Arab
شهدت الساحة العراقية خلال الساعات الماضية تصعيداً أمنياً واسعاً، بعد سلسلة غارات جوية نفذتها طائرات أميركية، وطاولت مقرات لفصائل مسلحة تابعة لـ"الحشد الشعبي"، وخلفت العديد من القتلى والجرحى وسط رد مقابل للفصائل على تلك الهجمات. يأتي هذا التصعيد في وقت يواجه فيه العراق تحديات داخلية وإقليمية معقدة، ما يضع أمنه واستقراره أمام اختبار جديد قد يحمل تداعيات واسعة على المستويين الداخلي والإقليمي.
وخلال الساعات الماضية، تصاعدت بشكل ملحوظ الضربات الجوية التي استهدفت مواقع تابعة لقوات الحشد الشعبي في محافظات الأنبار ونينوى وكركوك وبابل، حيث أسفرت تلك الهجمات عن سقوط ما لا يقل عن 15 قتيلاً وأكثر من 20 جريحاً، وفق مصادر أمنية وطبية، إضافة إلى أضرار مادية في مواقع عسكرية ومقار لوجستية.
وطاولت الهجمات تباعاً مواقع للحشد الشعبي في الأنبار بمنطقتي القائم والحبانية، وفي جرف الصخر، شمال بابل، والنباعي بمحافظة صلاح الدين، والتاجي، شمالي بغداد. وتشير طبيعة الضربات ودقتها إلى تحول واضح في نمط العمليات العسكرية، وبالتوازي مع ذلك، استمرت عمليات استهداف قاعدة حرير العسكرية في أربيل، وكذلك محيط القنصلية الأميركية، عبر هجمات بالطيران المسير تبنتها فصائل مسلحة، في مؤشر إلى تصاعد مستوى التوتر بين هذه الفصائل والوجود العسكري الأميركي داخل العراق.
ولم يتوقف التصعيد عند هذا الحد، إذ شهدت مدينة أربيل تطوراً خطيراً تمثل في هجوم صاروخي باليستي إيراني استهدف مقراً تابعاً لقوات البيشمركة، ما أدى إلى مقتل ستة أشخاص وإصابة ثلاثين آخرين، في حادثة أعادت إلى الواجهة مخاطر الانزلاق نحو مواجهة إقليمية أوسع داخل الأراضي العراقية. ويعد هذا الهجوم من أخطر الضربات التي تطاول الإقليم في الفترة الأخيرة، نظراً لطبيعة السلاح المستخدم وحجم الخسائر البشرية التي خلفها.
ويقول الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية اللواء جواد الدهلكي، لـ"العربي الجديد"، إنه "يجب الحذر من خطورة التصعيد العسكري المتسارع الذي يشهده العراق، واستمرار الضربات الجوية والهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة ينذر بتداعيات أمنية خطيرة قد تدفع البلاد نحو مرحلة عدم استقرار أوسع، ما لم تتخذ الحكومة العراقية إجراءات عاجلة وحاسمة لاحتواء الأزمة".
وبين الدهلكي أن "اتساع رقعة العمليات العسكرية لتشمل عدة محافظات عراقية، بالتزامن مع استهداف قواعد عسكرية ومقار أمنية ومنشآت دبلوماسية، يمثل مؤشراً واضحاً إلى تصاعد الصراع بالوكالة داخل الأراضي العراقية، وتكرار الهجمات يضع سيادة الدولة أمام تحد حقيقي ويهدد بإضعاف قدرة المؤسسات الأمنية على السيطرة على المشهد".
وأضاف أن "استخدام أسلحة متطورة، بما في ذلك الطائرات المسيرة والصواريخ بعيدة المدى، يعكس انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر خطورة، حيث لم تعد الهجمات ذات طابع محدود أو موضعي، بل باتت تحمل رسائل سياسية وعسكرية بين أطراف إقليمية ودولية، تدار على الأرض العراقية".
وأكد أن "استمرار هذا المسار دون رد حكومي واضح قد يؤدي إلى تكريس واقع أمني جديد يجعل العراق فعلياً ساحة مواجهة مفتوحة، الأمر الذي سينعكس سلباً على الاستقرار الداخلي، فضلاً عن زيادة المخاطر على المدنيين والبنية التحتية الحيوية، ولهذا على الحكومة العراقية تبني موقف حازم وسريع يقوم على عدة مسارات متوازية، أبرزها تعزيز الإجراءات الدبلوماسية لخفض التوتر، وفرض سلطة الدولة على جميع الأراضي العراقية، ومنع استخدام البلاد منصة لتبادل الرسائل العسكرية، إضافة إلى تفعيل القنوات الدولية لضمان احترام السيادة العراقية ومنع تكرار الهجمات".
وختم الدهلكي بالقول إن "الحالة الحالية تتطلب قرارات سياسية وأمنية عاجلة تتجاوز ردات الفعل التقليدية، والتأخر في احتواء التصعيد قد يؤدي إلى انزلاق تدريجي نحو صراع أوسع يصعب السيطرة على تداعياته لاحقاً، والعراق يمتلك فرصة لتجنب سيناريو التصعيد الشامل، شرط التحرك السريع والمنسق بين المؤسسات الأمنية والسياسية، بما يحفظ أمن البلاد ويمنع تحولها رسمياً إلى ساحة حرب إقليمية مفتوحة".
من جهته، قال رئيس مركز الرفد للدراسات الاستراتيجية عباس الجبوري، لـ"العربي الجديد"، إن "التصاعد الأمني الخطير الذي يشهده العراق يشير بوضوح إلى أن البلاد أصبحت جزءاً من ساحة المواجهة العسكرية الدائرة في المنطقة، واستمرار هذا المسار قد يقود إلى تداعيات خطيرة خلال الأيام القليلة المقبلة على المستويين الأمني والسياسي".
وأكد الجبوري أن "تزايد الضربات الجوية والهجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ، واتساع نطاقها الجغرافي لتشمل عدة مناطق عراقية، يعكس تحولاً نوعياً في طبيعة التهديدات الأمنية، وما يجري لم يعد حوادث منفصلة أو ردات فعل محدودة، بل أصبح جزءاً من مشهد صراع إقليمي أوسع تستخدم فيه الأراضي العراقية ساحة عمليات ورسائل عسكرية متبادلة".
وأضاف أن "تكرار استهداف مواقع عسكرية وأمنية، إلى جانب الهجمات التي تطاول قواعد ومنشآت حساسة، يشير إلى تصاعد مستوى الاحتكاك العسكري بين أطراف متنافسة، الأمر الذي يضع العراق في موقع بالغ الحساسية وسط معادلات أمنية إقليمية معقدة".
وبين أن "أخطر ما في المرحلة الحالية هو تسارع وتيرة الأحداث وتنوع أدوات الهجوم، ما يزيد احتمالات حدوث تصعيد مفاجئ أو ردات فعل متبادلة قد تتوسع بشكل سريع، فالمؤشرات الميدانية تدل على أن الأيام القليلة المقبلة قد تشهد تطورات أمنية إضافية إذا لم يتم احتواء التوتر عبر تحركات سياسية ودبلوماسية عاجلة".
وبلغت الهجمات على قوات "الحشد الشعبي" منذ بدء الحرب في المنطقة نحو 100 ضربة، توزعت على مقار في محافظات بغداد ونينوى وصلاح الدين وكركوك وديالى والأنبار، مخلفة ما يزيد على 65 قتيلاً وأكثر من 130 جريحاً يتبعون لألوية وفصائل داخل القوة الأمنية. وبحسب مصادر أمنية من "الحشد الشعبي"، فإن "معظم المقار غُيّرت أماكنها في إطار إعادة التموضع ومنع تكرار الهجمات".
وتأتي هذه التطورات في وقت لم تنجح فيه إجراءات حكومة بغداد في احتواء التصعيد والحد من هجمات الفصائل المسلحة التي تضرب بالطائرات المسيرة والصواريخ أهدافاً داخل البلاد وخارجها، كذلك لم تستثن تلك الهجمات أهدافاً مدنية وبنى تحتية عراقية في إقليم كردستان والمحافظات العراقية الأخرى، الأمر الذي زاد من الضغوط على الحكومة العراقية التي يبدو أنها عاجزة عن منع تلك الهجمات.

Related News
هونر 600 لايت.. مواصفات كاملة وسعر الهاتف الجديد
al-ain
4 minutes ago
هل تساعد مشروبات المغنسيوم حقاً على النوم؟
aawsat
5 minutes ago