Arab
أعجب لأصحاب هذه الأحمال، خصوصاً من الكتّاب، كأن يقول أحدهم: إنني أسّست لقصيدة النثر مثلاً، أو أنا أوّل من كتب القصة القصيرة جدّاً، أو أول من خطّ الرواية في بلاد العرب قاطبة؛ مثل من يقول: أنا أوّل من اصطاد القمري فجراً من فوق بيت حبيبته، أو أوّل من بنى ساقية في الغيطان، أو أوّل من كانت له مائدة رمضانية، أو أوّل من صادق جيل الستينيّات وأكل من فطير بيوتهم وهم فقراء. يحيّرني ذلك "الأوّل" دائماً، من دون أن يدري تعب تلك الأحمال كلّها التي حملها فوق ظهره من عاقبة الفرح بتلك الأولية.
أعرف أن الكتابة خفيفة جدّاً، بل هي أخفّ من ظلالنا، وأخفّ من خطواتنا؛ من يكتب كمن يرسم خطوطاً بسيطة على الرمال في ساعات حزنه، أو عبوره من بلد إلى بلد بحثاً عن شبح السعادة. أعرف أن السعادة في الكتابة قليلة جدّاً، وتخصّ مزاج صاحبها فقط، وتخصّ اختياراته وشَجنه. أكاد أقول إنّ الكتابة شَجن خاصّ، ولا مجال فيها لبطولة أبداً، فبطولة الكتابة متروكة فقط لسعادة من يقرأ، من دون أن نصادفه أصلاً أو نعرفه أو نراهن عليه... فما هي البطولة التي يبحث عنها ذلك المرء الذي تسعده الظلال أو دقائق الغروب، أو تذكّره فقط بتلك الدقائق التي كانت أمّه قاسية عليه لشأن ما، أو بهجة تلك الأرانب الصغيرة التي كانت تتأمّله حينما يفكّ حجره الممتلئ بالقسباء ويلقيها لها في المخول الطيني البسيط؟ ثم يقرأ كتاب عبّاس خضر "خطى مشيناها"، ويستمع إلى أغنية فرحة لسعاد حسني من كلمات صلاح شاهين رغم كآبته، فيقرّر مع نفسه في ساعة الغروب تلك أن يمشي حتى يكاد يدوس فوق تلك الخطى التي مشى عليها عبّاس خضر، ويصير سعيداً من دون أن يلاقي عبّاس خضر في مقهى، أو فوق كوبري قديم في الجيزة، أو مقهى متانيا، أو يجري معه أوّل حوارٍ في حياته الأدبية، أو أوّل قعدة له بجوار كرسي يوسف إدريس.
حينما يتحوّل الكاتب إلى كرسي في لجنة، أو مكان ثابت في مقهى، أو اسم ثابت في مزادات الجوائز، أو رقمٍ صعبٍ في تحكيم جوائز المال شرقاً أو غرباً، أو أوّل من عرف كتابات نتالي ساروت أو كافكا، أظنّ أنّه يتحوّل إلى ما يشبه "الكمسري" الذي يسأل كلّ فرد عن التذكرة، لأنّه أوّل من اشترى البايب، وأوّل من صادق جيل الستينيّات، وأوّل من دخل بيت نجيب محفوظ، وأوّل من قرأ بورخيس، وأول من اشترى القهوة من باب اللوق وركنها في المقهى، فقُلّد في بغداد والزمالك.
الذي يسيل لعابه إلى فكرة "الأوّل"، مثل من يقول إنّه أوّل من أجرى حواراً مع أحمد زكي، وأوّل من تنبّأ له بالنجومية، وكان قد تعرّف عليه في قصر ثقافة نسي اسمه، كأوّل من عبر السلك غرب سمالوط في الستينيّات وعاد بالفانلات الهلانكا. يحيّرني ذلك "الأوّل"، خصوصاً أن الكتابة لا تحبّ أبداً سماسرة السخل، وهي كلمة تطلق على صغار الجديان.
لا أحبّ أبداً أفكار متعهّدي الحفلات، أو عساكر المرور، أو موظّفي الجمارك، أو فرّازي قناطير القطن وحَمَلة الموازين، أو جامعي التحف والأنتيكات، والصناعات الأولى للساعات القديمة من سويسرا. أعرف جيّداً أن الكاتب بمثابة ضيف خفيف على العالم، وليس "قعر مجلس"، وليس حاملَ مفاتيح مواقف سيارات، ولا ساحراً أو جنديّاً يحرس قاعةً خلفيةً تدخلها الراقصات. الكاتب أخفّ من ذلك بكثير، وليس نجماً بالمرّة، فهو يجب أن يكون خجولاً.
أتعجب ممن تأتيهم الجرأة كي يوقّع كتابه وسط حشد، أو يتصدّر ندوات الأدب ثلاثين سنة من دون أن يتعب أو يصاب بالصداع، أو ممَّن يقول: أنا كاتب الرواية تلك أو القصّة تلك التي فتحت الطريق لجيل بأكمله كان ينتظر ذلك. أتعجّب من ذلك الهوس، وأعتبره بمثابة نشاط تجاري، أو فرداً يعمل "قومسيونجي" في حقل رمزي من الواجب أن يتوافر في صاحبه الحياء والخجل أيضاً، وأخجل لمَن يتقدّم إلى الجوائز كلّ سنة حتى وهو في مرضه أو عزلته، من دون هوادة أو كَلَال.
الكتابة تحبّ الظلال، وتحبّ الحياء، وتحبّ التواضع، وتحبّ الخجل، وتحبّ الغياب؛ غياب صاحبها من الشأن العام، والإطار العام، والكسب العام، والمناخ العام. الكاتب حالة فردية جدّاً، لا تطيق رجل العصابات، ولا تحبّ قاطع الطريق، ولا تحتاج إلى التربّص لسنوات في المقهى أو المطار أو اللجنة، أو الجري وراء العزاءات في عمر مكرم أو جامع الشاذلية أو مسجد المشير. الكتابة تحبّ بيتها فقط، ونخلتها، ومزاجها، وطيبتها، بعيداً عن الدهون وتحايلات الجزارة، والأسعار المعروضة في الفضائيات، وتنبيهات السلطات ليلاً.
الكتابة مزاج نفسها ومزاج صاحبها، بعيداً عن الانتماء إلى أيّ شيء آخر. الكتابة لها كهفها وبيتها ونخلها، وللبيت ربّ يحميه، كما قال عبد المطّلب. الشلّة مظلّة للمطر، والمقهى بالشلّة بستان للأوهام، وحتى الكتب، رغم كثرتها، بلا فائدة كسراب يمشي فوق صاحبه كي ينال الرضا من هناك أو هنا.
الكتابة فقط تخصّ صاحبها، تخص جنونه اللطيف، بعيداً عن المحاذير والقيل والقال في قاع المدينة، أو الحزب، أو اللجنة، أو اللمّة، أو الملّة، أو الكهنة. فقط على الروح أن تحاول أن تلمّ ظلالها وتسكبها حتى فوق الرمال المتحرّكة. وللبيت ربّ يحميه، ويا ليت نصيحتي تنفعني، وإن فرضاً نلت ذلك فقد أطير أو أصير كملاك خفيف.

Related News
دراسة: أقدم كلب معروف ظهر قبل 15 ألفاً و800 عام
aawsat
20 minutes ago
نيكولاس مادورو... رئيس منسي في سجن نيويوركي
alaraby ALjadeed
28 minutes ago
بريطانيا في المربع الرمادي من الحرب على إيران
alaraby ALjadeed
28 minutes ago