Arab
في سياق التصعيد العسكري المستمر بين إيران من جانب وإسرائيل والولايات المتحدة من جانب آخر، شهدت الأيام الأخيرة توسيع الهجمات على منشآت إيرانية وردات فعل أبرزت استخدام طهران "ورقة الطاقة" استراتيجيةَ رد مركزيةً، شملت التهديد الفوري بإغلاق مضيق هرمز ودفع دول الخليج لوقف جزئي أو كلي لإنتاج النفط والغاز، في محاولة لاستخلاص ضغط اقتصادي عالمي يجبر الولايات المتحدة وإسرائيل على وقف الحرب.
ويعكس هذا النهج تحولاً في الرد الايراني بالتركيز على الاقتصاد سلاحاً غير تقليدي، وسط مخاوف من امتداد النزاع إلى أسابيع، حسب تقييمات خبراء أوردها تقدير نشرته شبكة CNBC مطلع الشهر الجاري.
ويصف خبراء استراتيجيون في دوائر واشنطن استخدام إيران ورقةَ الطاقة بأنها خطوة جريئة ذات تأثير فوري قوي، إذ يمر عبر مضيق هرمز نحو 21 مليون برميل نفط يومياً، أي ثلث الإمدادات البحرية العالمية، وأي إغلاق له يرفع أسعار الخام إلى 120 دولاراً للبرميل في غضون أيام، كما حدث ارتفاع بنسبة 7% بعد التهديدات الأخيرة، حسب ما أورد تقرير نشرته مؤسسة "المجلس الأطلسي" البحثية المعنية بالشؤون الاستراتيجية العالمية.
ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن القدرة الإيرانية على الاستمرارية ضعيفة، لأن إيران تصدر 90% من نفطها عبر المضيق نفسه، ما يعرض اقتصادها لانهيار سريع، ويجعل الخيار "انتحارياً" إلا إذا كان مؤقتاً لأيام معدودة فقط.
لكن ماذا عن دور دول الخليج؟ تتعاظم أهمية السؤال بعدما أعلنت السعودية والإمارات وقطر وقفاً مؤقتاً جزئياً أو شبه كلي لإنتاج النفط والغاز رداًَ على هجمات إيرانية على منشآتها، وهو ما يراه متخصصون تعزيزاً للضغط العالمي بنسبة إضافية، ما يدفع أسعار الغاز المسال إلى مستويات قياسية تهدد أوروبا بالتضخم بنسبة 5-8%، وآسيا بالركود الصناعي، حسب ما أورد تقرير نشرته "أوكسفورد إيكونوميكس".
لكن هل يكفي ذلك لإنهاء الحرب؟ الرأي السائد، حسب التقرير نفسه، أن التأثير محدود بنسبة 40% على المدى القصير، لأن الولايات المتحدة تمتلك احتياطيات استراتيجية جاهزة تزيد عن 700 مليون برميل، وإنتاجاً داخلياً يغطي 13 مليون برميل يومياً، بينما تعتمد إسرائيل على خطوط بديلة عبر البحر الأحمر، كما أن الرد الأميركي المتوقع سيكون عسكرياً مباشراً، ما يجعل الضغط الاقتصادي أمام اختبار صعب.
وإزاء ذلك، تبدو ورقة الطاقة، رغم قوتها الاقتصادية، قد لا تمثل عاملاً كافياً لإنهاء النزاع، حسب تحليل نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية مستنداً إلى ثلاثة أسباب، هي: الاعتماد المتبادل الذي يضر بإيران أكثر، والاستعدادات الأميركية طويلة الأمد لمثل هذه السيناريوهات منذ 2019؛ وعدم دعم الصين وروسيا الكامل لإيران خوفاً من اضطرابات الطاقة العالمية.
وإن كانت روسيا تدرس وقف ضخ الغاز إلى أوروبا، ما قد يجعل ورقة الطاقة مؤثرة إلى حد ما، لكن ليست حاسمة بمفردها للحرب، حسب مراقبين. ولمح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أول من أمس، إلى إمكانية توقف روسيا عن توريد الغاز إلى الأسواق الأوروبية في الوقت الحالي والتوجه نحو أسواق أكثر جدوى. وتابع: "لكن هذا ليس قراراً، بل هو في هذه الحالة مجرد تفكير بصوت عال. سأوجه الحكومة بالتأكيد للعمل على هذه المسألة بالتعاون مع شركاتنا".
ورقة ضغط قصوى
في هذا الإطار، يؤكد أستاذ الاقتصاد بجامعة نيس الفرنسية آلان صفا، لـ "العربي الجديد"، أن مصير مضيق هرمز جعل "ورقة الطاقة" أداة استراتيجية بيد إيران في مواجهة الحرب الراهنة، خاصة أن طهران تعاني أصلاً من عقوبات اقتصادية تمنعها من تصدير نفطها، فتستخدم تهديد إغلاق مضيق هرمز "ورقةَ ضغط قصوى"، حسب تعبيره.
وعلى الرغم من الحديث عن إمكانية فتح المضيق بالقوة العسكرية الأميركية، فإن الضيق الجغرافي للممر المائي (نحو 50 كم) وكثافة الاشتباكات المتوقعة يجعلان مرور السفن الحربية والتجارية مغامرة محفوفة بمخاطر جسيمة قد تعطل الملاحة كلياً، بحسب صفا.
وفي حين تملك السعودية بدائل لتصدير نفطها عبر البحر الأحمر، وتوجد احتياطيات تعويضية في دول مثل ليبيا وفنزويلا، يكمن الخطر الحقيقي في قطاع الغاز الطبيعي المسال، حيث تعتمد أوروبا بشكل متزايد على الغاز القطري بديلاً للغاز الروسي، ما يجعل أي وقف للتصدير القطري ضربة موجعة للاقتصاد الأوروبي أكثر منه للأميركي، وفق تحليل صفا لتفاوت التأثير بين القارات.
وتسعى إيران من خلال هذه الورقة إلى ممارسة ضغط مزدوج على دول الخليج وأوروبا لإجبار الولايات المتحدة وإسرائيل على وقف الحرب، غير أن صفا يحذر من أن هذا التكتيك قد ينقلب ضد طهران إذا دفع ذلك الدول الخليجية للتدخل المباشر في الصراع، ما سيعزز الضغط العسكري عليها ويجعل الحرب خاسرة للجميع، بينما تتفرج الولايات المتحدة وتدفع إسرائيل ثمناً قد لا يتناسب مع أهدافها، خاصة أن الاقتصاد الإسرائيلي الضيق لا يحتمل حرباً طويلة الأمد، وهو ما يجعل كل يوم يمر لصالح إيران استنزافاً للقدرات الأميركية والإسرائيلية.
ويخلص صفا إلى أن الهدف المعلن بتغيير النظام الإيراني أدى عملياً إلى تشدد النظام الحالي وترسيخ موقفه، ما وضع الأطراف الثلاثة (إيران، وأميركا، وإسرائيل) في حالة تردد وحيرة، ومع ذلك، تبقى ورقة الطاقة هي الرابح الأكبر والأقل تكلفة لإيران في الصراع الحالي، لذا من المتوقع أن تستغلها طهران حتى اللحظة الأخيرة باعتبار أن أرباحها الجيوسياسية تفوق بكثير تكاليفها الاقتصادية.
أداة جيواقتصادية محورية
يصف الخبير الاقتصادي ربيع بدواني مخلوف ورقة الطاقة بأنها باتت "أداة جيواقتصادية محورية" في ردات الفعل الإيرانية الراهنة على الهجمات العسكرية الأميركية والإسرائيلية، حيث تعتمد طهران على قدرتها في التأثير على مضيق هرمز الذي يعبره يومياً نحو 20% من النفط عالمياً ونحو 19% من صادرات الغاز المسال، وبات الممر المائي معرض لعمليات بحرية وعسكرية تعكر صفو الملاحة.
ويضيف مخلوف أن التداعيات بدأت تظهر فوراً في الأسواق العالمية عبر تعطيل حركة الملاحة وارتفاع أقساط التأمين وانسحاب شركات الشحن، ما خلق إغلاقاً غير رسمي للممرات دفع أسعار خام برنت للقفز من مستويات 70 دولاراً إلى ما فوق 80 دولاراً للبرميل، مع تقديرات بنوك استثمار كبرى مثل "غولدمان ساكس" بزيادة تتراوح بين 10 و15 دولارا في حال استمرار التوقف لشهر كامل، وربما بلوغ الأسعار حاجز 100-120 دولاراً إذا طالت الاضطرابات لأسابيع.
يأتي ذلك بينما تواجه أسواق الغاز في أوروبا ضغوطاً ترشح رفع السعر إلى 74 يورو للميغاواط ساعة، وهو ما يضيف تلقائياً ما بين 0.5% و0.7% للتضخم العالمي، كما يوثق مخلوف الأرقام الأولية للأزمة.
غير أن هذا الضغط الاقتصادي، رغم شدته، لا يعتبر كافياً بحد ذاته لإنهاء الحرب، حسب ما يرى مخلوف، معللاً ذلك بأن أسواق الطاقة العالمية أعمق من الاعتماد على ممر واحد، حيث توجد احتياطيات وبدائل في الولايات المتحدة وكندا وأفريقيا، بالإضافة إلى قدرة الأسواق على امتصاص الصدمات جزئياً عبر المخزون الاستراتيجي وإعادة توجيه التدفقات، فضلاً عن استمرار الإنتاج الضخم في دول خليجية كبرى كالسعودية والإمارات رغم تحديات التصدير.
وإزاء ذلك، يخلص مخلوف إلى أن إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الإمدادات يبقى أداة ضغط قصيرة الأجل ترفع التكاليف وتجبر حكومات الدول المستهلكة على السعي للتهدئة، لكنها لا تضمن إنهاء الصراع من دون تدخلات دبلوماسية وسياسية أعمق، إذ تكمن الفعالية الحقيقية لورقة الطاقة في قدرتها على إحداث صدمة سريعة في الأسواق وليس في لعبها دور "عامل الإكراه الوحيد" الذي يجبر الأطراف على الانسحاب العسكري، ولذا فالحل النهائي يتطلب مزيجاً من الضغوط الاقتصادية والتحولات السياسية الدولية.

Related News
هل تجلب معارف آخر العمر الأحزان؟
alaraby ALjadeed
13 minutes ago
إسبانيا وحسابات الأزمة الإيرانية
alaraby ALjadeed
13 minutes ago
الديني والسياسي في العدوان على إيران
alaraby ALjadeed
13 minutes ago
لماذا إيران وليست كوريا الشمالية؟
alaraby ALjadeed
13 minutes ago
لمّا سقط هابرماس في اختبار فلسطين
alaraby ALjadeed
14 minutes ago