المسحراتي في غزة... صوت يوقظ الذاكرة بين الركام والخيام
Arab
1 week ago
share
لم يعد المسحراتي في غزة يجوب شوارع مضاءة ويطرق أبواب بيوت عامرة بالحياة في ليالي رمضان الحالية، بل شاهداً على زمن مختلف يمشي بخطوات حذرة فوق طرقات وعرة، وينادي على بيوت مهدمة وخيام مهترئة، ويحاول أن يوقظ أرواحاً أنهكتها الحرب قبل أن يوقظها للسحور. يمشي المسحراتي الآن بين ركام آلاف المنازل المدمّرة، يتجاوز أكوام الحجارة وقطع الإسمنت، ويطرق بطبلته الصغيرة في فضاء مفتوح لا تحيط به جدران، كأنه ينادي ذاكرة المكان أكثر من السكان. وفي كثير من الأحيان لا يجد نوافذ تفتح ولا أطفالاً يلوحون، بل خياماً صامتة تحاول أن تمنح قاطنيها الحدّ الأدنى من الحماية. في مخيم غربي مدينة غزة، يسير المسحراتي بين صفوف الخيام التي نصبت فوق أراضِ غير مستوية، ينادي بصوت مرتفع "يا نايم وحد الدايم"، لكن صوته هذه المرة لا يرتد من جدران البيوت كما كان يحدث سابقاً، بل يتلاشى في فضاء مفتوح، إذ اضطر عشرات آلاف السكان إلى العيش في خيام وملاجئ مؤقتة بعد تدمير منازلهم. يخبر المسحراتي محمود عاشور (27 سنة)، وهو يسير بين أنقاض حي الشاطئ غربي مدينة غزة، "العربي الجديد" أن عمله هذا العام مختلف تماماً عن الأعوام السابقة، وأنه يضطر إلى السير بحذر بسبب الركام والحفر، خصوصاً في ظل الظلام الدامس الناتج عن انقطاع الكهرباء. ويقول: "كنت أعرف كل بيت في الحي، وكنت أنادي الناس بأسمائهم، وكان الأطفال ينتظرونني عند النوافذ، واليوم أمشي في نفس الشارع لكن لا أجد بيوتاً، فقط ركام، وأنادي أحياناً من دون أن أدرك أن أصحاب البيت استشهدوا أو نزحوا". ومن أصعب اللحظات التي يمر بها عاشور وقوفه أمام منزل مدمّر كان أصحابه يستقبلونه كل عام، لذا بات يشعر أنه ينادي الذكريات، لكنه يواصل الواجب الذي اعتاد عليه لأن "رمضان يجب أن يبقى حياً في غزة". لم تعد مهمة المسحراتي في قطاع غزة مجرد جولة ليلية لإيقاظ الصائمين، بل رحلة يومية عبر مشاهد الدمار والنزوح، حيث تحوّلت الأزقة إلى طرقات وعرة، والمنازل إلى ركام، والأبواب إلى خيام مهترئة. ورغم ذلك يحمل المسحراتي الطبل كأنه "ذاكرة صوتية" لطقوس رمضان السنوية. ويواصل المسحراتي يوسف البياري (41 سنة) جولاته الليلية حاملاً طبلته التي ترافقه منذ أكثر من عشر سنوات. يقف لحظات بين صفوف خيام متلاصقة، كأنه يستجمع صوته قبل أن يطرق على طبلته مردداً النداء الذي اعتاد عليه. ويقول لـ"العربي الجديد": "أصبحت مهمتي هذا العام أكثر ثقلاً من أي وقت ليس بسبب طول المسافات فقط، بل بسبب ما تحمله الجولة من مشاعر متناقضة. في السابق، كنت أمشي بين بيوت أعرف أصحابها جيداً، وكانوا ينتظرونني ويحيونني باسمي، أما اليوم فأمشي بين خيام لا أعرف من في داخلها. عائلات جاءت من أحياء مختلفة، جمعتها الحرب وفرّق بينها كل شيء آخر". ويشير البياري إلى أن السير بين الخيام ليلاً يحمل مخاطر عدة، خاصة في ظل غياب الإضاءة وامتلاء المكان بحفر وركام، لكنه يحرص على الاستمرار لأن صوت المسحراتي بالنسبة للناس ليس مجرد تقليد، بل جزء من ذكريات حياتهم الطبيعية التي يحاولون التمسك بها. ووفقاً للواقع الجديد الذي فرضته الحرب يمر "المسحراتية" بين المنازل المدمرة والخيام، لأن الناس يحبون هذا التقليد رغم الألم، وقد أصبحت مهمتهم مرتبطة بإحياء الأمل أكثر من مجرد إيقاظ الناس للسحور. أما أحمد زقوت (34 سنة) الذي يعمل مسحراتياً في أحد مخيمات النزوح غرب مدينة غزة، فيقول لـ"العربي الجديد": "تغيّرت طبيعة عملي بالكامل هذا العام بعدما بات معظم السكان يعيشون داخل خيام. في السابق كنت أمشي بين بيوت، وكان الناس يفتحون النوافذ أو الشرفات ويردون عليّ. اليوم أمشي بين خيام، وأنادي على عائلات فقدت كل شيء. لا أبواب ولا نوافذ، فقط قماش يحاول أن يحمي الناس من البرد". ويشير إلى أن "صوت الطبل في المخيم له وقع مختلف، حيث يستيقظ الناس بسرعة بسبب قلقهم المستمر، ولأن الصوت بين الخيام أقوى وأعلى من سماعه من خلف الجدران، وعملي لم يعد مجرد تقليد رمضاني، بل رسالة أمل". ويواصل المسحراتية في غزة مهماتهم بين الركام والخيام، رغم المخاطر والظروف القاسية. تغيّرت الطرقات وغابت البيوت والإضاءة عن الشوارع، لكن صوت الطبل لا يزال يتردد في الليل ويشهد على تمسك الغزيين بتقاليدهم وإصرارهم على إبقاء رمضان حاضراً في أصعب الأوقات. وأعاد رمضان الحالي في غزة تعريف وظيفة المسحراتي، إذ لم يعد يسير بين بيوت مضاءة بل بين أنقاض، ولم يعد ينادي على نوافذ بل على خيام، ولم يعد يسمع الترحيب ذاته، لكنه لا يزال يخرج كل ليلة، يوقظ في الناس إحساساً بأن رمضان لا يزال حاضراً رغم كل شيء.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows