Arab
دخلت شركات النفط العالمية مرحلة إعادة تموضع اضطراري مع تصاعد صدمة الطاقة الناتجة من الحرب في المنطقة، في تحول سريع من منطق التوسع الاستثماري إلى إدارة المخاطر التشغيلية والمالية، رغم قفزة أسعار النفط فوق مستويات الـ 100 دولار للبرميل. وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن أسواق النفط العالمية تواجه خطر فقدان ما يراوح بين 7 و8 ملايين برميل يومياً من الإمدادات في حال استمرار الحرب، وهو ما يمثل نحو 7% من الطلب العالمي، ويُعَدّ من أكبر صدمات العرض في التاريخ الحديث، متجاوزاً في حجمه تأثيرات أزمات سابقة مثل حرب الخليج الأولى أو اضطرابات عام 2011، بحسب وكالة رويترز.
ونقلت الوكالة، أمس الثلاثاء، عن مصدرين مطلعين قولهما إن شركة ماكواري الأسترالية، سحبت عرض الاستحواذ على حصة في شبكة خطوط أنابيب نفط كويتية بنحو سبعة مليارات دولار، لتصبح بذلك من أوائل المستثمرين المعروفين الذين ينسحبون من صفقة خليجية بسبب الحرب في المنطقة. وأفاد أحد المصدرين بأن شركة الاستثمار المتخصصة في البنى التحتية أبلغت مؤسسة البترول الكويتية يوم الجمعة بانسحابها من الصفقة بسبب الحرب والوضع غير المستقر، في الوقت الذي يسعى فيه القائمون على الصفقة إلى المضي قدماً فيها، رغم إعلان الشركة حالة القوة القاهرة وخفض الإنتاج.
وتعد الخطوة، بحسب رويترز، مؤشراً على تراجع حماسة المستثمرين تجاه منطقة الخليج في ظل الحرب، إذ علقت ملايين البراميل من الخام بعد أن جعلت إيران مضيق هرمز في حكم المغلق. ولا تملك الكويت أي منفذ لتصدير النفط سوى هذا الممر المائي الضيق بين إيران وسلطنة عمان، الذي يمر عبره عادة خمس إمدادات النفط العالمية. وقال أحد المصادر إن مؤسسة البترول الكويتية أطلقت عملية البيع قبل ساعات فقط من أول هجوم صاروخي لإيران على دول الخليج في 28 فبراير/ شباط الماضي.
تأثيرات متفاوتة
وبحسب صحيفة هيوستن كرونيكل، تواجه شركات النفط العالمية الكبرى، خصوصاً تلك التي تتخذ من مدينة هيوستن الأميركية مقراً رئيسياً لها، ضغوطاً غير مسبوقة نتيجة الحرب في المنطقة، في وقت ترتفع فيه أسعار النفط إلى مستويات قياسية، بينما تتعرض عملياتها في المنطقة لتعطلات واسعة النطاق، ما يخلق ما وصفه محللون بـ"سيف ذي حدين" بين الأرباح والمخاطر. وأكدت الصحيفة أن شركات النفط الكبرى مثل إكسون موبيل وشيفرون وأوكسيدنتال بتروليوم وكونوكو فيليبس بدأت تنفيذ إجراءات طارئة شملت إجلاء الموظفين غير الأساسيين وتعليق بعض الأنشطة التشغيلية في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط، في محاولة للحد من المخاطر التشغيلية وإدارة سلاسل الإمداد المتضررة. وقال الرئيس التنفيذي لشركة إكسون موبيل، دارين وودز، إن إدارة المخزون أصبحت "شديدة التعقيد" في ظل تعطل تدفقات الشحن عبر المضيق.
ورغم الارتفاع الحاد في أسعار النفط والوقود، لم تنعكس هذه المكاسب بالتساوي على أداء الشركات الكبرى، فالشركات التي تركز على الإنتاج داخل الولايات المتحدة، مثل دايموندباك إنرجي وديفون إنرجي، حققت مكاسب أكبر في أسواق الأسهم مقارنة بالشركات العالمية ذات الانتشار الجغرافي الواسع، التي تواجه مخاطر تشغيلية مباشرة في مناطق الحرب. وقبل يومين، قالت صحيفة فاينانشال تايمز إن شركات النفط الأميركية مرشحة لتحقيق مكاسب مالية ضخمة تتجاوز 60 مليار دولار خلال عام 2026، في حال استمرار أسعار النفط عند مستوياتها المرتفعة عقب الحرب. وبحسب تقديرات بنك جيفريز، سيحقق المنتجون الأميركيون تدفقات نقدية إضافية بنحو 5 مليارات دولار خلال شهر مارس/ آذار وحده، مدفوعة بارتفاع الأسعار بنسبة تقارب 47% منذ نهاية فبراير/ شباط. وتوقعت شركة ريستاد إنرجي أن تصل الزيادة في إيرادات هذه الشركات إلى نحو 63.4 مليار دولار إذا استقر سعر النفط عند 100 دولار للبرميل.
وتوضح الصحيفة أن هذه المكاسب لا تشمل جميع الشركات بالتساوي، إذ تستفيد شركات النفط الصخري الأميركية بشكل أكبر لعدم ارتباطها المباشر بالشرق الأوسط، فيما تواجه الشركات الكبرى مثل إكسون موبيل وشيفرون مخاطر تشغيلية نتيجة امتلاكها أصولاً كبيرة في الخليج وتأثرها بإغلاق مضيق هرمز. وتقدر قيمة أصول شركات النفط العالمية في الشرق الأوسط بنحو 100 مليار دولار، تمثل حوالى 11% من قيمة قطاع استخراج النفط عالمياً، بحسب تقديرات شركة وود ماكنزي، ما يعكس حجم التعرض الكبير لهذه الشركات للمخاطر الجيوسياسية في المنطقة.
الشركات الأكثر تضرراً
وفي ما يتعلق بالتأثيرات التفصيلية بالشركات، تعد شركة إكسون موبيل من أكثر الشركات تعرضاً للمخاطر، نظراً لاعتمادها الكبير على عمليات الغاز الطبيعي المسال في قطر، التي تمثل أكثر من 50% من إنتاجها في هذا القطاع، إلى جانب نحو 20% من إجمالي إنتاجها النفطي والغازي. وقد أدى استهداف منشآت الغاز في قطر إلى توقف الإنتاج بشكل شبه كامل، ما دفع الشركة إلى إجلاء موظفيها غير الأساسيين من المنطقة، بحسب الصحيفة الأميركية. أما شركة شيفرون، التي تسعى لتوسيع حضورها في الشرق الأوسط، فقد تأثرت عملياتها في إسرائيل، حيث عُلِّق الإنتاج في حقل ليفياثان البحري للغاز، استجابة للتهديدات الأمنية وأوامر الحكومة. كذلك تمتلك الشركة استثمارات في السعودية والكويت، ورغم إعلان الأخيرة حالة القوة القاهرة، لم تعلن العمليات المرتبطة بشيفرون تأثراً مباشراً حتى الآن.
وفي حالة شركة كونوكو فيليبس، استفادت الشركة جزئياً من ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال، إلا أن اعتماد أكثر من 30% من طاقتها الإنتاجية على منشآت في قطر، خصوصاً في مدينة رأس لفان الصناعية، جعلها عرضة مباشرة لتعطل الإنتاج، الذي توقف بشكل شبه كامل نتيجة الضربات الجوية المستمرة. أما شركة أوكسيدنتال بتروليوم، التي تعد أكبر منتج مستقل للنفط في عُمان، فقد واجهت مخاطر متزايدة نتيجة استهداف الموانئ والبنية التحتية في البلاد، رغم عدم تسجيل تأثير مباشر كبير في الإنتاج حتى الآن، باستثناء الاضطرابات المرتبطة بحركة الملاحة في مضيق هرمز.
وفي ما يتعلق بالشركات الأوروبية، تعد شل وتوتال إنرجيز الفرنسية الأكثر تعرضاً للمخاطر، نظراً لاستثماراتهما الكبيرة في قطر والإمارات، فيما تتركز مخاطر شركة بي بي في العراق، حيث تمتلك حصصاً كبيرة في حقول النفط. وقد أجلت بي بي موظفيها من حقل الرميلة بعد تعرضه لهجوم بطائرات مسيّرة، في وقت تشير فيه تقديرات إلى انخفاض إنتاج العراق بما لا يقل عن 1.5 مليون برميل يومياً، بحسب رويترز. وقال متحدث باسم الشركة: "نحن نقيّم الوضع باستمرار، ونتواصل مع العاملين ضمن مسؤوليتنا، وسنتخذ الإجراءات اللازمة إذا دعت الحاجة إلى أي تغييرات".
وأعلنت شركة توتال إنرجيز تراجع إنتاجها العالمي من النفط والغاز بنحو 15%، نتيجة تداعيات الحرب في المنطقة وتعطل العمليات في عدد من مواقعها الحيوية، وفق بيان رسمي صادر في 13 مارس/ آذار 2026. وأوضحت الشركة أن الإنتاج أُوقِف أو يجري إيقافه تدريجياً في كل من قطر والعراق والمناطق البحرية في الإمارات، وهو ما يمثل نحو 15% من إجمالي إنتاجها، بينما لم يتأثر الإنتاج البري في الإمارات، الذي يبلغ نحو 210 آلاف برميل يومياً (حصة الشركة)، حتى الآن. وأضافت أن هذه الكميات المتوقفة تمثل قرابة 10% من التدفقات النقدية لقطاع المنبع، مشيرة إلى أن أصول الشرق الأوسط تحقق عوائد أقل نسبياً بسبب ارتفاع مستويات الضرائب مقارنة ببقية محفظة الشركة العالمية. وفي ما يتعلق بالتداعيات المالية، أكدت الشركة أن ارتفاع أسعار النفط قد يخفف من أثر التراجع في الإنتاج، إذ يكفي ارتفاع سعر خام برنت بنحو 8 دولارات للبرميل لتعويض التدفقات النقدية المتوقعة من أصولها في قطر والعراق والإمارات عند مستوى 60 دولاراً للبرميل.
وأكدت "توتال إنرجيز" أن عمليات مصفاة "ساتورب" في السعودية مستمرة بشكل طبيعي، وتواصل تزويد السوق المحلية، فيما يبقى تأثير توقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر محدوداً بأنشطة التداول، نظراً لأن معظم الإنتاج يُسوَّق عبر شركة "قطر إنرجي". وأشارت الشركة إلى أنها تواصل مراقبة تطورات الوضع الميداني من كثب، مع الاستعداد لتحديث تقديراتها التشغيلية في حال حدوث تغيرات جوهرية في مسار الأزمة.
أرباح قياسية مقابل انكماش فعلي
ورغم التعطلات التشغيلية التي تضرب أنشطة شركات الطاقة في الشرق الأوسط، سجلت أسهم كبرى شركات النفط العالمية قفزة حادة، في انعكاس مباشر لصدمة الإمدادات وارتفاع الأسعار في الأسواق الدولية. ووفق تقرير نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية الأحد الماضي، ارتفعت القيمة السوقية المجمعة لست من أكبر شركات النفط الغربية بأكثر من 130 مليار دولار خلال أسبوعين فقط من اندلاع الحرب، في واحدة من أسرع موجات الصعود في تاريخ القطاع.
وجاءت هذه الطفرة مدفوعة بتوقعات نقص الإمدادات العالمية، ما انعكس مباشرةً على تقييمات شركات مثل شل وإكسون موبيل وشيفرون، التي سجلت مستويات قياسية غير مسبوقة في الأسواق. وبلغت القيمة السوقية لشركة شل نحو 190 مليار جنيه إسترليني في بورصة لندن، بزيادة تقارب 12% منذ نهاية فبراير/ شباط، فيما صعدت قيمة إكسون موبيل إلى نحو 630 مليار دولار، وشيفرون إلى قرابة 390 مليار دولار، في مؤشر واضح على إعادة تسعير المخاطر في قطاع الطاقة.
كذلك امتدت المكاسب إلى شركات أوروبية أخرى، حيث ارتفعت أسهم بريتيش بتروليوم (بي بي) بأكثر من 12%، لتصل قيمتها السوقية إلى 82 مليار جنيه إسترليني، فيما سجلت توتال إنرجيز مكاسب بنحو 10% لتبلغ 176 مليار يورو، وارتفعت قيمة إيني إلى نحو 67 مليار يورو. وفي المقابل، استفادت شركات أقل انكشافاً على الشرق الأوسط بشكل أكبر، وعلى رأسها إكوينور النرويجية، التي قفزت أسهمها بأكثر من 20% خلال أسبوعين، مستفيدة من موقعها مورداً رئيسياً للغاز إلى أوروبا دون تعرض مباشر لمخاطر المنطقة.
وتزامن ذلك مع ارتفاع سعر خام برنت إلى نحو 117 دولاراً للبرميل في بداية الأسبوع، قبل أن يستقر فوق مستوى 100 دولار، وهو ما عزز توقعات تحقيق أرباح استثنائية لشركات الطاقة، حتى في ظل تعطل جزئي للإنتاج في بعض مناطق العمليات. غير أن هذه المكاسب تعكس مفارقة لافتة في هيكل القطاع، إذ يظهر انفصال نسبي بين الأداء المالي قصير الأجل والواقع التشغيلي الفعلي. فبينما تحقق الشركات تدفقات نقدية قوية مدفوعة بارتفاع الأسعار، فإنها في الوقت ذاته تواجه قيوداً متزايدة على الإنتاج وسلاسل الإمداد، إضافة إلى ارتفاع المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بمناطق الإنتاج.

Related News
العيناوي آخر نجوم عرب ضحايا عمليات السطو
alaraby ALjadeed
19 minutes ago
حرب إيران.. 5 فخاخ يجب على ترامب تجنبها
al-ain
20 minutes ago