جيهان تويجر... "سيدة الخشب" التي تحدّت الهيمنة الذكورية
Arab
2 hours ago
share
تُعدّ جيهان تويجر، أو "سيدة الخشب"، من الشابات اللواتي اخترن مهنةً كانت حكراً على الرجال. دخلت مجال النجارة بشغف منذ أربع سنوات لتثبت قدرتها على الإبداع والتميز. ما أن يُذكر اسم مهنتها حتى تشعّ عيناها فخراً واعتزازاً. اختارت الشابة العشرينية جيهان تويجر طريقاً مغايراً لما هو سائد في المغرب، لا يخلو من التحدّي والمخاطرة، في مهنة ظلت طويلاً حكراً على الرجال. منذ طفولتها، نما حب الخشب والنجارة في قلبها، حين كانت ترافق والدها المقاول، الذي كان يملك ورشةً للألمنيوم والزجاج، ويشتغل أيضاً بالخشب، بالإضافة إلى ترددها على ورشة نجارة أحد أصدقائه. هناك اكتشفت سحر الخشب ومشغولاته، وحتى مرأب المنزل كان يضم بقايا من الألمنيوم والزجاج والخشب، حيث وقعت تحت فتنة مادته الدافئة وقدرته العجيبة على التحوّل. لم يكن الطريق سهلاً منذ البداية. عارضت الأسرة خيارها، وكانت تتمنى لها أن تُكمل دراستها العليا وتلتحق بوظيفة "آمنة" لا تنطوي على مخاطر. تقول جيهان: "كنت محظوظةً لأنني نشأت وسط أسرة وفّرت لي كل الإمكانيات للدراسة. حصلت على شهادة البكالوريا بميزة مشرف جداً، وكنت من بين الأوائل في جهة سلا (قرب العاصمة الرباط)، ثم التحقت بالمدرسة العليا للتجارة والتسيير. كما تم قبولي في المؤسسة الوطنية للملاحة الجوية (ENNA)، إلا أنني لم أكمل في هذا المسار، إذ ظل صوت داخلي يلح عليّ قائلاً: هذا ليس ما تريدينه يا جيهان". تضيف الشابة: "جرّبت وظائف عديدة، من العمل في مركز للنداء إلى التجارة الإلكترونية، ويمكن القول إن هذه الأخيرة ألهمتني، بشكل ما، للعودة إلى شغفي الأول. ومن هناك كانت الخطوة الأولى". قررت جيهان تويجر (23 عاماً)، أن تختار النجارة. هذه المهنة التي ورد ذكرها في لسان العرب بوصفها نحتاً للخشب وصناعةً قائمة على الحذق والمهارة، وهي حرفة ضاربة في القدم، وصفها ابن خلدون بأنها من "ضروريات العمران"، بل تُنسب، في المرويات، إلى نبي الله نوح عليه السلام الذي شيّد بها سفينة النجاة. بدأت التفكير في مشروع ورشتها بتأنٍّ في عام 2021، وعرضت الفكرة على محيطها القريب. وتقول إنها لقيت الدعم والتشجيع من قلة، ومن بينهم صديق والدها الذي قضى أكثر من 20 عاماً في مجال النجارة. في عام 2022، افتتحت جيهان ورشتها بمدينة سلا، بعزيمة وهمة، وشرعت في العمل بالتوازي مع تكوينات ذاتية لتطوير مهاراتها. لاحقاً، بدأت ورشتها تكبر وجهزتها بما يلزم. تستحضر تلك المرحلة قائلة: "كثيرون لم يتقبلوا فكرة عمل المرأة في النجارة، وسخر بعضهم مني، وقالوا إنني لن أستمر أكثر من أسبوع. لكنني واصلت بخطى ثابتة. اليوم، يعمل معي حرفيون داخل الورشة كفريق واحد". تؤمن جيهان بأن عماد الحرفي هو يده وعقله معاً: اليد التي تصنع فيها يكمن السر، والذكاء الذي يُحوّل المادة الخام إلى قطع فنية. هذا المبدأ تحرص على ترسيخه يومياً داخل ورشتها. وعلاوة على شجاعتها وذكائها، تتميز جيهان بمهارة في حرق الخشب، أو ما تسميه بـ"التعراق الكهربائي"، وقد صقلتها عبر متابعة فيديوهات تعليمية على منصة اليوتيوب، كما تشير إلى أنها تعمل بخشب الماسيف الطبيعي. يكفي أن تراها تمسك الأداة ذات الرأس المعدني بين يديها وبخفة مدهشة وحركات واثقة، تُحوّل القطع الجامدة إلى تحف نابضة بالحياة، مزاوجة بين الحس الفني والدقة الحرفية. ومن منطلق رغبتها الدائمة في التجديد وكسر القوالب الجاهزة، وسّعت جيهان مجال عملها ليشمل مادة الإيبوكسي (Epoxy)، التي تشير إلى أنها تعلمت أساسياتها على يد فيزيائي مغربي معروف مقيم في سويسرا. توظف الشابة خبرتها  فتُنجز قطعاً تجمع بين صلابة المادة وشفافيتها. وبين دفء الخشب ولمسة المعاصرة يتجسّد شغفها بالتجريب والابتكار. تُلقّب جيهان بـ"سيدة الخشب" أو "Madame Bois"، وهو التوقيع الذي تحفره على كل قطعة تنجزها، مانحةً إياها جزءاً من روحها وتفكيرها. تقول إن سيدة الخشب هي التي تعلي من شأن العمل جودةً وإبداعاً، كما أن هذا اللقب ينبع من حبها العميق للأشجار والطبيعة. ترى في هذه المادة التي تجمع بين الصلابة والجمال ما يشبه شخصيتها، كما يمنحها تنوّع الأشجار بالمغرب من الأرز والبلوط والفلين إلى الأركان والعرعار والليمون فضاءً واسعاً لإطلاق العنان لخيالها. تقول: "أقضي كل يوم ما بين ساعة وساعتين في الغابة، أتمعن في الشجر وفي مخلوقات الله، تمنحني الطبيعة طاقةً هائلةً وشحنة يومية للاستمرار". لا تنفي جيهان وجود تحديات كبيرة، بما في ذلك النظرة التقليدية التي تواجه المرأة في مهن يندر وجود النساء فيها. ومع ذلك، ترى أن هذه المهنة غيّرتها للأفضل، إذ تقول: "لقد منحتني النجارة شخصيةً قويةً، وأحببت نفسي أكثر، وأعطيتها القيمة التي تستحقها. كل قطعة أصنعها تجعلني أكثر ثقة بنفسي وبقدرتي على الإبداع، وتجعلني أؤمن بأن المرأة قادرة على التفوق في أي مجال تختاره". وتشير إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي ساعدتها في التعريف بعملها، ووفّرت لها دعماً معنوياً شجّعها على المضي قدماً. اليوم، تصنع جيهان من الخشب الأبواب والأثاث، من كراسٍ وموائد، إلى مشغولات متنوعة، مستعينة بأدوات دقيقة، وفي مقدمتها المنشار، الذي ظل رفيق النجار منذ القدم، قبل أن تتطور بعض أنواعه إلى أنظمة آلية حديثة. لقد استطاعت جيهان تويجر أن تتحدى نفسها أولاً، ثم تثبت عن جدارة قدرة المرأة على إحداث التغيير دون التفريط في بصمتها الشخصية. من خلال تجديدها لحرفة تقليدية عريقة، وإصرارها على شق طريقها خارج القوالب الجاهزة، رسّخت مكانتها اليوم. تؤمن الشابة بأن الإبداع لا حدود له، وأن الخشب حين تلمسه يد شغوفة، يتحوّل إلى حكاية. تطمح جيهان إلى العالمية، قائلة: "أريد أن أواصل التعلم والبحث، وأتقن أساليب وتقنيات أكثر تطوراً، وأرغب في تمثيل المغرب بأفضل صورة ممكنة"، كما تحلم بأن تمتلك صالة عرض (Showroom) تعرض فيها أعمالها في الرباط أو الدار البيضاء. في ورشتها بمدينة سلا، وبين رائحة الخشب وقطعه المتناثرة، لا ترى جيهان تويجر النجارة مجرد مهنة، بل مسار حياة اختارته بوعي وشغف. قطعة بعد أخرى، تُراكم تجربتها، وتُثبت أن النجارة حين تُمارَس بحب تتحول إلى فن، وأن التكوين المستمر والبحث سلاح التميز وتحدّي الهيمنة الذكورية.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows