سكان بيروت والجوار... خطر الاستهداف والقصف خارج الضاحية الجنوبية
Arab
1 week ago
share
يرتبك سكان العاصمة اللبنانية والمناطق المحاذية للضاحية الجنوبية عند سرد هواجسهم منذ تجدد العدوان الإسرائيلي وتوسعه، ووصوله إلى عمق المدينة، هم الذين عاشوا منذ عامين رعب اهتزاز منازلهم وصدى الغارات. "أين نذهب؟"، "هل هناك من بديل؟"، و"هل هناك من مكانٍ آمن بعد كل هذه الاستهدافات في عمق بيروت؟". أسئلةٌ لا تفارق تفكير أهالي العاصمة اللبنانية وغيرهم من سكان المناطق القريبة من الضاحية الجنوبية لبيروت (تتبع قضاءي بعبدا وعاليه في محافظة جبل لبنان إدارياً)، وهم الذين يعيشون رعباً يومياً تصاعدت حدّته في الأيام الأخيرة بعد الاستهدافات الإسرائيلية الأخيرة التي وصلت إلى قلب المدينة. وكما العدوان السابق في عام 2024، لم تعد مدينة بيروت آمنة كما كان يعتقد البعض، خصوصاً بعد استهداف جيش الاحتلال فجر اليوم الخميس منطقة الرملة البيضاء على الكورنيش البحري حيث ينصب عدد من النازحين خيامهم. وتأتي غارة الرملة البيضاء في بيروت بعد يوم على الغارة الإسرائيلية العنيفة التي استهدفت فجر الأربعاء مبنىً سكنياً في منطقة عائشة بكار في بيروت، وهي منطقة سكنية مكتظة. وقبل ذلك، استهدف جيش الاحتلال فجر الأحد الماضي غرفة في أحد فنادق منطقة الروشة (الكورنيش البحري) في العاصمة، فضلاً عن الإنذار الإسرائيلي الاثنين الماضي، بضرب البنى التحتية لمؤسسة القرض الحسن التابعة لحزب الله، ما أثار الذعر بين صفوف اللبنانيين، إذ تملك المؤسسة فروعاً نشطة في بيروت الإدارية استهدفها الاحتلال في عدوان 2024. يروي محمود منيمنة، المقيم برفقة عائلته في منطقة بشامون (جبل لبنان) كيف هرع عند ساعات الفجر إلى منزل أهله في منطقة عائشة بكار الذي يقع على بُعد أمتار عن المبنى المستهدف ومقابله تماماً، ويقول لـ"العربي الجديد": "لا يمكنني أن أصف حجم الرعب والذعر الذي لمسته بين سكان الحيّ في تلك اللحظة، فقد كان معظم الأهالي نائمين عندما قُصف المبنى، واستفاقوا مرتعبين. وجدتُ والدتي تحتمي داخل دورة المياه لكونها بعيدة نوعاً ما عن ذلك المبنى، بينما حاول والدي الاحتماء في ممرّ المنزل. أما الأضرار، فهي جسيمة، لم يبقَ أي شيء في المنزل، سواء لناحية الزجاج أو الألمنيوم أو الأبواب والستائر، حتى إنّ الغارة الإسرائيلية أدّت إلى تطاير باب المدخل نحو عشرة أمتار، وتُقدّر الكلفة الأولية للترميم بين 8 و10 آلاف دولار أميركي". ويضيف الأب لشابّين: "لا نفكر بترك منزلنا في عائشة بكار، إنّها منطقتنا، لقد وُلدت وترعرعتُ فيها، ولو أنني اضطررت لاحقاً إلى شراء منزل في منطقة بشامون، لكن منزلنا في عائشة بكار هو منزل الأهل، لا نتركه بتاتاً". منذ تجدد العدوان الإسرائيلي على لبنان مطلع مارس/ آذار الجاري، يرزح المقيمون في بيروت الإدارية والمناطق القريبة من الضاحية الجنوبية تحت وطأة الخوف والقلق نتيجة القصف والغارات المتواصلة ليلاً ونهاراً، التي يصل صداها إلى مسامعهم. كبارٌ وصغارٌ، لم ينسوا بعد العدوان الإسرائيلي الأخير، وما رافقه من استهدافات طاولت مناطق في قلب بيروت، مثل الكولا والباشورة والنويري ورأس النبع ومار الياس وزقاق البلاط والبسطة الفوقا والحمرا والمصيطبة وبربور والمزرعة، فجاء العدوان اليوم ليعيد إلى الأذهان مشهديّة قاتمة وحالة من التوتر النفسي تصيب السكان والنازحين. "نُقيم عند خط تماس في منطقة قصقص، وعلى مسافة قريبة جداً من مرمى النيران، إذ لا توجد بيننا وبين الضاحية الجنوبية أيّ مبانٍ سكنية تساعد في تخفيف حدّة أصوات الغارات، أو حتى في ردع الشظايا"، يقول عمر بيروتي الذي تصل إليه برفقة عائلته آثار القصف والغبار، ولا يفارقهم شعور القلق وضبابية المستقبل. ويضيف لـ"العربي الجديد": "مرّت علينا حروب عديدة، حتى صرنا للأسف معتادين لها، علماً أنها واقع محزن يجب ألا يعتاده المرء". ويتابع الأب لأربعة أطفال: "صار حديثي اليومي مع أفراد عائلتي عبارة عن سلسلة إنذارات، تبدأ بملازمتهم أبعد غرفة عن الطريق السريع (أوتوستراد)، مروراً بالتأكد من عدم إغلاق الأبواب، تحسّباً لغارات قوية قد تؤدّي إلى تحطّم الزجاج، وصولاً إلى تنبيههم بضرورة الابتعاد عن الشرفات والزجاج. أمّا حقيبة الطوارئ، فهي جاهزة دائماً عند مدخل المنزل، تحسّباً لأي ارتفاع بوتيرة العدوان، ولأيّ خطر وشيك، فضلاً عن حقيبة أخرى موجودة دائماً في السيارة، وتضمّ الأدوية والأساسيات وما يمكن أن يحتاجه أطفالي". يروي عمر كيف تحوّلت حياة أطفاله إلى معاناة نفسية يومية تسودها مشاعر الخوف والقلق، ويضيف: "دائماً يطلبون منّي ألا أغلق أبواب غرف النوم، وألا أطفئ الأضواء. إنها بالفعل مرحلة عصيبة وأجواء قاهرة سبق أن عشناها بوصفنا من جيل الحرب (الحرب الأهلية اللبنانية 1975- 1990)، وكم كنتُ أتمنّى ألا يعيش أطفالي الواقع ذاته". يُبدي فيليب فرج من منطقة عين الرمانة المحاذية كذلك للضاحية الجنوبية، خشيته من انتقال الاستهدافات نحو منطقتهم. ويقول لـ"العربي الجديد": "نعيش حالة خوف ورعب وترقب دائم، نفتح النوافذ تفادياً لأي أضرار قد تنجم عن قصف الضاحية الجنوبية لبيروت، لكن يبقى سؤالنا الجوهري: أين نذهب؟ فما من مكان نلجأ إليه". ويؤكد فيليب أن استهداف منطقة عين الرمانة يعني حكماً استهداف كل المناطق المجاورة، ولن يبقى حينها أيّ مكان آمن، إذ لن يميّز القصف الإسرائيلي عندها بين مناطق محسوبة على حزب الله وأخرى خارج سيطرة الحزب. ويضيف: "المشهد مريعٌ ومُربكٌ، العائلات جميعها في حالة تخوف، وسط زحمة وتهافت على شراء الأدوية والمواد الغذائية والاستهلاكية. وعلى الرغم من أن الشعب اللبناني قد اعتاد الحروب والأزمات والمآسي، وكذلك أطفالنا، لكن لا يمكن إنكار حقيقة أن اقتراب الغارات الإسرائيلية من منطقتنا بشكل أكبر، يثير مزيداً من الذعر، لكن لا خيار أمامنا سوى البقاء، خصوصاً أننا نتابع ما يعانيه نازحو الضاحية الجنوبية من صعوبة في تأمين مأوى كريم". وإذ تكتظ العاصمة والمناطق المجاورة للضاحية الجنوبية بأعداد النازحين وبمراكز الإيواء، تتجدد هواجس كثيرين إزاء انعدام الاستقرار الأمني وتوسّع الغارات الإسرائيلية، والاستهدافات التي لا تقيم وزناً لمنطقة داخل بيروت أو خارجها، فضلاً عن تأثير النزوح الكثيف، والخوف من انقطاع المياه وزيادة كمية النفايات، وزحمة السير، وصعوبة إيجاد مواقف للسيارات، وانعكاس كل ذلك على كبار السنّ والأطفال والمرضى على وجه الخصوص. يسكن مازن في حيّ الدنا في الطريق الجديدة القريب من الضاحية الجنوبية ومن مخيم صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين. يقول الأب لطفلين لـ"العربي الجديد": "منذ انفجار مرفأ بيروت في عام 2020 لا يفارق ابنتي شعور الخوف، وهي التي لا يتجاوز عمرها 11 عاماً، حتى إنّها اليوم ترتعب فور علمها بأيّ إنذار أو تهديد إسرائيلي. نحاول تهدئتها وإيهامها بأنّ الضربة بعيدة، وبأنه ما من شيء سيحصل. أمّا ابني الصغير الذي يبلغ من العمر ثلاثة أعوام، فيظنّ أنّ الغارات هي مجرد مفرقعات، ونحن بدورنا نحاول قدر الإمكان الحفاظ على أعصابنا وعدم إبداء أيّ ردة فعل أمام الطفلين". وعن إجراءات السلامة التي يتّبعها برفقة زوجته، يشرح مازن الذي فضّل عدم ذكر اسمه كاملاً، أنّهما لا يفتحان النوافذ، باعتبار أنّ الغارات الإسرائيلية هذه المرة كانت أخفّ وقعاً من العدوان الماضي في عام 2024، إذ اهتزّ حينها المنزل وتحطّم الزجاج. ويتابع: "لكن بعد التهديد الشامل منذ أيام بقصف الضاحية الجنوبية، سارعنا إلى فتح النوافذ تحسّباً لأيّ ضرر، كذلك فإننا لا نقوى على النوم خوفاً من أي غارة مفاجئة. عدا ذلك، لا نتّخذ أيّ إجراء آخر، ولا يمكننا ترك المنزل، فما من بديل نلجأ إليه، خصوصاً أنّني أعمل مندوب مبيعات، وقد توقف عملي جزئياً، لكون الضاحية الجنوبية وطريق المطار كانا ضمن سوق المبيعات التي أعتمد عليها". من جهتها، تتمسك المواطنة جمال أبو عمّو بالبقاء في منطقة الطريق الجديدة في بيروت، وهي التي تعمل في مستشفى جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية، وتقول لـ"العربي الجديد": "نعيش كما معظم أبناء العاصمة والمناطق المحيطة بالضاحية الجنوبية، حالة من القلق والتوتر الدائم ومن الخوف على أهلنا وأصدقائنا. لا نتوقف عن متابعة الأخبار العاجلة، وترقب الحلول الإيجابية من أجل الخلاص من هذه المحنة والعودة إلى حياتنا الطبيعية، إلى الأمن والأمان". جمال التي سبق أن عاشت هلع الغارات خلال العدوان الإسرائيلي الأخير في عام 2024 عندما استهدف جيش الاحتلال منطقة الكولا المحاذية من مكان سكنها، تختم بالقول: "العدوان هذه المرة صعب وقاسٍ جداً، لكن أهالي المنطقة يحاولون التأقلم ومواصلة الحياة". يُقيم رئيس جمعية "حفظ النعمة اللبنانية" أحمد عبد العال بمنطقة كاراكاس في رأس بيروت، بينما يُواصل تقديم المساعدات الخيرية عبر مقرّ جمعيته الكائن في منطقة الطريق الجديدة. ويقول لـ"العربي الجديد": "نواصل نشاطنا الرمضاني المعتاد رغم الظروف الصعبة، ويعزّ علينا ما نشاهده يوميّاً من غارات إسرائيلية ومن وضع مأساوي بين صفوف النازحين الذين أجبرهم العدوان الإسرائيلي على ترك منازلهم وأرزاقهم وأشغالهم، ولا سيّما خلال الشهر الفضيل"، لافتاً إلى ما تعانيه تلك العائلات من أزمات نفسية وصحية ومادية عصيبة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows