بريطانيا في المربع الرمادي من الحرب على إيران
Arab
1 hour ago
share
شهد الموقف البريطاني من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران تطوراً ملحوظاً خلال الأيام الأخيرة. وباتت لندن أقرب اليوم إلى واشنطن مما كانت عليه قبل أسبوعين، من دون حدوث انقلاب وتحوّل كامل، إذ لا تزال الحكومة البريطانية تحاول تجنّب الحرب المباشرة. ما حصل هو عبارة عن تحوّل جزئي تكتيكي عن موقف رفض السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعد عسكرية بريطانية لشن ضربات على إيران. ورغم تأكيد بريطانيا عدم المشاركة في الحرب، أجازت استخدام القواعد في بعض العمليات، وتوسيع الدور البريطاني ليشمل الانضمام لجهود حماية الملاحة، وضرب منصات الصواريخ التي تهدد السفن، وتنفيذ عمليات دفاعية كإسقاط طائرات مسيّرة، وحماية القواعد، ما يعني عملياً الانتقال من الحياد الحذر إلى الدعم العسكري المحدود. لم تنخرط بريطانيا في الحرب، والحكومة تؤكد أنها لن تشارك في ضربات ضد إيران، وأن قواعدها لا تُستخدم للهجوم المباشر، خصوصاً من قبرص. وشدد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر على عدم الانجرار إلى "حرب أوسع"، لكن عملياً، هناك اقتراب واضح من الانجرار إلى الحرب، إذ باتت القواعد البريطانية تُستخدم في عمليات مرتبطة بالحرب. كما أن القوات البريطانية تشارك في حماية الملاحة، وضرب (صدّ) تهديدات مرتبطة بإيران، بما فيها حين تعرضت القواعد البريطانية لهجمات إيرانية، مثل القاعدة البريطانية الأميركية المشتركة دييغو غارسيا (نفت إيران استهداف القاعدة)، الواقعة في المحيط الهادئ، ما جعل من لندن طرفاً غير مباشر في الحرب. بريطانيا تحت ضغط أميركي شيئاً فشيئاً باتت لندن على مقربة من مشاركة أوسع تلوح في الأفق. وهناك مؤشرات مهمة، تتمثل بضغط أميركي قوي، إذ تلح واشنطن في طلب دعم بريطاني أكبر، ووصلت في انتقادها بطء البريطانيين بالاستجابة إلى حد وصف بعض الحلفاء بأنهم غير متعاونين. وقاد كل ذلك لتوسيع تدريجي للدور البريطاني من دفاع فقط إلى عمليات لحماية الملاحة والسماح باستخدام القواعد في بعض الضربات، كما هددت بريطانيا إيران بشكل مباشر، بعد الحديث عن استهداف قاعدة دييغو غارسيا، لكن تبقى المشاركة البريطانية في الأحوال كافة مشروطة. كما أن الذهاب نحو خطوات أكبر يظل مرتبطاً باستهداف مصالح غربية، ما قد يغير موقف لندن نحو التصعيد في حال استهداف القوات البريطانية بشكل مباشر، أو إغلاق مضيق هرمز بالكامل. إيران، وفق اتهامات بريطانية وإسرائيلية، أطلقت صاروخين باليستيين باتجاه قاعدة دييغو غارسيا التي تبعد أربعة آلاف كيلومتر على الساحل الإيراني، لم يصب أي منهما الهدف، أحدهما فشل أثناء الطيران، والآخر اعتُرض، وهو ما عدّته طهران، على لسان المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي، أخباراً كاذبة التي لم يؤيّدها حتى الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته الذي صرّح بأنهم (الحلف) "لا يستطيعون تأكيد" التقييم الإسرائيلي بهذا الشأن. وإذا ما صح خبر محاولة ضرب القاعدة، فإن ذلك يعني توسيع نطاق الحرب، بإدخال بريطانيا عملياً في دائرة الاستهداف، لكن ذلك لن يفرض زجّها في الحرب تلقائياً، وهذا مهم جداً. ورغم خطورة الحدث، لم يكن الهجوم ناجحاً، ولم تُصب القاعدة، أو تقع خسائر بشرية، ولذلك لا تزال بريطانيا تعتبر نفسها ليست في حالة حرب، وتؤكد أن دورها دفاعي فقط. بريطانيا أقرب اليوم إلى الولايات المتحدة مما كانت عليه قبل أسبوعين بريطانيا أقرب اليوم إلى الولايات المتحدة مما كانت عليه قبل أسبوعين، لكنها لا تزال تحاول تجنب الحرب المباشرة، ولن تنضم فعلياً. وأمامها عدة خطوط حمراء واضحة، إذا جرى تجاوزها قد تغيّر القرار جذرياً. الأول، استهداف مباشر للقوات أو القواعد البريطانية، مثل ضرب قواعد بريطانية في الخليج، أو مقتل جنود بريطانيين، وهنا يصبح الرد شبه حتمي عسكرياً، وقد تتحول بريطانيا من الدفاع إلى الهجوم. الثاني، إغلاق مضيق هرمز بالكامل، الممر الحيوي للتجارة العالمية والطاقة، وفي حال عُطّل ستشارك بريطانيا في عمليات عسكرية لضمان فتحه، حتى لو أدى ذلك إلى مواجهة مباشرة مع إيران. والثالث، ضغط أميركي قوي لبناء تحالف عسكري، أي إذا طلبت الولايات المتحدة دعماً مباشراً ضمن تحالف خليط بين أطلسي أوروبي إقليمي، خصوصاً إذا شاركت دول أخرى مثل فرنسا. وفي هذه الحالة لن تكون بريطانيا خارج التحالف، لكنها قد تشارك بشكل محدود ومدروس. الاعتبار الرابع، هو توافر غطاء قانوني أو دولي، مثل قرار من مجلس الأمن، أو مبرر "الدفاع عن النفس"، وهذا مهم جداً لبريطانيا، لأنه يخفف الضغط الداخلي ويمنح الشرعية للتدخل. أما الخامس، فهو حصول ضغط داخلي سياسي أو إعلامي، وهو ما يمكن أن يحدث في حال هجوم كبير على مصالح بريطانية، أو تهديد مباشر للأمن القومي، عندها سيتحوّل الرأي العام لصالح التدخل. يبرز أمام كل ذلك سؤال حول تردد لندن، وتمنّعها حتى الآن عن المشاركة في الحرب كما جرت العادة، حيث كانت أول طرف دولي يضع قوته تحت تصرف الحليف الأميركي. ويتلخص ذلك في المخاوف من حرب إقليمية واسعة، أو تكرار تجربة احتلال العراق عام 2003، أو حدوث انقسام سياسي داخلي، في وقت تعيش حكومة حزب العمال حالة ضعف كبير في شعبيتها، وتواجهها سلسلة من الأزمات الاقتصادية، والانقسامات الداخلية، التي يمكن أن تعصف بها في أي لحظة. لذلك تحسب خطواتها بموازين دقيقة جداً، خصوصاً أن مشاركتها ستضعها بمواجهة مباشرة مع إيران. وبناء على ذلك، يبدو السيناريو الأقرب حالياً لبريطانيا، أن تستمر في وضع دعم دفاعي، ومشاركة غير مباشرة، والعمل على تجنب الهجوم المباشر، لكن إذا تجاوزت إيران أحد الخطوط الحمراء أعلاه، قد تتحول بسرعة إلى طرف عسكري مباشر. أما اتخاذ القرار فيعتمد على مستوى التصعيد، والتهديد المباشر لمصالحها. وبحسب قراءة الإعلام البريطاني لمزاعم قصف قاعدة دييغو غارسيا، فإنه رسالة إيرانية واضحة لبريطانيا أرادت أن تقول فيها إن "أي دولة تدعم العمليات الأميركية قد تصبح هدفاً"، ما يرفع درجة الضغط على بريطانيا، ويزيد من مستوى المخاطرة. وتوضح القراءة أن بريطانيا قبل الضربة "داعم غير مباشر"، وبعدها أصبحت هدفاً محتملاً، وهذا تغيّر مهم جداً، لكنه لم يصل إلى نقطة اللاعودة لكي تدخل بريطانيا الحرب رسمياً. ويحتاج الأمر عادة إصابة مباشرة للقاعدة، وسقوط قتلى بريطانيين أو هجوم متكرر أو واسع. وقبل الهجوم كانت بريطانيا داعماً محدوداً وحذراً، وبعده باتت تحت التهديد وأقرب نفسياً وعسكرياً للانخراط، لكنها لا تزال خارج الحرب رسمياً. وبالتالي، إن قصف دييغو غارسيا لا يعني دخول بريطانيا الحرب، لكنه خطوة كبيرة نحو ذلك. هو تصعيد خطير جداً وتحذير مباشر، لكنه من جانب لندن لم يتحوّل بعد إلى سبب كافٍ للحرب الشاملة. وأخطر ما في هذا الحدث ليس الصاروخ نفسه، بل القاعدة، وإذا تكرّر الهجوم ونجح في إصابة القاعدة وتسبب في سقوط قتلى بريطانيين، فإن بريطانيا ستصبح أمام تحوّل سريع نحو مشاركة مباشرة. مستويات الردّ كذلك، أمام بريطانيا مستويات عدة من الرد الأول، محدود ودفاعي، ويقتصر على ضرب منصات إطلاق الصواريخ، أو الطائرات المسيّرة، واستهداف مواقع عسكرية مرتبطة بالهجوم فقط وتعزيز الدفاعات الجوية والبحرية، والهدف من ذلك الرد من دون توسيع الحرب. أما الثاني، فهو رد مشترك مع الولايات المتحدة، يقوم على المشاركة في ضربات جوية محدودة باستخدام قواعد بريطانية، وتنفيذ بعمليات بحرية في الخليج. ويرجّح خبراء عسكريون أن هذا هو السيناريو الأكثر احتمالاً إذا كان الهجوم كبيراً. المستوى الثالث، هو تصعيد واسع عن طريق ضرب أهداف داخل إيران مباشرة ومشاركة جوية وبحرية أوسع، ما يعني انخراطاً أقرب إلى الحرب، وهذا وارد في حال تكررت الهجمات الإيرانية، وكان ضررها كبيراً جداً. واللافت هو أنه في وسط هذا النقاش، تتردد لازمة أن أي رد بريطاني لا بد من أن يكون له غطاء قانوني، وفق مبدأ الدفاع عن النفس، وضمن قرار ورؤية تتجنب الحرب الشاملة. يبدو مستبعداً احتمال أن تفتح إيران النار على بريطانيا وتستدرجها للمشاركة بالحرب من ناحية أخرى، يبدو مستبعداً احتمال أن تفتح إيران النار على بريطانيا وتستدرجها للمشاركة بالحرب، ومن المرجح أنها مستعدة للتصعيد المحدود إذا لزم الأمر، غير أنها تخشى أن يقود ذلك إلى تحركين مهمين ضدها. الأول، على مستوى أوروبا، فصحيح أن بريطانيا باتت خارج الاتحاد الأوروبي لكن التضامن بين دول القارة لا يقتصر على الاتفاقات. والثاني، هو حرب مباشرة مع حلف شمال الأطلسي، ما يقود إلى تفعيل المادة الخامسة من قانون الحلف، الخاصة بالدفاع المشترك، والتي تنصّ على أن أي هجوم مسلح يستهدف أي دولة من الدول الأعضاء يُعتبر هجوماً على الدول الأعضاء كافة. ومع ذلك تبقى إيران قادرة على الضغط على الدول الأوروبية، واستهداف قواعدها ومصالحها في المنطقة، وتوجيه رسائل ردع مثل ضرب قواعد مشتركة، وعلى التصعيد غير المباشر عبر وكلاء إقليميين أو هجمات محدودة ومدروسة، وتهديد الملاحة واستهداف مصالح اقتصادية. وفي الأحوال كافة لا يبدو أن إيران تنوي توسيع ميدان الحرب فعلياً، إلا في حال تلقيها ضربات غربية كبيرة مثل استهداف محطات الطاقة. عندها لن تقتصر الهجمات الإيرانية على إسرائيل ودول الخليج، إذ ربما تصل الصواريخ الإيرانية المدن الأوروبية، وخصوصاً بريطانيا المشكوك بوقوفها على الحياد.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows