عيد النوروز... حياة الإيرانيين تتجاوز الحرب والقلق
Arab
2 hours ago
share
ليل الجمعة دخل الإيرانيون العام الشمسي الجديد 1405، وأحيوا عيد النوروز ورفع كثيرون أكفهم وقرأوا دعاء مطلع العام الجديد، وكانت أصوات الانفجارات في الخارج تذكّرهم بأن حياتهم معلّقة على خيط الحرب والقلق. حلّ عيد النوروز هذا العام في إيران في أجواء غير مألوفة منذ ثمانينيات القرن الماضي خلال الحرب الإيرانية العراقية، ودخل الإيرانيون العام الشمسي الجديد 1405 ليل الجمعة عند الساعة السادسة وخمس عشرة دقيقة تقريباً بحسب التوقيت المحلي، أي قبل دقائق من أذان المغرب في طهران وموعد الإفطار في آخر أيام شهر رمضان، ثم بدأ في اليوم التالي أول أيام النوروز والسنة الإيرانية الجديدة. وتزامن استقبال العام الإيراني الجديد مع ليلة عيد الفطر الذي حلّ السبت في البلد، في تقاطع نادر بين تقويمين واحتفالين كبيرين. في تلك اللحظة، جلست العائلات حول "سفرة السينات السبع" التي أُعدّت بعناية لاستقبال العام الجديد، لكن المشهد لم يكن يشبه أعوام النوروز السابقة، فبدلاً من ضجيج الفرح وأناشيد الربيع كان دوي الانفجارات والقصف في مدن مختلفة، ولا سيما طهران، يتسلل إلى البيوت ويطغى على أجواء الاحتفال. ولأن لحظة حلول النوروز صادفت هذا العام اليوم الأخير من رمضان في إيران، جلس بعض الإيرانيين الصائمين أمام "سفرة السينات السبع" من دون أن يمدوا أيديهم إلى الحلويات، إذ لم يكن موعد الإفطار قد حان بعد. وهكذا امتزجت في تلك الدقائق القليلة مشاعر الصوم والاحتفال والقلق في مشهد بدا كأن الزمن نفسه تردد لحظة قبل أن يبدأ عاماً جديداً. في تلك اللحظة كان في مدينة سنندج مركز محافظة كردستان (غرب) التي يعيّد سكانها السُّنّة عادة مع الدول العربية، شابان كرديان يراقبان العام الجديد من خلف نافذة بيت صغير لم يُفرش بعد. فريبرز وهايده كانا يحلمان بأن يكون النوروز بداية حياتهما المشتركة، وليس مجرد موسم احتفال، وخططا قبل أسابيع لتزيين منزلهما، واختارا الأثاث والموسيقى وقائمة المدعوين لحفل الزفاف. يقول فريبرز لـ"العربي الجديد": "كل شيء كان جاهزاً تقريباً. كُتبت بطاقات دعوة الزفاف الذي تحدد في اليوم الرابع من النوروز، وكنت سأذهب في الثاني من مارس/ آذار الجاري لحجز الصالة الكبيرة التي أحببناها، لكن الحرب سبقتني بيوم واحد، وسرقت منا الموعد". يتابع: "عمري خمسة وثلاثون عاماً، انتظرت هذه الخطوة طويلاً. كنت أريد أن أبدأ حياتنا الجديدة في زمن الربيع، بين الأزهار والبهجة، لكن الحرب دمّرت كل شيء". ويشير فريبرز إلى أن إقامة حفلات الزفاف أثناء الحرب أصبحت مغامرة غير محسوبة: "قد تسقط قذيفة في أي لحظة، وفي ثانية واحدة يتحوّل الفرح إلى مأساة. أردت أن أبدأ مع النوروز، لكن الآن لا أريد سوى نهاية الحرب. العرس يمكن أن ينتظر، أما السلام فلا يحتمل التأجيل". قبل أيام قليلة من حلول عيد النوروز أصبحت المدن الإيرانية التي اعتادت أن تتزين بالألوان والحركة، أكثر هدوءاً من أي وقت مضى. غابت أصوات الباعة وضجيج التبضع، وخلت الشوارع من الازدحام المعتاد. كانت رائحة الحلويات تختلط أحياناً بدخان بعيد، وكانت الوجوه أكثر انشغالاً بمتابعة الأخبار من التبضع والاحتفال. الحرب التي تظلل البلاد حالياً ألقت بثقلها على استعدادات الناس للنوروز، فأصبح التركيز على البقاء وليس على البهجة، لكن العائلات تحاول ألا تفقد الأمل ومعنى العيد. في كرنيش أباذر، غربي طهران، تقول مريم رضائي (42 سنة)، وهي تمسح أثاث منزلها بعناية كجزء من طقس "خانه تكاني"، أي التنظيف الشامل الذي يسبق النوروز خلال شهر "إسفند" الأخير من السنة الإيرانية، لـ"العربي الجديد": "في كل عام كنا نغيّر شيئاً في البيت قبل العيد، سجادة أو ستائر، لكننا لم نفعل ذلك هذا العام. ارتفعت الأسعار كثيراً وسادت أجواء الحرب، فاكتفينا بتنظيف ما لدينا. رغم مخاوفي الكبيرة على المستقبل وما يحمله لطفلتي، لن أترك النوروز يمر بلا روح، سأجهّز مائدة هفت سين مثل كل عام. الأطفال ينتظرونها، وهي التي تبقي الأمل في البيت". تتابع، وهي تضع زهرة أخيرة في المزهرية قرب نافذتها: "ربما يكون هذا النوروز أكثر صمتاً من كل ما سبقه، لكنه يذكّرنا بشيء واحد لا يتغيّر. بعد كل شتاء لا بدّ أن يأتي الربيع، حتى لو كان حزيناً قليلاً". في مدينة كرج، غربي العاصمة طهران، تقول ليلى أحمدي (35 سنة) وهي ترتب مشتريات قليلة في مطبخها لـ"العربي الجديد": "اقتصرت التحضيرات على الضروري فقط. كنا نخطط لشراء أريكة جديدة لكن كل شيء أصبح مكلفاً جداً. يفكر الناس الآن في الأساسيات وليس الكماليات، لكن العيد لا يُقاس بما يُشترى، بل بمن يجتمعون معاً. ربما ليس العيد كما عرفناه، لكن وجود العائلة إلى جانبي أهم من كل شيء. سنحتفل بما لدينا". وفي شارع وليعصر، وسط طهران، يقف حسين كاظمي (51 عاماً) أمام متجره للملابس الرجالية ويراقب مارة قليلين، ويقول لـ"العربي الجديد": "هذه الأيام كانت أكثر مواسم السنة حيوية، أما الآن فالزبائن قليلون، وبعضهم يأتون ويسألون عن الأسعار ثم يغادرون. يريد غالبيتهم فقط أن يشتروا لأطفالهم قطعة بسيطة كي لا يُحرموا من فرحة العيد". ورغم هذا الانكماش يرى حسين أن التمسّك بشراء شيء صغير هو فعل مقاومة يومية، ويقول: "لا يريد الناس أن يسمحوا بأن تسرق الحرب النوروز أيضاً". وكان الحاج علي، وهو صاحب متجر في الخمسين من العمر في طهران، قد قال في حديث سابق لـ"العربي الجديد": "لا يزال الناس يأتون إلى السوق لشراء احتياجاتهم اليومية، لكن أجواء المدينة تغيّرت. كان الزبائن يتحدثون في السابق عن ارتفاع الأسعار أو المشكلات الاقتصادية، أما الآن فتدور غالبية أحاديثهم حول الحرب، وأصوات الانفجارات، والخوف من استمرار الهجمات، وعدم وضوح المستقبل". أضاف: "يحاول جميع الناس أن يعيشوا حياة طبيعية، لكن عندما يسمعون الانفجارات ليلاً، أو تصل إليهم أخبار عن هجوم جديد، فمن الطبيعي أن يؤثر ذلك في معنوياتهم. وبعض من كانوا سابقاً يتمنون الحرب سواء لأنهم مستاؤون من الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، أو بسبب معارضتهم السلطات، أصبحوا اليوم يتحدثون بطريقة مختلفة، ويؤكدون أنهم يدركون قيمة الأمن في ظل المآسي الكبيرة التي تجلبها الحروب". ويقول كثير من سكان طهران إنهم لا ينوون مغادرتها حالياً، ويفضلون الاستمرار في حياتهم اليومية بقدر الإمكان، إذ إنهم لا يملكون مكاناً آخر للذهاب إليه. وقال رضا علوي، الذي يسكن في غرب طهران: "إذا غادرنا المدينة مع كل صوت انفجار ستتعطل الحياة تماماً. معظم الناس يحاولون الحفاظ على هدوئهم في مواجهة الأوضاع الأمنية الصعبة والتهديدات". وليست الأجواء في بقية المدن الإيرانية أفضل حالاً، ففي شيراز، ألغى رضا حسيني (39 عاماً) سفره الاعتيادي سنوياً إلى شمال البلاد "لأن المزاج العام لا يساعد على الفرح، وإذا حصل مكروه بسبب القصف ماذا سنفعل في مكان بعيد عن بيتنا؟". لكنه يستدرك في حديثه لـ"العربي الجديد" بالقول إن "البقاء في المنزل له معنى آخر، وهو أجمل قرب العائلة. نحتاج إلى بعضنا". أما الخمسيني سعيد فيقول لـ"العربي الجديد": "لم ألغِ رحلتي في النوروز مع أسرتي التي تضم 4 أشخاص، وسنتوجه إلى محافظة لرستان (غرب) ونزور عدة محافظات ومدناً على الطريق. ربما السفر أفضل من البقاء في البيت في طهران التي تقصف باستمرار". وفي تبريز، تقول الشابة نرجس (40 عاماً) لـ"العربي الجديد": جهّزت مائدة "هفت سين" (السينات السبع) التقليدية رغم كل شيء، "مرّت بلادنا بظروف كثيرة، ومع ذلك بقي النوروز دائماً. إنه وعد بأن الربيع سيعود". وعلى أرصفة طهران لا تزال تُعرض باقات صغيرة من النرجس (السمنو) في أوانٍ فخارية صغيرة. ويروي أحد الباعة أن مارة كثيرين يتوقفون لشراء زهرة واحدة فقط، ثم يمضون وعلى وجوههم ابتسامة خفيفة". وبين هذه القصص الصغيرة يتضح أن النوروز، ولو جاء في زمن الحرب هذا العام، لا يفقد جوهره، والإيرانيون يجلسون في بيوتهم حول "سفرة السينات السبع" بين دعاءٍ للسلام وإنهاء الحرب وصدى القصف، ويحاولون أن يؤكدوا لأنفسهم أن للحياة معنى يتجاوز الخوف، وأن الربيع يمكن أن يتفتح حتى على أنقاض عام ثقيل.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows