Arab
تواجه صناعة السيارات في المملكة المتحدة تهديداً وجودياً بعدما انخفض إنتاج المركبات بكل أنواعها في العام الماضي إلى أدنى مستوى له منذ 73 عاماً. وحسب تقرير أصدرته جمعية مصنّعي وتجار السيارات البريطانية (SMMT) اليوم الخميس، فإن إنتاج السيارات والشاحنات الصغيرة والشاحنات والحافلات في بريطانيا تراجع إلى أدنى مستوى له منذ عام 1952. وتشير الأرقام الواردة في التقرير إلى انخفاض الإنتاج بنسبة 15.5% ليصل إجمالي ما أُنتج في عام 2025 إلى 764 ألفاً و715 مركبة من الأنواع كافة.
وتأثر حجم الإنتاج بعدد من العوامل، من بينها الهجوم السيبراني الذي أدى إلى توقف إنتاج شركة "جاغوار&لاندروفر" وهي أكبر مشغّل في قطاع السيارات في بريطانيا، وفرض رسوم جمركية جديدة على الصادرات إلى الولايات المتحدة، ودمج مصنعين للمركبات التجارية في مصنع واحد؛ إضافة إلى استمرار عمليات إعادة الهيكلة مع تحول المصانع إلى تصنيع مستقبلي منزوع الكربون. وقال الرئيس التنفيذي للجمعية مايك هاوز، في التقرير، إن العام الماضي كان "الأصعب منذ جيل كامل"، مشيراً إلى أن الإنتاج تأثر بالهجوم الإلكتروني الذي استهدف "جاغوار لاند روفر"، وإغلاق مصنع "فوكسهول" في لوتون، إضافة إلى حالة عدم اليقين العميق بشأن سياسة التجارة الأميركية.
ومن المتوقع أن يتحسن الوضع هذا العام مع طرح طرازات كهربائية جديدة، إذ تعتقد الجمعية أنّ إنتاج السيارات والشاحنات الصغيرة قد يتجاوز مليون مركبة بحلول عام 2027. لكن هذا الرقم، حتى في حال تحققه، يظل أقل بكثير من إنتاج السيارات في بريطانيا في عام 2016 الذي سجل 1.7 مليون سيارة.
تراجع تاريخي
ويلاحظ المراقبون أن صناعة السيارات البريطانية قد بدأت تفقد تميزها على مدى عقود في ظل المنافسة الأوروبية أولاً ثم الصينية لاحقاً. وأصبح الإنتاج المتميز قاصراً على الطرازات مرتفعة الثمن ذات الشهرة العالمية مثل رولز رويس وجاغوار ورانج روفر وبنتلي.
وشهد العام الماضي توقف أحد المصانع التاريخية في منطقة لوتون في مارس/آذار، وهو مصنع فوكسهول الذي ينتج طرازات جنرال موتورز الأميركية. وظل المصنع يعمل على مدى 120 عاماً، وانخرط في إنتاج محركات الدبابات والطائرات في سنوات الحرب العالمية الثانية. وجاء إغلاق مصنع فوكسهول التاريخي بعد إغلاق مصنع "هوندا" للسيارات في سويندون جنوب غربي إنكلترا عام 2021، ومصنع محركات "فورد" في بريدجند في منطقة ويلز قبل ذلك بعام.
وتسهم صناعة السيارات بنحو 22 مليار جنيه إسترليني سنوياً في الاقتصاد، بحسب الجمعية، وكانت توفّر حتى عام 2023 نحو 198 ألف وظيفة في الاقتصاد البريطاني.
ويخشى محللون اقتصاديون من أن انهيار هذه الصناعة التاريخية سيؤدي إلى توابع كارثية في الاقتصاد البريطاني الذي يكافح من أجل بعض النمو. فمصانع السيارات تتركز غالباً في المناطق ذات الموارد الاقتصادية المتدنية بعيداً عن لندن، وهو ما يعني أن فقدان الآلاف وظائفهم فيها سيلحق ضرراً بدورة الاقتصاد ويضعف الأجور بشكل كامل.
وتجلت المصاعب التي تواجهها الصناعة بشكل واضح عقب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي المعروف بـ"بريكست"، فبالرغم من التوصل إلى اتفاق على تبادل السلع من دون رسوم جمركية، فقد بدا أن تكلفة التصنيع في بريطانيا تظل أكثر كلفة بمقاييس دول مثل وسط وجنوب أوروبا. وفاقم اختراق شركات السيارات الصينية بما تقدمه من منتجات أكثر جاذبية وأرخص سعراً من التحديات التي تواجهها.
ويطالب كثيرون في القطاع الصناعي بفتح الأبواب واسعة أمام استثمارات الشركات الصينية لإرسال مراكز تصنيع لسياراتها الكهربائية في بريطانيا، ففي نظرهم ستكون هذه الخطوة بمثابة تحد لتطوير المنتجات الوطنية والصناعة ككل.
لكن صناعة السيارات البريطانية الممتدة منذ عام 1896 أصبحت بأسمائها الشهيرة جزءاً من الهوية البريطانية، ما يعني أن خسارتها ستمثل فقدان جزء من تلك الهوية. فعندما انهارت شركة "إم جي روفر" عام 2005، لم يكن الغضب بسبب فقدان الوظائف فقط، بل لأن الأمر عُد رمزاً لتراجع الصناعة البريطانية. وازداد ذلك وضوحاً عندما تحولت علامة "إم جي" البريطانية العريقة إلى اسم لسيارات تُصنَّع في الصين.
وتعتمد العديد من العلامات الفاخرة التي لا تزال تُنتج في بريطانيا على هويتها الوطنية، مثل "رولز رويس" و"بنتلي" و"مكلارين" و"لوتس"، وحتى "بي إم دبليو ميني" التي تحمل جزءاً من السيارة "ميني" التي طواها النسيان.
