الحرب على إيران تصعق الاقتصاد العالمي
Arab
2 hours ago
share
بعد مرور ما يقارب أربعة أسابيع، تكشف وقائع لم تكن مدرجة ضمن حسابات الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية، أن المغامرة التي قام بها دونالد ترامب في حربه على إيران لن تكون نزهة قصيرة، ومن المؤكد أن آثارها على الاقتصاد العالمي ستكون عميقة ومؤلمة وطويلة الأمد، على أسعار النفط من التضخم وارتفاع أسعار كل شيء على ظهر الكوكب إلى معدلات النمو السنوية. وبمقارنة أزمة النفط الحالية بأزمة السبعينيات، فإن الاقتصاد العالمي أصبح أكثر تداخلاً مما كان عليه في السبعينيات. ومع تقدم العولمة وسلاسل التوريد، زاد حجم التجارة العالمية في السلع والخدمات من 42% من الناتج الإجمالي العالمي في عام 1980 إلى أكثر من 60% في عام 2005. وبالتالي، فإن عالماً يمتلك اقتصاداً عالمياً مترابطاً في عصر تصاعد الصراعات والحروب والتوترات الجيوسياسية هو عالم أكثر خطورة؛ ولا وجود فيه لنموذج اقتصادي مستدام. وما يزيد الطين بلة، أنّ الاقتصاد العالمي قبيل اندلاع الحرب على إيران، كان عالقاً في عنق الزجاجة بسبب أزمة إغلاقات كورونا؛ واضطرابات الأسواق الناتجة عن إغلاق قناة السويس أمام الملاحة العالمية وهجمات الحوثيين على سفن البحر الأحمر بعد الغزو الإسرائيلي لغزة. وباندلاع الحرب الحالية، بالتزامن مع استمرار الحرب في أوكرانيا، وحروب الرسوم الجمركية التي قادها ترامب، دخل الاقتصاد العالمي نفقاً مظلماً جديداً. نزهة ترامب في إيران في الأيام القليلة التي تلت قصف الولايات المتحدة وإسرائيل إيران، راهنت الأسواق المالية على أن التداعيات الاقتصادية الناتجة عن "الرحلة القصيرة" لترامب في إيران ستكون نزهة قصيرة الأمد. وبعد الغارة الجوية التي قتلت المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، قال مدير صندوق استثمار أميركي إن المخاطر من ارتفاع أسعار النفط على المدى الطويل واردة، ولكن هذا الخطر ما زال بعيداً، وقد أظهر التاريخ مراراً وتكراراً أن مثل هذه الاضطرابات الجيوسياسية غالباً ما تكون قصيرة الأمد، ويجب ألا يكون هذا الفيلم استثناء. وأرسلت مجموعة غولدمان ساكس، وهي شركة أميركية تعمل في مجال الخدمات المصرفية الاستثمارية والخدمات المالية وإدارة الأصول والثروات من خلال مكاتب إقليمية منتشرة في المراكز المالية حول العالم منذ 156 سنة، رسالة للعملاء تتوقع فيها اضطراباً مؤقتاً، وأن أسعار النفط ستظل منخفضة طوال العام. وتوقع بنك يوني كريديت، وهو مصرف تجاري أوروبي يتمتع بحضور قوي في 13 سوقاً مالية عالمية، ويحتل المرتبة الـ34 عالمياً من حيث حجم الأصول، أن الحد الأقصى للنفط الخام سيدور حول 80 دولاراً للبرميل، وبرر توقعه بأن الرد الإيراني سيكون محسوباً، نظراً لحرص النظام على البقاء في السلطة. ولم يتوقع أكثر المتشائمين أن يتجاوز البرميل حاجز 100 دولار. وتوقع بنك سوسيتيه جنرال، ثالث أكبر بنك فرنسي دولي يعمل منذ 160 سنة في الخدمات المالية، أن تنتهي الحرب بسرعة، وتسيطر حكمة السوق على المعاملات التجارية، مع سرعة إعادة فتح مضيق هرمز. حرب إيران ليست نزهة بعد مرور ثلاثة أسابيع، تبدلت التوقعات إلى احتمال حرب طويلة الأمد مع مشاكل اقتصادية متزايدة. ارتفعت أسعار النفط من 66 دولاراً للبرميل إلى 120 دولاراً، وتضاعفت أسعار الغاز في أوروبا وزادت في كل دول العالم، وهددت إيران بإرسال سعر النفط إلى 200 دولار للبرميل، واستهدفت سفن الشحن عبر مضيق هرمز، وحقول ومصافي النفط وخطوط الأنابيب في السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين، وقصفت حقل الغاز في راس لفان في قطر، ثاني أكبر مورد بعد الولايات المتحدة، والتي توفر 20% من سوق الغاز الطبيعي المسال، وقد يستمر تعطيل إمدادات الغاز الطبيعي المسال لأشهر بعد انتهاء الحرب، وذلك حسب مدى الضرر، وبالتالي تبقى أسعار الغاز مرتفعة، ما يقود أسواق الطاقة إلى سيناريو "يوم القيامة" بعد تعرضها لأكبر صدمة في إمدادات الطاقة في التاريخ بعد إغلاق مضيق هرمز. وتراجعت "غولدن ساكس" عن سيناريو التفاؤل، وقالت إن المخاطر التي تهدد أسعار النفط تميل نحو الارتفاع في ‌المدى القريب وحتى سنة 2027، ومع احتمال بقاء أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل. واضطربت الأسواق المالية العالمية، ولمس المستهلكون حول العالم ارتفاع تكاليف المعيشة. ونزلت البنوك المركزية من أبراجها العاجية، بما في ذلك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وبنك إنجلترا والبنك المركزي الأوروبي، وعلى استحياء اعترفت بأن الحرب سيكون لها تأثيرات على التضخم ومعدل النمو العالمي. وبمرور أيام الحرب، تظهر المزيد من المشاكل الاقتصادية، من ارتفاع أسعار البنزين والديزل للسائقين، إلى إلغاء رحلات الطيران، وأسوأ اضطراب في السفر منذ جائحة كوفيد، إلى تعطل حركة الشحن البحري، وارتفاع التكاليف، وزيادة فاتورة التأمين على السفن، وارتفاع أسعار الأسمدة بشكل حاد، ما أضر بالمزارعين حول العالم، ويؤسس بالتبعية لارتفاع حاد في أسعار الغذاء. وزادت أسعار كل شيء تقريباً، السلع والخدمات، والصناعة الثقيلة الأوروبية بشكل خاص، والتي لا تزال تعاني بشدة من صدمة أسعار الطاقة في 2022 بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، والمصانع معرضة لخطر الإغلاق. ورفعت شركة بآسف الألمانية، أكبر شركة كيميائية في العالم، أسعار المنتجات. وقال المالك الأميركي لمصنع شركة هانتسمان في بريطانيا، إنه سيغلق المصنع إذا استمرت أسعار الغاز عند مستوياتها الحالية خلال الأشهر الثلاثة القادمة. وهو أحد آخر المصانع المتبقية من شركة إمبريال للصناعات، التي كانت أكبر شركة تصنيع في بريطانيا خلال القرن العشرين. وينتج المصنع مادة الأنيلين، وهي مادة كيميائية تُستخدم في كل شيء تقريباً، من مقاعد السيارات إلى مكونات الطائرات. واعتبر المالك القفزة الأخيرة في أسعار الغاز التي غذتها الحرب الإيرانية أنها "مسمار آخر في نعش الصناعة الثقيلة الأوروبية". ما يزيد الطين بلة، أنّ الاقتصاد العالمي قبيل اندلاع الحرب على إيران، كان عالقاً في عنق الزجاجة بسبب أزمة إغلاقات كورونا، واضطرابات الأسواق الناتجة عن إغلاق قناة السويس أمام الملاحة العالمية وهجمات الحوثيين على سفن البحر الأحمر ويدرك رجال المال والأعمال أن أسعار الطاقة المرتفعة، بسبب الحروب أو الثورة في الشرق الأوسط، كانت عوامل مهمة في الركود الغربي في 1973 و1979 و1990. وأدى ارتفاع أسعار الغاز والنفط بعد غزو روسيا أوكرانيا إلى انهيار معدل النمو في أوروبا في عام 2023. هرمز شريان الاقتصاد العالمي نظراً إلى أهمية مضيق هرمز التاريخية، أرسل رونالد ريغان في الثمانينيات سفناً حربية أميركية إلى المضيق الحيوي لحماية السفن التجارية خلال حرب إيران والعراق. في هذه الحادثة التي عرفت باسم "حرب ناقلات النفط"، أرسلت واشنطن أكبر قافلة بحرية منذ الحرب العالمية الثانية، للحفاظ على تدفق صادرات النفط والغاز. وبطريقة متشابهة، طرح ترامب حماية دولية لهرمز، ولكنه يخطئ هذه المرة، ولم يستجب له أحد بأكثر من الوعود الكلامية، لأنه متورط في حرب غير مبررة، وبدأها تحت ضغط رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، وفق تصريح مدير المركز الوطني الأميركي لمكافحة الإرهاب ومساعد مديرة الاستخبارات القومية جو كينت، الذي أحدث زلزالاً في البيت الأبيض بتقديمه الاستقالة من عمله اعتراضاً على الحرب، وقوله إن إسرائيل جرت بلاده إليها جراً. وبعد التهديد بقصف مصادر الطاقة في إيران إذا لم تفتح المضيق خلال 48 ساعة، مرت المدة، ولعق تهديده، وأعطى مهلة 5 أيام إضافية، ولن تحل الأزمة بهذه الطريقة. في سيناريو الحرب الطويلة، من المتوقع أن يؤثر وقف إمدادات الطاقة بالمنتجات الثانوية للوقود الأحفوري، مثل مكونات السيارات، والكيماويات الدوائية، والأسمدة الزراعية. اكتشف العالم أن الخليج العربي هو موطن لأكبر مصانع الأسمدة والبتروكيماويات في العالم، ومنطقة محورية للزراعة حول العالم. فحوالي 50% من الصادرات العالمية لليوريا، وهي سماد شائع الاستخدام، والكبريت، وهو مكون حيوي في الأسمدة، تأتي من الشرق الأوسط. وارتفاع تكاليف الأسمدة الزراعية سيؤثر بإنتاجية المحاصيل وترفع أسعار الغذاء في منتصف هذا العام. وشح الأسمدة قبل موسم الزراعة الربيعي في نصف الكرة الشمالي، سيكون له تأثير في إنتاجية المحاصيل، ورفع أسعار الغذاء، ما يضرّ بالدول المنتجة للغذاء والدول منخفضة الدخل والأسر الفقيرة عالمياً. صناعة البلاستيك والمواد البتروكيميائية والأدوية أيضاً تتضرر بسبب الحرب على إيران. فقد تراجعت إمدادات الهيليوم، وهي ضرورية لإنتاج الرقائق الإلكترونية وأجهزة الرنين المغناطيسي، بسبب توقف قطر عن الإنتاج. وتؤمّن قطر ثلث الإمدادات العالمية من هذا الغاز كمنتج ثانوي مهم للغاز الطبيعي المسال. وسوف تتأثر سلاسل توريد التصنيع العالمية نتيجة لذلك، من إنتاج السيارات إلى الإلكترونيات. أرسل بنك سوسيتيه جنرال رسالة للعملاء تقول "الوقود الأحفوري والمواد البتروكيماوية تمر عبر الشرايين العميقة للاقتصاد الحديث، تداعيات هذه الحرب هائلة على الاقتصاد العالمي، إذا ظل مضيق هرمز مغلقاً لعدة أشهر، فإن الاضطرابات في سلاسل التوريد خارج نطاق الطاقة، من الغذاء إلى أشباه الموصلات، ستصبح حرجة لدرجة أن خطر سيناريو مشابه لكوفيد، بالإضافة إلى صدمة روسيا-أوكرانيا سيكون وارداً بقوة". من المتوقع أن يزيد معدل التضخم ويتراجع النمو الاقتصادي العالمي. والأسر لديها مساحة ضيقة لتحمّل ارتفاع الأسعار، بينما كانت الشركات بالفعل تسرّح نسبة من العمال في عدة دول قبل بدء حرب إيران. يتوقع سيناريو لبنك باركليز أن يبقى متوسط أسعار النفط فوق 100 دولار في 2026، كما كان الحال في 2022، وأن يخفّض ذلك النمو العالمي 0.2%، ليكون عند 2.8% هذا العام، وسيكون التضخم الرئيسي أعلى 0.7%، ليصل إلى 3.8%. ويتوقع بعض الاقتصاديين أن استمرار الحرب قد يرفع أسعار النفط إلى أكثر من 170 دولاراً للبرميل وربما 200 دولار، ما يؤدي إلى ركود عالمي محقق. الخلاصة أن ترامب وضع اقتصاد العالم تحت رحمة الحرب.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows