صوفي برودييه (2/ 2): "أتساءل كثيراً ما الأهم: الحياة أم الأفلام؟"
Arab
1 hour ago
share
  في "نور عيني" (2025، 90 د.) لصوفي برودييه، يقع رهان تَوَفّق سيرورة العلاج في زرع جلد الوجه للتخفيف من تشوّه محمود، والانعكاسات السلبية لذلك على نفسيّته. والأهم، مصير العمليات الجراحية الساعية إلى استرداد بصره. ومع أنّه لا يتناول مباشرة ظروف الحادث الأليم، ولا تفاصيل ثورة 25 يناير المصرية التي كانت في أكثر مراحلها درامية وحسماً أثناء تصويره، لا يخطئ الفيلم نسج متوازيات جمالية غير مباشرة، وجد دالّة، بين شرط محمود ومصير الثورة: فكما لا يقوى المشاهد على تركيز النظر في العينين المطفأتَين لمحمود، يجد صعوبة في تمثل اختطاف الثورة من قوى رجعية.   (*) هل صوّرت مواد كثيرة؟ أخمِّن أنك لم تتوفري على خيارات كثيرة في المونتاج. أنت محق. أنا مخرجة لا تصوّر كثيراً. أخطّط مسبقاً، وأقرّر بشأن اللقطة قبل تصويرها. طبعاً، أصوّر دائماً أكثر قليلاً مما يظهر في الفيلم، لكنني لست مخرجة تضاعف محاور التصوير، وتقول لنفسها: "سنرى بعد ذلك". أو مخرجة تصوّر بكاميرات عدّة. أعتقد أن كاميرا واحدة كافية لإيجاد زاوية الرؤية الملائمة. من ناحية أخرى، كنت أتابع الانتخابات عن كثب، وأفكر في بناء حبكة حولها. كانت هناك خلافات في الجمعية بسبب الاختيارات والاختلافات في وجهات النظر، فهذه أول انتخابات بعد الثورة، كما أن للمصريين في الخارج حق التصويت فيها. لهذه الأسباب، حرصت على تصوير كل ذلك. لاحقاً، وجدت أن الأمر لم يعد مهماً، فاختزلت فترات عدّة في المونتاج. بين مشهدين، كنت أترك مساحة للتعبير من خارج الحقل، أو أورد تعليقاً يقول إن هناك أشياء حدثت، وهذا يسمح بالحذف الزمني. أحب ذلك.   (*) هل قمتِ بالمونتاج بالتوازي مع التصوير؟ كلا، أبداً. انتظرت إلى نهاية التصوير.   (*) هل تشاركين في المونتاج، أم تتركين للمونتير حرية الاشتغال؟ أنا دائماً موجودة إلى جانب المونتير. بالنسبة إليّ، المونتاج يسير جيداً في تكامل بين المخرج والمونتير. هذا لا يحدث في كل مكان. في هذا الفيلم، صوّرت أحياناً، لأنه لم يكن هناك أي وسيلة أخرى. غير أنني أعتبر نفسي مخرجة ومؤلفة، لكن لست مديرة تصوير. هناك أشخاص يفعلون الأشياء أفضل مني، أحياناً كثيرة. فخورة بنفسي، لكنني لست مغرورة إلى درجة الرغبة في تأدية الأدوار كلّها. صحيح أني أريد قول أشياء محدّدة، لكن المونتير يعرف كيف يركّب المشاهد أفضل منّي. اشتغلت معه (ليك فورفي، مونتير اعتاد العمل في أفلام كلير سيمون ـ المحرّر) قبلاً. له خبرة كبيرة، وميزة جيّدة: لا يسعى إلى السلطة، ويعتبر أن المخرج دائماً أعلم منه بما يخصّ فيلمه. في مرحلة معينة، مع قرب نهاية الفيلم، لم يفهم تماماً ماذا كان يحدث في الفندق، فتركني أفعل ما أريد. عندما كنت شابة مبتدئة في صناعة الأفلام، كان الأمر أصعب بكثير. الآن، أنا أكبر سناً، وأتمتّع بخبرة أوسع وتقدير أكبر. لذلك، يتركني الآخرون أفعل كلّ ما أقرّره تقريباً، بمن فيهم المنتجون. نعمل باحترام. بعد ذلك، تظل صناعة فيلم مهمة مُتطلّبة جداً.   (*) ماذا عن مشاركتك بصوتك من خارج الكادر؟ أريد ربطها بلحظة نقاش بينك وبين محمود عن العلاقة الناشئة بينكما. تقولين إن علاقتك به تتجاوز الفيلم، وهو يقول: "لا. لا علاقة لها بالفيلم. إنها علاقة شخصية منذ البداية". ربما هذا ما يحدّد مكانك ووجهة نظرك في الفيلم. ما أجده مذهلاً للغاية عندما يقول ذلك، أننا، كل فترة التصوير، نرى أن الفيلم يجعله صامداً، إذ يعتمد على هذا الأخير، وعلى حقيقة أنه يُشاهَد من أحد آخر ليستمدّ طاقة المقاومة. حتى لو كان لا يرى، فكونه يُشاهد يمنحه حياة ووجوداً. لكن، في النهاية، يقول: "لا يهمني الفيلم". هناك تفسيرات كثيرة. يمكننا اعتبار أن الأمر أصبح ثانوياً بمرور الوقت، لكنه لم ينسه. أحب هذا التساؤل كثيراً: "ما الأهم: الحياة أم الأفلام؟". هذا صراع دائم في حياتي الشخصية.   (*) كيف؟ لا أعرف. الأشخاص الذين يعيشون إلى جانبي يقولون أحياناً إنهم يشعرون أنهم، بنظري، أقل أهمية من أفلامي. أنا لا أعرف ما الأهم في حياتي. لكنني أجد أنه من الجيد قول محمود إنّ الذكريات التي عشناها أهم من النتيجة، بطريقة ما. أعتقد أن هذا يعطينا درساً في الحياة، من دون أن يكون تلقينياً.     (*) قلتِ إن هذا الفيلم مميز. لماذا؟ أولاً، لأنه أول فيلم أصوّره. لم يكن هناك فريق كبير، ولا مال، فحملت الكاميرا بنفسي. إنه مميز، لأنه يعني لي الكثير، ويتحدث عن أشياء شخصية للغاية. بينما يتساءل الناس: "لماذا تصوِّر مصرياً؟ إنها ليست مصرية". في الواقع، هناك أشياء شخصية كثيرة في هذا الفيلم. لست مجبرة على قولها، لكنني أعرفها. من جهة أخرى، في عالم اليوم، يصبح الفيلم بياناً سياسياً، تقريباً. كيف أمكن لامرأة من أصل كوري، أي من آسيا، أن تصوّر رجلاً من أصل مصري ومسلم، يعالجه طبيب يهودي، وترافقه مسيحية قبطية، وتتكفّل به نساء من طبقة اجتماعية أعلى؟ كأن العالم بأسره اجتمع في عمل واحد. عام 2012، كان ذلك ممكناً. متى سيكون ذلك ممكناً مجدّداً؟ اليوم، يبدو جنونياً. الحروب تندلع في كل مكان، والجميع يكرهون بعضهم بعضاً. هذا السبب جعلني أرغب في عرض الفيلم، وأقول إنّ ذلك كان ممكناً ذات يوم. لماذا لم يعد ممكناً اليوم؟ لماذا هناك عنصرية ونبذ ورفض اجتماعي وأزمات وحروب؟   (*) هناك لحظة في الفيلم صعبة بعض الشيء، ويمكن أن تسبّب الارتباك، أو تجعل المشاهد يعتقد أنك غير مبالية بمأساة محمود: عندما تسألينه عن ردة فعله على حقيقة أنه لم يعد هناك أمل كبير في استعادة بصره، فتخفّف الممرضة الشابة من حدة العبارة في ترجمتها، حتى لا تصدمه. مشهد يساعد أيضاً على اكتشاف الاختلاف الثقافي، وكيف تفضّل مجتمعات منطقتنا عدم مواجهة الأمور. هذا صحيح. لكن، في الواقع، أعتقد أنه طالما أن تبادل الكلام لا يزال ممكناً، يمكننا في مرحلة ما إعادة تكييف الحوار. كما تعلم، كان بإمكاني عدم إدراج هذا المشهد. لذا، احتفظت به لأني وجدت أنه يطرح سؤالاً مهماً. هذا المشهد يطرح سؤالاً يتعلق بالسينما. كيف نطرح الأسئلة؟ كيف نجيب عنها؟ كيف تخفّف المترجمة من حدة السؤال؟ ما يفترض ذلك على العلاقة بينها وبين الشخصية الرئيسية؟ وجدت كل ذلك مثيراً للاهتمام في ما يتعلق بالوثائقي. ماذا تعني ترجمة الآخر؟ ماذا يعني عدم الرغبة في ترجمة شيء ما؟ كل ما قلته عن الاختلافات الثقافية. كنت مهتمة بطرح كل هذه الأسئلة انطلاقاً من هذا المشهد. لا يهمني أن يعتقد الناس أنني غير مبالية، ولا أعرف ماذا أيضاً. لست فخورة بنفسي. لذا؛ يمكنك أن تأخذ مني موقفاً، ويمكنك مناقشة حقيقة أن هذا يمثّل مشكلة لك، ويمكن أن نتحدث عن ذلك معاً. لا مكان لديّ للشعور بأنني مهاجمة أو مستبعدة بسبب ما أقدمه. لا أنجز الأفلام من هذه الوضعية.   (*) سؤال أخير عن المشهد الأخير. ماذا شعرتِ عندما علمتِ أنكِ تستطيعين الحديث مع محمود، بعد فقدان أثره عشر سنوات؟ ماذا كنتِ تتوقعين من هذا اللقاء؟ المشهد مُصوّر في الواقع، منذ أن تحدثت معه على الهاتف مباشرة، بعد العثور عليه. هناك شخص يصوّرني وأنا أتحدث معه. هذا قوي وجميل للغاية. العثور عليه معجزة لي. لماذا لم أضعه في المونتاج؟ لأنني ببساطة لم أرغب في التركيز على نفسي وعلى فرحتي. إنه فيلم أظهر فيه دائماً، لكن على نحوٍ غير مباشر. لم أرغب في أن يقول الناس إن أهم شيء أنها عثرت عليه. ما أقوله في الفيلم أنني لم أعثر على أي شخص من عائلتي الأولى كل حياتي. عثرت على محمود أخيراً، وهذا بمثابة معجزة. بعد ذلك، عندما رأيته مرة أخرى، كان هو الذي شعر بسعادة غامرة. أخبرته أيضاً، وهذا أيضاً غير موجود في الفيلم، أن عقدي معه انتهى. كنت وعدته أن أصنع فيلماً عنه، وأوفيت له بوعدي.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows