بيت على حافة المضيق
Arab
1 hour ago
share
أيّها الإنسان، أو ما تبقّى منه… ذلك الذي لم يحسم أمره بعد أكتب إليك من مسافة لا تُقاس بالخطوات، مسافة بين ما نعرفه وما نتجاهله، بين ما نقوله وما نؤجّله إلى حينٍ لا يأتي. لا أعرف أين تقف الآن، ولا أيّ طريقٍ اخترت، لكنّني أعرف أنك، مثلي، مررت يوماً بالقرب من شيءٍ كان يمكن أن يكون بيتاً، ولم تمكث. أكتب إليك لأذكّرك بشيءٍ يبدو بسيطاً، مع أنه أثقل مما نظن: أنّ هناك بيتاً ما يزال قائماً على حافة المضيق، لا يسقط، ولا يُبنى من جديد، ينتظر فحسب. ليس بيتاً من حجر، ولا من ذاكرة خالصة، شيء بين الإثنين، يشبه ما نتركه خلفنا ونحن نظنّ أنّنا مضينا. ربما مررت به من دون أن تنتبه، وأنت تفكّر في "الردع" و"السيطرة". ربّما وقفت عنده لحظة، ثم أقنعت نفسك أنّ الطريق أهم. وربما، وهذا هو الاحتمال الأثقل، أنّك تعرفه جيداً، وتتفادى النظر نحوه. لا أكتب لأطلب منك العودة. فالعودة فكرة سهلة في الكلام، ثقيلة في الواقع. أكتب لأقول إنّ ذلك البيت لم يكن وهماً، وإنّ الحافة التي وقفت عليها يوماً لم تختفِ كما ظننت. مدن تُذكر كأرقام، وأسماء تُختصر إلى عناوين عاجلة، وأصوات تتحدّث عن "نصر" و"هزيمة" كأنّها كلمات يمكن أن تُقال من دون أن ترتجف هناك دائماً مضيق ما، جهةٌ تقود إلى الضفة الأخرى، وجهة تبقيك حيث أنت، وبيت صغير يقف بينهما، لا يفرض عليك شيئاً. فقط يذكّرك بأنّ ما لم يُحسم لا يختفي، بل يظلّ معلّقاً، ينتظر لحظةً أخرى. وما يبدو في حياة الفرد تردّداً صامتاً، يظهر في حياة العالم على هيئة أكثر قسوة. الأماكن التي نعبرها داخلياً من دون قرار، تعود في الخارج كأقدار عام، كخراب لا يخصّ أحداً بعينه، لأنه يمرّ بالجميع. وفي مكانٍ آخر من هذا العالم، ربما لا يبعد كثيراً عن ذلك المضيق الذي تتجاهله، تُفتح خرائط جديدة للحرب كلّ يوم. مدن تُذكر كأرقام، وأسماء تُختصر إلى عناوين عاجلة، وأصوات تتحدّث عن "نصر" و"هزيمة" كأنّها كلمات يمكن أن تُقال من دون أن ترتجف. كأنّ بعضهم لم يعد يكتفي بعبور المضيق، يريد أن يشعله. وأنّ النار قد تعجّل عودة غائب، أو تُخرج مخلّصاً من زمنٍ مؤجّل، وفي طقوس الانتظار هذه. هناك من يستعجل قيامة المسيح، وهناك من ينتظر عودة المهدي المنتظر. انتظارٌ يُخطئ الطريق كلّ مرة، ويترك خلفه مزيداً من الخراب صار المضيق فكرة، فكرة تقول إنّ العالم لا يكتمل إلّا إذا ضاق، ولا ينفتح إلّا إذا احترق، وأنّ ما يُغلق من ممرّات، وما يُشعل من حروب، ليس سوى وجهٍ آخر لفكرة الخلاص والانتظار. انتظارٌ يُخطئ الطريق كلّ مرة، ويترك خلفه مزيداً من الخراب. في ليلةٍ لا تختلف عن غيرها، يهتزّ الزجاج فجأة، يفتح طفل عينيه من دون أن يفهم، وتضع أم يدها على صدره، كأنّها تحاول أن تُبقي شيئاً في مكانه، ثم يعود كلّ شيء إلى صمته، ويُستأنف الحديث في اليوم التالي عن "الوضع" و"التوازن" و"الخيارات". ولأنّ الخراب لا يأتي دفعة واحدة، فإن ما يجري هناك لا ينفصل عمّا يجري هنا، في تلك المنطقة الصامتة من الضمير، حيث يتأجّل النظر، ويتأجّل الموقف، ويتأجّل الاعتراف بأنّ العالم ينزلق ببطء ونحن نتأقلم. والناس هناك أيضاً، مثلك، مرّوا ذات يوم بالقرب من بيوتٍ على حافة مضايقهم الخاصة… ثم مضوا، وتركوا شيئاً صغيراً خلفهم. ذلك الشيء الصغير لا يمرّ كما نظنّه، خفيفاً بلا أثر. يبقى معرفةً مؤجّلة، وصوتاً خافتاً، يذكّر بأنّ ما نتجاوزه لا يختفي، بل يعود في صورة لا يمكن تجاهلها. ما الذي يحدث الآن في هذه المنطقة المُرهقة من العالم؟ مدن كانت تُعرَف بأسمائها صارت تُعرَف بعدد قتلاها. أحياء كاملة تُختصر إلى شريط عاجل أسفل الشاشة. أطفال ينامون على أصوات لا يعرفون أسماءها بعد، مع أنهم سيكبرون وهم يحملونها في أجسادهم مثل ذاكرةٍ عصبية لا تهدأ. رجال يتحدّثون عن "السيادة" و"الأمن" و"المصالح العليا" بلغة باردة، كأنّ الكلمات لا تترك وراءها أشلاء، وكأنّ الخرائط لا تمرّ فوق قلوب الناس. لا تقتل الحرب أجساد الناس وحدها، تقتل أيضاً قدرتهم على الارتجاف الطويل وفي هذه اللحظة تحديداً، يتكشّف ما هو أبعد من الحرب نفسها، لغة كاملة تُبنى كي تجعل ما لا يُحتمل قابلاً للمرور، وعالم يتعلّم، بهدوء، كيف يرى ولا يرتجف. أيّها الإنسان، لعلّ المأساة ليست في أنّ الحرب تقع فحسب، بل في أنّ البشر يتعلمون سريعاً أن يعتادوها. في البداية يرتجفون، ثم يشاهدون، ثم يشرحون، ثم يختلفون حول الأرقام، ثم يتوزّعون إلى معسكرات، كلّ معسكر يحمل آلامه الخاصة ويُحسن الصمت عن آلام الآخرين. هكذا لا تقتل الحرب أجساد الناس وحدها، تقتل أيضاً قدرتهم على الارتجاف الطويل. ولعل هذا هو المعنى الأشدّ وجعاً في صورة البيت القائم على حافة المضيق. فهو لا يقف عند حدود البيت، ولا عند حدود اللغة، إنّه ما تبقى من ضمير العالم، وهو يقف بين جهتَين: جهة تعرف، وجهة تمضي كأنّها لا ترى. ربما، أيّها الإنسان، ليست المشكلة في الحروب وحدها، ربما في تلك اللحظة الصغيرة التي مررنا فيها جميعاً بالقرب من "بيت على حافة المضيق" ولم نتوقف. لهذا لا أقول لك أن تنقذ العالم، ولا أطلب بطولة كبرى. أقول شيئاً أقلّ بريقاً، وأكثر صعوبة: لا تفقد تلك الرعشة الأولى. إذا مررت يوماً بالقرب من ذلك البيت مرّة أخرى لا تمضِ سريعاً هذه المرّة. قف. لا تنظر إلى البيت وحده. انظر إلى نفسك وأنت تتردّد، إلى ذلك الصوت الذي كدت تُسكته، إلى ذلك الجزء الذي لم تعترض عليه ولم توافق. في لحظات كهذه، لا يُسأل الإنسان عمّا يستطيع تغييره في العالم، يُسأل عمّا تبقّى منه. هناك، على حافة المضيق، لا ينتظرك البيت وحده. ينتظرك ما تبقّى منك، ذلك الذي لم يحسم أمره بعد، ولم يقرّر إن كان ما يحدث يعنيه أم لا. وإن مضيت هذه المرّة أيضاً، فلن تخسر البيت، ستخسر ذلك الجزء منك الذي كان يمكن أن يبقى إنساناً.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows