحرب على إيران وعدم شرعيتها، سيترك تفصيل تصفية القادة فيها، وفي مقدمتهم قائدها الأعلى مع ما يحمله من قيمة دينية لمريديه، تأثيرَهُ في المواجهات المستقبلية. حين يهدأ صوت الرصاص، سنرى أنّ ما خلّفته حرب نتنياهو أبعد من ضرب المحور، والنظام في إيران وصواريخها ومشروعها النووي، وأبعد من ضرب الاقتصاد والعلاقات عبر ضفّتَي الخليج، وأسس التحالفات الدفاعية؛ سنرى أنّها ضربت قوانين الحرب، فقد يصبح القادة أنفسهم في لائحة أهدافها.
على كلّ حال، ما رأيناه من أفعال الثنائي ترامب – نتنياهو في الأعوام الماضية بيّن لنا أنّه لم يبقَ قوانين ولا نظام بين الدول. مع ميلنا إلى تصديق قول عاقل منّا إنّ النظام الدولي الذي صدّقنا أنّه قائم، لم يكن نظاماً حقّاً، بل هو بنيان هشّ، وهمٌ؛ وكلّ ما فعل ترامب أنّه أرانا إيّاها. نحن، يا سادة، في أعوام ما قبل الحرب العالمية الأولى، فاربطوا الأحزمة واستعدّوا للأسوأ.
لاحظوا أمراً أخيراً قبل أن نعود إلى الانشغال بنشر أخبار الحرب وعواجلها؛ أنّ قطع الرؤوس الإيرانية لم يأت بضربات أميركية. قد يبرّر العته خطفاً عابراً للحدود لرئيس دولة، وتعمّد استعراضه أمام العالم مكبّلًا في ثوب نومه، مجروراً إلى المحاكمة، لكن قتل قادة أيّ دولة، هكذا بالجملة، مسألة محمّلة بالمخاطر. ما الذي سيردع فلاناً عن قتل علّان وترتان الآن؟
أغلب الظنّ أنّ ترامب فكّر في هذا على الرغم من جنونه كلّه، وترك المهمّة القذرة للصبيّ الأرعن.

Related News
إسرائيل تعلن اكتمال ضربة واسعة في طهران وقصف بضاحية بيروت
al-ain
20 minutes ago
مؤشرات حصار إماراتي للأصول الإيرانية
alaraby ALjadeed
26 minutes ago