Arab
في شوارع غزة حيث تتكدس أكوام الإسمنت والحديد الملتوي على جانبي الطرقات، لا ينتظر الأهالي وصول آليات رسمية لرفع الركام، بل يستأجرون بأنفسهم شاحنات وجرافات خاصة لتهيئة مساحة تصلح للسكن المؤقت، أو لإعادة فتح محل تجاري. تقف شاحنات ثقيلة في محاذاة مبانٍ نصف مهدمة وتتقدم جرافات صغيرة بين أكوام الحجارة والغبار، بينما يتحرك شبان بأدوات بدائية وعربات يدوية لنقل القطع الصغيرة. ليست العملية سهلة فكل متر مربع من الركام يحتاج ساعات من العمل والتنسيق مع سائق الجرافة، ومتابعة تحميل الأنقاض في الشاحنات التي تنتظر دورها وسط شارع ترابي يتسع بالكاد للمرور.
وتعتبر الكلفة التحدي الأكبر، فاستئجار جرافة وشاحنة لساعات قيمته آلاف الشواكل في ظل ندرة الآليات الصالحة للعمل وارتفاع أسعار المحروقات التي يُسمح بإدخالها بكميات محدودة للغاية. وتضطر كثير من العائلات إلى الاقتراض أو بيع ما تبقى لديها من مقتنيات لتغطية تكاليف إزالة الركام بأمل أن تستطيع نصب غرفة، أو إعادة تأهيل طابق أرضي يصلح للعيش.
يقول أبو محمد عليوة (45 سنة)، وهو يقف قرب ركام منزله المدمر، لـ"العربي الجديد": "لم أستطع انتظار أي جهة كي تأتي وتزيل الأنقاض. أردت فقط أن أرى الأرض من جديد، أن أحدد أين كانت غرف أبنائي وبناتي. استأجرت جرافة لساعات محدودة ما كلفني مبلغاً يفوق قدرتي لكنني اعتبره خطوة أولى نحو إعادة نصب غرفة مؤقتة تؤويني وأسرتي". يضيف: "عادلت أجرة الساعة الواحدة ما كنت أجنيه في شهر كامل قبل الحرب، لكن الركام كان يغلق الشارع ويخنقنا نفسياً. أردنا أن نفتح ممراً وأن نشعر أن الحياة يمكن أن تتحرك من جديد". ويشير عليوة إلى أنه اضطر إلى الاقتراض من أقارب لتغطية تكاليف الشاحنة التي نقلت الأنقاض إلى منطقة مدمّرة قريبة، ويؤكد أن "العملية مرهقة، لكنها ضرورية كي لا نبقى أسرى مشهد الدمار كل يوم".
ولا تقتصر الجهود على المنازل إذ يسعى بعض أصحاب المتاجر إلى تنظيف واجهاتهم وإزالة الأنقاض من داخلها تمهيداً لإعادة فتحها ولو جزئياً، فالمتجر فرصة لاستعادة دخل مفقود، حتى إذا اقتصر العمل فيه على مساحة صغيرة وسط مبنى متصدع. وقال سامر خلة (39 سنة)، وهو صاحب محل أدوات كهربائية تعرض لتدمير جزئي، لـ"العربي الجديد": "كان يعني الركام داخل متجري تجميد الحياة تماماً. إنه مصدر رزقي الوحيد، وكل يوم يمر من دون تنظيفه خسارة جديدة".
وأوضح أنه اتفق مع سائق جرافة وشاحنة لنقل الركام مقابل مبلغ كبير، خاصة مع ارتفاع أسعار الوقود وندرة الآليات، وقال: "دفعت نحو أربعة آلاف شيكل لإزالة الأنقاض من مساحة لا تتجاوز بضعة أمتار، واليوم أستطيع فتح الباب حتى لو بواجهة متصدعة. إعادة فتح محلي، ولو جزئياً، أعاد لي الشعور بالكرامة والاستقلال، والعمل وسط الغبار والركام أفضل من الانتظار بلا أفق".
وتُنقل الأنقاض بعد جمعها إلى شاطئ البحر أو إلى مناطق مدمرة أصلاً وممتلئة بأكوام الحجارة، وتتشكل تلال إسمنتية جديدة تضاف إلى مشهد عام يطغى عليه الرماد والغبار. ورغم الجدل حول الأثر البيئي لهذه الخطوة يرى كثيرون أنها حلّ اضطراري في ظل غياب أماكن مخصصة ومجهزة لمعالجة مخلفات الدمار.
من جهته، قال وسام أبو سعدة (52 سنة)، وهو نازح عاد إلى حيّه المدمر، لـ"العربي الجديد": "لم تعد الخيمة تحتمل حرّ الصيف ولا برد الشتاء، فقررنا إزالة جزء من ركام بيتنا لإنشاء غرفة بسيطة فوقه، والجرافة لم تستطع العمل إلا ساعات قليلة بسبب شح الوقود وازدحام الطلبات، ما اضطرني إلى دفع مبلغ مضاعف لتأمينها في موعد محدد". نُقِل الركام إلى أرض قريبة تضم أكواماً من الردم إذ لم نملك خياراً آخر. العملية شاقة وخطرة، وقد تنهار الجدران المتبقية في أي لحظة، لكن إزالة ما استطعنا من ركام خفف عنا وطأة المشهد، فعندما ترى حجارة بيتك مكدسة أمامك تشعر أن كل شيء انتهى، لكن حين تزيلها وتفتح مساحة صغيرة، تشعر أن البداية ممكنة، ولو كانت متواضعة جداً".
وتعتبر عملية إزالة الركام مرهقة جسدياً ونفسياً ومادياً. غبار كثيف يملأ المكان، وخطر انهيار أجزاء متبقية من المباني، وأصوات احتكاك الحديد بالإسمنت التي تعيد إلى الذاكرة لحظات القصف، ومع ذلك يُصر الأهالي على المضي قدماً لمحاولة تخفيف وطأة المشهد اليومي للدمار، واستعادة شعور ولو محدود بالسيطرة على ما تبقى من حياتهم، ومساحة يقولون من خلالها إنهم لا يزالون هنا، يحاولون ترميم المكان كما يرممون أنفسهم.

Related News
الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء
aawsat
13 minutes ago
أهالي غزة يصنعون فرحهم في عيد الفطر وسط النزوح
alaraby ALjadeed
18 minutes ago
«القوة الذهنية».. سلوت يكشف سر تألق محمد صلاح
al-ain
20 minutes ago