Arab
بعد تسعة أيام على إتمامه 86 عاماً (مواليد راين بأوكلاهوما، 10 مارس/آذار 1940)، يرحل الأميركي تشاك نوريس (هاواي، 19 مارس/آذار 2026)، أحد أبرز ممثلي أفلام التشويق والحركة والبطولات الفردية الأميركية في مواجهة حشودٍ ضخمة، تتألّف من قتلة وإرهابيين يريدون الموت لأميركا، وبعض هؤلاء شرق أوسطيين وعرب. بطل مفتول العضلات، يحمي بلداً وشعباً لوحده، فهو يرفض العمل الجماعي، كما يُذّكِر صديقه القديم بارني روس (سيلفستر ستالون) بكونه "الذئب الوحيد"، كما يُعرف في تاريخه العسكري ("المرتزقة 2" لسيمون وست، 2012).
الذئب الوحيد هذا يخوض معاركه بأدوات مُتدَاولة، مع تلك النظرات التي يُظَنّ، عند رؤيتها، أنّها الأقدر على التهام العدو بإرهابه (ألا يريد هو نفسه إثارة شعور كهذا في العدو؟)، قبل الالتحام به بأسلحة أو فنون قتالية، فهو في حياته الواقعية يحمل حزاماً أسود في أكثر من فنّ قتالي: تانغسودو (كوري تقليدي) وتايكواندو (كوري جنوبي) وجوي ـ جِسو (برازيلي) وجودو (ياباني). بفضلها، يفوز ببطولات، ويؤسّس لنفسه ما يُسمّيه "تشانكوك دو".
لكن بطولاته الرياضية العنيفة تلك غير كافية، كما يبدو، لإثبات جدارته بالدفاع عن بلد وشعب، وربما عن كوكبٍ بكامله أيضاً، فينتسب إلى سلاح الطيران الأميركي، كامتدادٍ لرغبة لا واعية ربما في اكتساب مهارات جسدية، مُطعّمة بالتزام عقائدي وطني ثابت في سيرته، ستكون كلّها ركيزة ثقافية ـ معرفية له، تدفعه إلى أداء أدوار، يكون أعداؤها غالباً شرق أوسطيين أو عرباً، كما في "دلتا فورس" (1986) للإسرائيلي مانَحِم غولان، الذي يؤسّس ويورام غْلوبس (قريبٌ له) شركة "كانون غروب"، المعنية بإنتاج أفلام بميزانيات متواضعة.
"دلتا فورس" لن يكون فيلماً عابراً في سيرة تشاك نوريس. فالعنوان يُحيل إلى إحدى أقوى الفرق العسكرية في الجيش الأميركي (القوات المحمولة)، والنص يرتكز على وقائع، إنْ لم تكن حقيقية كلّياً، فعلى الأقل تشي بأحداثٍ، يشهدها العالم في ثمانينيات القرن الـ20، مع تصاعد عمليات خطف الطائرات، والصراع الأميركي مع إيران، والحضور العنفيّ لحركات تحرّر عربية وعالمثالثية. ومع أنّ السيناريو (غولان وجايمس برونر) غير مهتمّ بالقضايا العادلة، والسعي إلى استعادة حقوق وطنية وتاريخية وثقافية، فالتغاضي عن تلك الوقائع لن يُنقِص الموقف العدائي لصانعي الفيلم أولاً، ولنوريس تحديداً، إذْ سيكون البطلَ المنقذ، الذي لا يهاب عدواً خارجياً (إيراني، لبناني/عربي) أو داخلياً (لديه نقمة على القيادة العسكرية الخاضعة للابتزاز السياسي).
فمن "فشل" إنقاذ 53 رهينة أميركية، مأسورين في السفارة الأميركية بطهران، ليلة 24 ـ 25 إبريل/نيسان 1980 (الواقعة تاريخية كما العملية العسكرية، التي تُعرف باسم "عملية مخلب النسر")، إلى خطف لبنانيَّين اثنَين طائرة بوينغ 707، في رحلتها المنطلقة من القاهرة والمتّجهة إلى نيويورك عبر أثينا وروما، وعلى متنها 144 مسافراً، باسم "المنظمة الدولية للثوار الجدد" المقرّبة من الخميني؛ إذاً، من الفشل إلى الخطف، تتّضح التفاصيل بصفتها دلالات على وقائع حاصلة في تلك الفترة، ومشاركة نوريس في بطولة الفيلم ترجمة لقناعةٍ لديه بـ"أهمية" نصٍّ سينمائي كهذا، بالنسبة إليه.
يستحيل اختزال السيرة التمثيلية لنوريس بفيلمٍ واحد. فالبداية لـ The Wrecking Crew، لفِلْ كارلسون (1968)، السابق على فيلمٍ آخر سيكون انطلاقة مهمّة له في عالمَي التمثيل والفنون القتالية. فصديقه بروس لي (1940 ـ 1973)، أحد أشهر أبطال الفنون القتالية والعامل بنشاط في هوليوود (ممثلاً ومخرجاً ومنتجاً وكاتب سيناريو)، يدعوه إلى أداء دور أحد أشرار "التنين يعبر النهر" (العنوان الأصلي في هونغ كونغ لـ"طريقة التنين" أو "عودة التنين")، الذي يُخرجه لي نفسه (1972). شرّ سيتّخذ وجوهاً مختلفة لممثل واحد، يختبر التمثيل السينمائي في أفلامٍ، لعناوينها إحالات تتفنّن بالترميز إلى العنف والقوة: "مجزرة في سان فرانسيسكو" (1974) للُو وي، و"قاطع الدائرة" (1977) لدون هوليت، و"العين بالعين" (1981) لستيف كارفر، و"انتقام قسري" (1982) لجايمس فارغو، و"غزو الولايات المتحدة الأميركية" (1985) لجوزف زيتو. وهذا في فترة تُعتبر الأغزر إنتاجياً له، قبل انحسار سطوته السينمائية تدريجياً، وإذْ بـ"المرتزقة 2" ينتشله قليلاً من غيابٍ شبه كامل.
أهذا انحسار؟ لن يكون تراجع حضوره قليلاً انحساراً، بل نوعاً من محاولة التأقلم مع شيخوخة تأتي لا محالة. في "المرتزقة 2"، الذي يبلغ نوريس 72 عاماً عند إطلاق عروضه التجارية، يكشف الممثل شيئاً من ثقل عمر، وتعب جسد، من دون التخلّي عن عنجهية المقاتل/الذئب الوحيد، القادر على تدبّر أموره لوحده، رغم كل شيء، وأي شيء.
أمّا موقفه العدائي من أبناء الشرق الأوسط والعرب، فينبثق من تربيته المحافظة في حياته الخاصة، ومن دعمٍ لإسرائيل، يُلاحَظ بقوة.
اختيار أفلامٍ قليلة من مهنته التمثيلية، في وداعه، متأتٍ أساساً من مفارقة رحيله في لحظة عنيفة أخرى، يشهدها مجدّداً الشرق الأوسط والجغرافيا العربية، منذ 28 فبراير/شباط 2026.

Related News
بيتكوين تتراجع مع تصاعد الحرب في المنطقة
alaraby ALjadeed
16 minutes ago