الحرب ليست فيلماً
Arab
1 week ago
share
احتاج البيت الأبيض إلى 42 ثانية ليحوِّل العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران إلى فيلم أميركي قصير؛ مقطع فيديو حمل عنوان "العدالة على الطريقة الأميركية"؛ لقطات متلاحقة من أفلام ومسلسلات مثل "توب غان" و"غلاديتور" و"أيرون مان"، و"بريكينغ باد" و"بريف هارت"... تتخلّلها صور انفجارات حقيقية، وفيه يظهر أبطال هوليوود: توم كروز وروبرت داوني جونيور وميل غيبسون وراسل كرو وغيرهم، في أدوار اشتُهروا فيها، ثم فجأةً، تمرّ صور قصف فعلي التقطتها كاميرات الجيش الأميركي. صُمّم المشهد بإيقاع ترفيهي سريع، تحوّلت معه الحرب من حدث كارثي يحتاج إلى تفسير ومساءلة، إلى مادّة بصرية في أقلّ من دقيقة تُقدَّم للجمهور إعلاناً دعائياً أو "تريلر" سينمائياً يحول القتل إلى سردية بطولية جاهزة للاستهلاك. طالب المخرج والممثل بن ستيلر بحذف مقطع فيلمه "تروبيك ثاندر" (2008)، الذي وُظّفت ثوانٍ منه في فيديو البيت الأبيض، وأدّى ستيلر فيه دور البطولة (شخصية تاغ سبيدمان)، بحذف المقطع من منصّة أكس. ولعلّ بن ستيلر كان الأكثر إدراكاً لمفارقة أن "تروبك ثاندر" الذي يتهكّم على صناعة البطولة الزائفة، استُخدم ليصنع بطولةً زائفةً جديدة، وقال: لم نمنحكم الإذن قط"، لكن اعتراضه، على أهميته، لم يكن موجّهاً إلى السطو على حقوق الملكية فقط، بل أرد أن يحفر عميقاً فينتقد الطريقة التي تُروى بها الحرب؛ طريقةُ صنّاع المحتوى، فأضاف: "لا نريد أن نكون جزءاً من آلتكم الدعائية... الحرب ليست فيلماً". في الدعاية السياسية التقليدية، تحاول الحكومات إقناع الجمهور بتقديم أسباب للحرب من قبيل: الأمن القومي، والدفاع عن الحلفاء، وردع الخصوم... حتى لو كانت ضعيفة أو مضلِّلة. المعادلة الأميركية مختلفة، إذ يعلم ترامب أن أحداً لن يصدّقه حين يقول (مثلاً) إن إيران كانت ستستولي على الشرق الأوسط قبل أن يتدخّل جيشه، ولعلّه يعلم أنه مكشوف أمام تناقضه الصارخ حول تدمير البرنامج النووي الإيراني في حرب سابقة، ثم العودة إلى ادّعاء أن طهران كانت على وشك امتلاك القنبلة. ومع تغيير ترامب يومياً أهداف حربه، كان لا بدّ للمشهد من أن يبدو مثيراً ومقنعاً بصرياً. في هذا الخطاب البصري، لم تعد الحرب محتاجةً إلى تفسير بقدر ما تحتاج إلى إخراج "جيّد"، أو قل: تحتاج إلى حيلة سينمائية. في الحالتَين، نواجه تغيّراً جوهرياً في الثقافة السياسية المعاصرة. تعمل السينما وألعاب الفيديو ومنصّات التواصل الاجتماعي وفق منطق السرعة، والإثارة، والوضوح الأخلاقي المخلّ: بطل واضح، وشرير واضح، وانتصار بيّن. الحروب الحقيقية لا تشبه هذا البناء السردي، فهي فوضى معقّدة، مليئة بالأخطاء والضحايا، ولا يمكن التنبّؤ بالنتائج. وحين تعرض الحرب بوصفها فيلم "أكشن"، تختفي تلك التعقيدات كلّها، وتتحوّل المأساة إلى ترفيه. لم يكن الفيديو الأول نهاية القصّة، إذ نشر البيت الأبيض مقطعاً آخر (43 ثانية) يمزج صور الضربات الجوية بلقطات من لعبة الفيديو "غراند ثيف أوتو" ليكتمل المشهد، فتنطق الحرب، إلى جانب لغة السينما، بلغة الألعاب الإلكترونية، فتتحوّل إلى محتوى بصري يُستهلَك بسهولة في شاشة هاتف محمول: انقضاض طائرة، انفجار مدوٍّ، ونهاية عادلة بانتصار قوى "الخير". وخلف الإثارة مدن ترتجف تحت القصف، وعائلات تفرّ ليلاً، وأشلاء أطفال المدارس... ويبقى الارتباك السياسي خارج الكادر. هكذا تُمحى الضحية مرَّتَين: مرّةً بالقصف، ومرّة بالمونتاج. لم يعد الجمهور مطالباً بأن يفكّر، عليه أن يشاهد، وليس مضطراً لمناقشة الحرب، يكفي أن يتفاعل معها بوصفها مقطعاً ترفيهياً: إعجاب، ومشاركة، وتعليق... ثم الانتقال إلى الفيديو التالي. هكذا يعاد تشكيل الخيال السياسي اليوم؛ فلا تكتفي السلطة بإدارة الحرب، بل تحاول إخراجها مشهداً سينمائياً موجّهاً للجمهور العالمي الأوسع، لا خطاباً سياسياً ولا تقريراً عسكرياً، لكنّ الحروب الحقيقية لا تعمل على هذا النحو، إذ لا بطلَ واحداً، ولا شريرَ واحداً، ولا نهايةَ واضحةً، وبينما ينتقل المشاهد إلى المقطع التالي، تنتقل الطائرات إلى هدفها التالي، لتحدث فوضى ودماءً وأخطاءً لا يمكن إصلاحها. يريد صانع المحتوى الأميركي (الرسمي) القفز عن ذلك كلّه في زمن صار فيه تسويق الحرب أهم من تفسيرها، وصورتها أهم من حقيقتها.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows