Arab
منذ اختفاء آثاره عام 1988 في قرية النبي شيت في سهل البقاع اللبناني، ظل مصير الطيار الإسرائيلي رون أراد أكبر لغز استخباراتي وأكثرها إحباطاً في تاريخ إسرائيل، إذ لم تظهر أدلة قاطعة حول مكان وجوده أو ظروف وفاته. وطوال عقود عملت الاستخبارات الإسرائيلية وفق فرضية أن أراد نُقل إلى إيران أو إلى "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني، واستُثمرت جهود هائلة شملت ميزانيات ضخمة وتجنيد عملاء واعتراض اتصالات وتنفيذ عمليات في أنحاء العالم للتحقق من هذه الفرضية.
وفي إطار جهود البحث عنه، التي تُعرف داخل المؤسسة الأمنية باسم "حرارة الجسد"، نُفذت عمليات محفوفة بالمخاطر. من بينها عملية لـ"الموساد" عام 2007 باسم "عين النمر" بهدف الحصول على معلومات من داخل أجهزة الاستخبارات الإيرانية، وفي عام 2021 كُشف عن عملية اختُطف خلالها جنرال إيراني متقاعد في سورية لاستجوابه بشأن القضية.
إلى جانب ذلك، ظهرت عبر السنوات أصوات داخل الاستخبارات العسكرية و"الشاباك" تشكك في مشاركة إيران. وبناء على هذه الوجهة، تركزت جهود حل اللغز ليس على طهران بل على لبنان، وتحديداً في النقطة التي شوهد فيها آخر مرة وهي النبي شيت، حيث جرت ليل الجمعة - السبت عملية إنزال إسرائيلي تصدّى لها عناصر حزب الله وأبناء من البلدة، ويُعتقد بأنّها لتقفي أثر أراد. وتشير التقديرات الآتية من عمليات في السنوات الأخيرة، بما فيها "اختطاف الضابط اللبناني المتقاعد أحمد شكر"، إلى احتمال أن يكون أراد قد لقي حتفه بعد وقت قصير من اختفائه عام 1986، وأن المعلومات الاستخباراتية التي وجهت الأنظار إلى إيران لمدة ثلاثين عاماً كانت "ضجيجاً" مضللاً حال دون كشف الحقيقة.
في أغسطس/ آب 1988 أعلن حزب الله أن أراد محتجز لديه. وبين عامي 1986 و1994 أُجّل الإفراج عن 21 أسيراً لبنانياً، كما اختُطف القيادي في حركة "أمل" مصطفى الديراني وأحد كبار مسؤولي حزب الله الشيخ عبد الكريم عبيد بهدف استخدامهما أوراق ضغط في مفاوضات محتملة لإطلاق سراح أراد. وفي إبريل/ نيسان 2000، قضت المحكمة العليا الإسرائيلية بوجوب الإفراج عن معظم هؤلاء المعتقلين، بينما بقي الديراني وعبيد في السجون الإسرائيلية أربع سنوات إضافية حتى صفقة تبادل الأسرى عام 2004.
بعد اغتيال إسرائيل الأمين العام الأسبق لحزب الله عباس الموسوي في فبراير/ شباط 1992 أعلن حزب الله إعدام أراد، لكن مصادر مختلفة ادعت أنه ما زال حياً ومحتجزاً في إيران، استناداً إلى معلومات ظهرت بعد عملية قادها منسق شؤون الأسرى والمفقودين الإسرائيليين في حينه يسرائيل بيرلوف.
وفي فبراير/ شباط 1995 صرّح الإيراني منوشهر موكبار، في مقابلة مع إذاعة في لوس أنجليس، بأن أراد حي ومحتجز في سجن تابع للاستخبارات الإيرانية في أصفهان، وأنه بعد محاولة هروب خضع لعملية جراحية وأصبح مشلول الساقين ويستخدم كرسياً متحركاً. وفي الشهر نفسه قال مواطنان ألمانيان كانا مسجونين في إيران، في مقابلة مع صحيفة ألمانية، إنهما سمعا أن طياراً إسرائيلياً محتجز في الحبس الانفرادي.
عقب ذلك، وتحديداً في إبريل/ نيسان 1996، أعلن تنظيم يُدعى "المضطهدون على الأرض" أنه يحتجز أراد وسيعدمه خلال 48 ساعة. وفي أكتوبر/ تشرين الأول 1997 قال مسؤولون ألمان وروس كانوا يتعاملون مع القضية إن أراد على الأرجح لم يعد على قيد الحياة. غير أن إسرائيل رفضت هذه الادعاءات وأكدت أن فرضيتها الأساسية أنه حي ومحتجز في إيران.
في 26 ديسمبر/ كانون الأول 2000 أُبرمت صفقة مع حزب الله بوساطة ألمانية حصلت فيها إسرائيل على بندقية أراد مقابل إطلاق سراح 40 فلسطينياً و12 لبنانياً. وفي يوليو/ تموز 2001 قال الصحافي السوري نزار نيوف، الذي أُطلق سراحه من سجن سوري في مايو/ أيار من ذلك العام، إنه رأى أراد في أغسطس/ آب 1993 في سجن في سورية.
عام 2002 أُنشئت لجنة خاصة لتقييم وضع أراد برئاسة القاضي إلياهو فينوغراد، وخلصت إلى عدم وجود سبب لتغيير التقدير القائم بأن أراد ما زال حياً. وفي عام 2003 كشف رئيس حكومة الاحتلال في حينه أريئيل شارون أن الجهود الاستخباراتية للعثور على أراد كلفت حياة عميل استخبارات. وفي العام نفسه ظهرت ادعاءات من مسؤولين إيرانيين نُفيوا إلى الغرب بأن أراد احتُجز قرب طهران وكان يعاني من مشاكل صحية وحاول الهرب من سجنه. وفي عام 2004 أعلنت جمعية "وُلد للحرية" جائزة قدرها 10 ملايين دولار مقابل معلومات تؤدي إلى إطلاق سراح أراد.
في عام 2005 قُدم تقرير من شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية قدّر أن أراد توفي في لبنان بين عامي 1995 و1997، على الأرجح نتيجة مرض جلدي حاد. وذكر التقرير أنه نُقل إلى إيران وبقي هناك حتى عام 1994، ثم أُعيد سراً إلى لبنان خوفاً من كشف مكانه بعد التحقيق مع مصطفى الديراني. لكن أقلية إسرائيلية في فريق البحث والتحقيق رأت أن أراد لم يغادر لبنان أصلاً، وأن الحرس الثوري كان يحتجزه في لبنان وليس في إيران. وعلى الرغم من أن الحاخام العسكري الرئيسي في جيش الاحتلال مال في حينها إلى إعلان أراد "جندياً قُتل ومكان دفنه غير معروف"، عارض شارون هذا الإعلان وطلب مواصلة البحث.
في سبتمبر/ أيلول 2006 بثت أل بي سي اللبنانية مقطعاً نادراً لأراد من فترة أسره، يُعتقد أنه من عام 1988، يظهر فيه وهو يدخن ويعطي معلومات عن نفسه وخدمته العسكرية. وفي 15 أكتوبر/ تشرين الأول 2007 نُقل إلى إسرائيل دفتر يوميات كتبه أراد خلال فترة أسره، وذلك ضمن صفقة تبادل مع حزب الله أُعيدت فيها جثة إسرائيلي غرق وانجرفت إلى لبنان مقابل جثماني مقاتلين من الحزب ومعتقل لبناني.
في 11 يوليو/ تموز 2008، وفي إطار صفقة تبادل أسرى أخرى، حصلت إسرائيل على صورتين لأراد يظهر فيهما مصاباً، إضافة إلى يوميات من أول عامين من أسره وتقرير من 80 صفحة أعده حزب الله بالعربية يصف الأشخاص الذين احتكوا به خلال تلك الفترة وجهود البحث عنه. وذكر التقرير أنه أثناء وجوده في قرية النبي شيت في مايو/ أيار 1988 تمكن من الهرب، ربما بمساعدة أحد حراسه، لكنه قُتل أثناء محاولته الوصول إلى القوات الإسرائيلية في "الشريط الأمني" بجنوب لبنان.
وأشار التقرير إلى أن سبب موته ربما كان انهياره من الإرهاق أو إصابته أو سقوطه من جرف أثناء الهروب، وأن جثته لم تُعثر عليها. كما ورد أن حزب الله حاول عام 2004 العثور على قبره في قرية النبي شيت، وأن بقايا عظام وقبراً مجهولاً عُثر عليهما، لكن الفحوص الجينية التي أُجريت على عينات العظام التي سُلّمت لإسرائيل أثبتت أنها لا تعود له.
في فبراير/ شباط 2016 كُشفت أمام محكمة عسكرية في لبنان شهادة حول مصير أراد خلال محاكمة خمسة أعضاء في الحزب السوري القومي الاجتماعي. واتُّهم هؤلاء بتلقي أموال من إسرائيل مقابل تقديم معلومات، بعضها خاطئ، عن مصير الملاح الإسرائيلي، بل حاولوا أيضاً إرسال عينة عظم لإسرائيل مقابل المال.
أحد المتهمين، ويدعى مفيد القنطار، قال في شهادته إن أراد كان محتجزاً لدى حزب الله وتوفي في الأسر عام 1988، أي بعد نحو عامين من أسره. وتطابقت أقواله مع تقارير حزب الله. وذكر أن أراد نُقل إلى الحزب بعد العملية العسكرية في قرية ميدون عام 1988 وتعرض لتعذيب شديد واستجوابات مكثفة، وأنه وُجد ميتاً في الحمام نتيجة الإرهاق والإصابات الجسدية. وأضاف أن التعرف إلى أراد حصل لاحقاً بعد نحو عقد من الزمن، وأنه دُفن شرق بيروت. في الشهر نفسه من عام 2016 ظهرت شهادة أخرى في لبنان تقول إن أراد قُتل بالفعل عام 1988، وهو ما تبناه أيضاً فريق التحقيق الإسرائيلي بقيادة المسؤول في جهاز "الشاباك" يتسحاق إيلان. ومع ذلك ادعت أجهزة أمنية إسرائيلية أنها تملك معلومات عن أن أراد ظل حياً حتى عام 1997.
وفي محاولة لحل اللغز، كشف رئيس حكومة الاحتلال الأسبق نفتالي بينيت في أكتوبر/ تشرين الأول 2021 أن "الموساد"، بالتعاون مع الجيش الإسرائيلي و"الشاباك"، نفذ عملية واسعة النطاق للعثور على خيط يقود إلى مكانه. لكن رئيس "الموساد" دافيد برنياع أقر لاحقاً بأن العملية لم تحقق هدفها. وبموازاة ذلك ظهرت تقارير إعلامية تفيد باختطاف جنرال إيراني في سورية اعتقدت إسرائيل أن له دوراً في قضية أراد، ثم أُطلق سراحه في أفريقيا بعد التحقيق معه في إسرائيل. واستمرت الجهود العملياتية حتى نهاية عام 2025، عندما أفادت تقارير في لبنان باختطاف شكر على يد عملاء يحملون الجنسية السويدية يُعتقد أنهم يعملون لصالح الموساد، ونُقل إلى إسرائيل عبر منطقة جبل الشيخ بعد ظهور معلومات جديدة تربطه بالمنطقة التي كان يُحتجز فيها أراد عند اختفائه.

Related News
الحرب في المنطقة تهدد أسعار الغذاء عالمياً
alaraby ALjadeed
10 minutes ago
كم يتقاضى بوتشيتينو مع المنتخب الأميركي؟
aawsat
18 minutes ago
ولية عهد النرويج: جيفري إبستين «تلاعب بي وخدعني»
aawsat
31 minutes ago