Arab
يحدُث أن يستيقظ المرء ذات صباح وقد هدأت داخله الأسئلة التي كانت تقلقه، فيشعر بخفّةٍ مفاجئة، كأنّ شيئاً ثقيلاً أُزيح عن صدره من غير جهد، ويظنّ أنّه بلغ نوعاً من الصفاء، وأنّه أخيراً تصالح مع العالم ومع ذاته، وأنّه لم يعد مضطرّاً إلى مساءلة كلّ فكرة تعبر ذهنه، ولا إلى مراجعة كلّ موقف يتّخذه. غير أن هذه السكينة التي تبدو مغريةً قد تخفي في أعماقها خديعةً دقيقة. خديعةٌ تجعلنا نخلط بين السلام الحقيقي وبين خمود الوعي.
الشكّ، في صورته النبيلة، ليس ضعفاً كما يُصوَّر أحياناً، ولا علامة اضطرابٍ كما يُساء فهمه، بل هو إحدى أدوات النجاة التي يمتلكها العقل حين يريد أن يبقى حيّاً. هو تلك المسافة التي يضعها المرء بينه وبين ما يُقال له، وبين ما يصدّقه بسرعة، وبين ما يندفع إليه بدافع العادة أو القطيع. ومن دون هذه المسافة، يصبح الوعي مهدّداً بأن يتحوّل إلى مرآةٍ تعكس ما يُلقى فيها من غير تمييز.
حين يفقد المرء قدرته على الشكّ، فإنّه لا يفقد مجرّد مهارةٍ ذهنية، بل يتخلّى عن جزء من حرّيته، لأن اليقين السريع يمنح راحة فورية، ويغلق في الوقت نفسه الأبواب التي قد تقود إلى فهم أعمق. وهنا تكمن مفارقة خفيّة: أنّ السلام الداخلي الذي يُبنى على غياب الأسئلة، ليس سلاماً بقدر ما هو استسلام أنيق.
في التجارب الإنسانية الكُبرى، لم يكن الشكّ عائقاً أمام الوصول إلى الحقيقة، بل كان طريقاً إليها. كلّ فكرة ناضجة مرّت بمخاض من التردّد، وكلّ قناعة راسخة كانت يوماً ما سؤالاً قلقاً يبحث عن إجابة. وحين نتأمّل في مسارات الوعي الفردي، نجد أن اللحظات التي يظنّ فيها المرء أنّه استقرّ نهائياً، تكون، في أحيانٍ كثيرة، بداية نوع من التجمّد، إذ تتوقّف الحركة الداخلية التي تصنع النمو.
والأخطر أن فقدان الشكّ لا يحدُث بشكل فجائي، بل يتسلّل بهدوء. يبدأ برغبة في الراحة، ثم يتحوّل إلى ميل لتجنّب الأسئلة المزعجة، ثم ينتهي إلى حالة من الاطمئنان السهل، فلا يعود هناك دافع حقيقي إلى مراجعة القناعات. ومع مرور الوقت، تتكوّن قشرةٌ صلبةٌ حول الوعي، تمنعه من التفاعل الحقيقي مع ما يتغيّر حوله.
في هذا السياق، يصبح من الضروري التمييز بين نوعَين من السكينة: سكينة ناضجة تأتي بعد رحلة من التفكير والبحث والمساءلة، وسكينة زائفة تنشأ من إغلاق النوافذ. الأولى تمنح عمقاً ومرونة، والثانية تمنح راحةً مؤقّتةً، لكنّها تسلب القدرة على التجدّد. والفرق بينهما قد لا يظهر في البداية، لكنّه يتجلّى بوضوح حين تتبدّل الظروف، ويجد الإنسان نفسه عاجزاً عن إعادة النظر في ما كان يراه ثابتاً.
الشكّ لا يعني الارتياب في كلّ شيء إلى حدّ الشلل، ولا يعني أن يعيش الإنسان في قلق دائم، بل هو توازنٌ دقيقٌ بين الثقة والتساؤل. هو أن يمنح نفسه حقّ التوقّف، وحقّ التفكير، وحقّ التراجع أحياناً، وحقّ تغيير رأيه حين تتغيّر المُعطيات، وهذا ليس ترفاً فكرياً، بل جزءاً من كرامة الوعي.
ومن اللافت أن بعض الخطابات الحديثة تميل إلى تمجيد "السلام الداخلي" بوصفه غايةً نهائية، من دون أن تسأل عن الثمن الذي يُدفع في الطريق إليه، وكأنّ المطلوب أن يتخلّى الإنسان عن قلقه المعرفي، وعن توتّره الخلّاق، مقابل شعور مريح بالرضا. غير أن هذا الرضا، إذا لم يكن قائماً على فهم حقيقي، يتحوّل إلى غطاء ناعم لكسل فكري لا يعترف بنفسه.
في العمق، لا يخشى المرء الشكّ بقدر ما يخشى ما قد يكشفه، لأنّ الشكّ يضعه في مواجهة احتمالات لم يكن يرغب في رؤيتها، ويجبره على إعادة ترتيب أفكاره، وربّما على هدم بعض مما يوقن به، وهذه عملية مؤلمة، لكنّها ضرورية لكلّ وعي يريد أن يبقى صادقاً مع نفسه.
وحين نعيد النظر في العبارة التي تبدو بسيطة في ظاهرها، ندرك أنّ الخطر لا يكمن في فقدان الشكّ وحده، بل في القدرة على إعادة تسمية هذا الفقدان بوصفه فضيلة، وهنا يتحوّل الخلل إلى قيمة، ويصبح النقص مموّهاً بلغة برّاقة، فيصعب الانتباه إليه.
لذلك، قد يكون من الحكمة أن يحتفظ الإنسان بقدر من القلق النبيل، ذلك القلق الذي لا يدمّره بل يدفعه إلى التفكير، ولا يشتته بل يعيده إلى جوهره، وأن يتعامل مع السلام الداخلي بوصفه نتيجةً لرحلة واعية، لا ذريعةً للهروب من الأسئلة، فالعقل الذي يتوقّف عن الشكّ يتوقّف عن الاكتشاف، والوعي الذي يرضى بسرعة يفقد قدرته على رؤية ما هو أبعد من الطمأنينة السطحية.

Related News
دراسة: أقدم كلب معروف ظهر قبل 15 ألفاً و800 عام
aawsat
24 minutes ago
نيكولاس مادورو... رئيس منسي في سجن نيويوركي
alaraby ALjadeed
32 minutes ago
بريطانيا في المربع الرمادي من الحرب على إيران
alaraby ALjadeed
32 minutes ago