Arab
تُلقي الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ظلالها على التوازنات الإقليمية والدولية، في ظلّ حالة الاستقطاب الدولي الحادّ بشأنها. وتشكّل إسبانيا حالةً خاصّةً في المواقف الأوروبية إزاء حروب الشرق الأوسط، فخلال حرب الإبادة التي شنّتها دولة الاحتلال على قطاع غزّة، كان الموقف الإسباني متقدّماً جدّاً قياساً إلى مواقف أوروبية أخرى؛ وكان رئيس الحكومة بيدرو سانشيز أوّل زعيم أوروبي يصف هذه الحرب بـ"الإبادة الجماعية". ومع اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية الحالية على إيران، أخذ هذا الموقف أبعاداً جديدة، إذ لم تكتفِ حكومته بإدانة هذه الحرب، بل اعتبرتها "عملاً متهوّراً وغيرَ قانوني"، ورفضت السماح للطائرات الأميركية باستخدام القواعد الجوّية والبحرية في الجنوب الإسباني لقصف إيران.
ولعلّ اللافت في موقف الحكومة الإسبانية رفضها تكرار ما حدث في 2003، حين انضمّت الحكومة اليمينية المحافظة آنذاك، التي قادها الحزب الشعبي وزعيمه خوسي ماريا أثنار، إلى التحالف الدولي للحرب على العراق، قبل أن يصل الحزب الاشتراكي العمّالي إلى السلطة (2004)، ويقرّر سحب القوات الإسبانية من العراق. يعكس هذا الموقف حرص سانشيز على الاتّساق السياسي والرمزي مع موقف حكومة خوسي لويس ثاباتيرو التي اتخذت قرار الانسحاب من العراق، بعد الانقسام الذي أحدثه قرار أثنار المتسرّع بالانضمام إلى جورج بوش (الابن) في حربه على العراق. ويمكن القول إن اتّخاذ سانشيز موقفاً حازماً ضدّ الحرب على إيران يرفع، نسبياً، أسهم حكومته الانتخابية، على أساس أنها حكومةٌ تدافع عن القانون الدولي واستقلالية الاتحاد الأوروبي في مواجهة السياسات الأميركية، وهو ما له دلالته في ظلّ حاجة الحكومة إلى دعم أحزاب اليسار المعارِضة للحرب قبل انتخابات 2027.
إقليمياً ودولياً، تسعى السياسة الخارجية الإسبانية إلى إعادة تموضع إسبانيا فاعلاً مؤثّراً، سواء في داخل أوروبا أو في حوض البحر الأبيض المتوسط. والحرب الحالية، بتعقيداتها الجيوسياسية كلّها، هي منعطف لاختبار مدى قدرة هذه السياسة على إعادة تموضع إسبانيا في بيئة إقليمية ودولية مضطربة. ويرى محلّلون إسبان أن الأزمة الإيرانية كشفت قدرةَ حكومة سانشيز، نسبياً، على إدارة التناقضات الجيوسياسية والأمنية والاقتصادية للحرب، بما لا يتعارض، من ناحية، مع المصالح الأوروبية والإقليمية، ومن ناحية أخرى مع مصالح إسبانيا الوطنية، لا سيّما تلك المقترنة بعامل الطاقة. غير أن ذلك، على وجاهته، يبقى مشروطاً، بحسب محلّلين آخرين، بدينامية دبلوماسية تعزّز الموقف الإسباني وتمنحه هامشاً للمناورة أمام حالة عدم اليقين التي تشهدها العواصم الأوروبية بعد ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب حركة الشحن العالمية. وبوسع إسبانيا أن تكون في هذا الصدد نقطةَ توازن داخل الاتحاد الأوروبي، بين مواقف دول قريبة من الموقف الأميركي تجاه إيران، ومواقف دول أخرى أكثر تحفّظاً، خاصّةً بعد مخرجات اجتماع وزراء خارجية دول الاتحاد، المنعقد في بروكسل الاثنين الماضي، التي تصدّرها تأكيد دول الاتحاد "أن الحرب على إيران ليست حرب أوروبا"، ورفضها مساعدة الولايات المتحدة في تأمين مضيق هرمز.
كشفت الأزمة الإيرانية أهمية بُعد "الملاحة البحرية" في الأمن القومي لإسبانيا؛ ذلك أن موقعها، عند ملتقى تقاطع استراتيجي يربط بين المتوسط والمحيط الأطلسي وشمال أفريقيا ومنطقة الساحل وجنوب الصحراء، يفرض عليها مراجعة منظومة أمنها القومي بمختلف أبعاده الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية. تعي حكومة سانشيز جيّداً أن ارتدادات موقفها، الرافض للحرب على إيران، لن تقتصر على علاقاتها وتحالفاتها الدولية، بل تتخطّاها إلى حسابات الصراع السياسي في إسبانيا؛ فتأكيد سانشيز عدم توريط البلاد في حرب دولية مدمّرة كما حدث في 2003، ينطوي على رسالة دالّة إلى الناخب الإسباني، مفادها بأن الحكومة والحزب الاشتراكي العمّالي حريصان على أن تبقى مواقفهما وسياساتهما ضمن إطار القانون سواء في الداخل أو الخارج. وبذلك تستهدف حكومة سانشيز حشد اليسار الإسباني بمختلف تشكيلاته، وتعبئة قاعدته الاجتماعية في مواجهة اليمين الإسباني، بطيفيه المحافظ الذي يمثّله الحزب الشعبي، والمتطرّف الذي يمثّله حزب فوكس، الذي لا يخفي تأييده الشديد سياسات دونالد ترامب.

Related News
الدولار في زمن الحروب... هل هو الملاذ الآمن؟
alaraby ALjadeed
4 minutes ago